ترامب ومحمد بن سلمان خلال لقاء في بداية العام الحالي
ترامب ومحمد بن سلمان خلال لقاء في بداية العام الحالي

بقلم عريب الرنتاوي/

أن يكثر الرئيس الأميركي من الحديث عن "موقع السعودية في الاستراتيجية الأميركية"، وأن يُعلي من شأن مكانتها من منظور المصالح الأميركية في المنطقة والعالم، فهذا أمر مفهوم، حتى وإن انطوى على كثير من المبالغة، مقصودة كانت أم غير مقصودة... وأن يسعى الرئيس دونالد ترامب إلى إقامة "فصل تعسفي" ما بين جريمة اغتيال خاشقجي من جهة وعلاقات بلاده مع لاعب إقليمي أساسي، وفاعل رئيس في اقتصاديات الطاقة العالمية، فهذا أيضا أمر مبرر، شريطة ألا يظهر كمن يضرب عرض الحائط، بكل منظومة القيم والمبادئ الأخلاقية في السياسة والقانون الدوليين.

لكن أن ينتهي الأمر، إلى تعطيل مسارات التحقيق القضائي في جريمة نكراء، والتشكيك بنتائجه، والإسهام في تمكين مسؤولين رئيسيين عنها من الإفلات من العقاب، فتلك مسألة لا يمكن التهوين من نتائجها الكارثية على صورة الولايات المتحدة في العالم، وعلى شكل ومحتوى العلاقات الدولية، ومستقبل مسار الحريات والحقوق والتحولات الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط والعالم.

كان بمقدور واشنطن، أن تتخذ من الجريمة مدخلا لتسريع الحل السياسي في اليمن

​​وأن يقيم الرئيس تماثلا بين المملكة وولي عهدها، فهذا خطأ جسيم في إدارته للأزمة يلامس ضفاف الخطيئة. ذلك أن العلاقات "التاريخية" و"الاستراتيجية" بين الرياض وواشنطن، بدأت عشرات السنين قبل محمد بن سلمان، ويمكن حفظها وإدامتها وتطويرها، لعشرات السنين مستقبلا، به ومن دونه كذلك. وفي مطلق الأحوال، فإن من غير المفهوم، أن تبني الولايات المتحدة علاقاتها وتحالفاتها مع المملكة أو غيرها، استنادا إلى "رجل واحد"، أيا كان هذا الرجل، ومهما كان موقعه ومنصبه.

على أن الأخطر من كل هذا وذاك وتلك، أن ثمة في البيت الأبيض من يدير أزمة اغتيال خاشقجي، بوصفها "فاصلا قصيرا" في سياق العلاقة المتصل والمتسق بين واشنطن والرياض، حتى أننا لا نرى تفكيرا جديا، باستغلال هذه اللحظة، من أجل دفع القيادة السعودية لاتخاذ مواقف من شأنها إشاعة مناخات جديدة داخل المملكة أو في سياساتها الإقليمية. إذ لم نشهد حتى الآن، جهودا حيثية تبذل لإطلاق سراح معتقلي الرأي والضمير ونشطاء حقوق الإنسان في المملكة، من رجال ونساء، كما أننا لا نرى سعيا حقيقيا، لفرض تغيير في آليات وأدوات ممارسة السلطة داخل المملكة.

اقرأ للكاتب أيضا: الانتخابات النصفية بعيون شرق أوسطية

أما على الصعيد الإقليمي، فإن أكثر ما لفت الانتباه في تصريحات الرئيس ترامب، أنه لا يرى في السعودية سوى "قاعدة عسكرية كبيرة" للولايات المتحدة، ومصدرا للطاقة الرخيصة، وحليفا لولا وجوده، لكانت إسرائيل "في مأزق كبير"، من دون إبداء أية حساسية من أي نوع، لهذا الربط الضار سياسيا وأخلاقيا، بين مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وواحدة من أكثر القيادات العربية استخفافا بحقوق الإنسان وتعديا عليها. الأمر الذي يفتح الباب لإعادة طرح سؤال، لطالما ظل مطروحا في الأوساط السياسية والاجتماعية العربية، عن سر حماية واشنطن لأحد أكثر الأنظمة ديكتاتورية وفسادا، والآن، إجراما.

يدرك نشطاء حقوق الإنسان في المنطقة العربية، أن من السذاجة مطالبة الولايات المتحدة، بالمقامرة بمصالحها الاستراتيجية والحيوية في المنطقة، نظير قيم حقوقية وإنسانية يناضلون في سبيلها. بيد أنهم لطالما راهنوا على إحداث "الحد الأدنى" من التوازن بين القيم والمصالح، بين السياسة والأخلاق. والمؤسف أن أداء إدارة ترامب في أزمة خاشقجي، قد أسقط هذه الرهانات، وترك هؤلاء وحدهم في مقارعة أنظمة الطغيان والاستبداد، بل وجعل ظهورهم مكشوفة أمام شتى الأخطار، فطالما أن هذه الدولة أو تلك، بمقدورها أن تبرم صفقات تسلح فلكية مع واشنطن، وطالما أنها تنتهج سياسات تسترضي إسرائيل وتحظى بقبولها، فإن بمقدورها أن تفعل ما تشاء، دون خشية من حساب أو عقاب. إنها حقا، رسالة "مرعبة" لكل الذين يخاطرون بحريتهم وعيشهم وحيواتهم من أبناء وبنات هذه المنطقة من أجل الحرية والديمقراطية، إذ يتنامى في أوساطهم وعلى نحو غير مسبوق، إحساس عميق بـ"التخلي" و"الخذلان".

كان بمقدور واشنطن أن تترك التحقيق في قضية خاشقجي يأخذ مجراه، وأن يشق طريقه صوب "العدالة الدولية"، وأن تضع السعودية أمام خيارين: إما محاسبة المتسببين الحقيقين في الجريمة، وإما مواجهة أوخم العواقب. وكان يمكن لموقف صلب كهذا، أن يطلق داخل العائلة المالكة في السعودية، ديناميات جديدة، قد تنتهي بتغيير سلم القيادة فيها. وكان يمكن لسيناريو كهذا، أن يحفظ لواشنطن صورتها "الويلسونية" من جهة، وأن تحتفظ بمصالحها ومصالح حلفائها مع المملكة من جهة ثانية. لكن الإدارة ارتضت سلوك طريق التستر والحماية لرجل تقول أجهزتها الاستخبارية، إنه متورط في جريمة قتل خاشقجي.

لقد أقامت واشنطن، ومن خلفها الغرب عموما، الدنيا ولم يقعدوها لمحاولة اغتيال العميل الروسي المنشق سيرغي سكريبال، وقبلها وقف العالم على قدم واحدة بعد جريمة اغتيال رفيق الحريري المروعة في بيروت، وهذا أمر مهم ورد فعل طبيعي، لكننا لم نر شيئا مماثلا كرد فعل على جريمة لا تقل هولا وبشاعة. لكأن الجريمة لا تكتمل أركانها إلا حين تصدر عن جهة غير صديقة لواشنطن، أما حين تصدر عن حليف أو شريك، فهي أمر يمكن احتماله والقفز من فوقه، وإن بعد بضعة أسابيع من الاستنكارات والإدانات اللفظية التي لا تقدم ولا تؤخر.

لولا بصيص أمل في حراك الكونغرس بمجلسيه وحزبيه، ويقظة الإعلام ومؤسسات حقوق الإنسان الأميركية على هول الجريمة، لكانت صورة واشنطن قد أصيبت في مقتل

​​كان بمقدور واشنطن، أن تتخذ من الجريمة مدخلا لتسريع الحل السياسي في اليمن، ولكن بدلا من ذلك، رأيناها تمنح التحالف السعودي ـ الإماراتي شهرا إضافيا، لاختبار محاولة جديدة للسيطرة على مدينة الحديدة ومينائها الاستراتيجيين، وعندما أخفق آخر هجوم شامل على المدينة في تحقيق مراميه العسكرية، رأينا تسارعا في أنشطة الوفد الأممي مارتن غريفيت. ولا ندري إن كان اليمن سيستعيد أمنه واستقراره وعافيته، بعد الجولة القادمة من المشاورات في السويد الشهر المقبل.

وعلى الرغم من انتعاش الآمال بإمكانية حل الأزمة الخليجية، وإنهاء الحصار المضروب على الدوحة، كنتيجة غير مباشرة لتداعيات أزمة خاشقجي، إلا أن دفاع الإدارة عن ولي العهد السعودي، أسهم في تبديد هذه الآمال، وأعاد شحن قادة دول الحصار، وتحديدا السعودية، بجرعة جديدة من المكابرة والعناد، فولي العهد السعودي، المطمئن لسلامة موقعه، والذي شرع في جولة خارجية وأكد مشاركته في اجتماعات قمة العشرين، آمنا مطمئنا، يجد نفسه وقد غادر عنق الزجاجة، وربما قرر استئناف ما بدأه من إجراءات وسياسات داخلية وخارجية وكأن شيئا لم يكن.

اقرأ للكاتب أيضا: نخب إسرائيلية تطرح تجاوز 'حل الدولتين' و'الدولة الواحدة'

خلاصة القول، إن إدارة الرئيس ترامب، ستتحمل سياسيا وأخلاقيا، تبعات إفلات المذنب والجاني من القصاص العادل في جريمة هزت وجدان الضمير العالمي. وسيسجل تاريخ هذه الإدارة، أنها لم تسهم فقط في مساعدته على الإفلات من العقاب، بل وبددت فرصة نادرة، لإحداث تحول في مسارات بعض أزمات المنطقة المفتوحة، واستحداث التغيير في نهج وآليات الحكم في المملكة، والذي اتسم في السنوات الثلاث الأخيرة على نحو خاص، بكونه الأشد صرامة والأكثر طيشا.

ولولا بصيص أمل في حراك الكونغرس بمجلسيه وحزبيه، ويقظة الإعلام ومؤسسات حقوق الإنسان الأميركية على هول الجريمة، ومحاولات هذه الأطر، تغيير نهج الإدارة وسلوكها، لكانت صورة واشنطن قد أصيبت في مقتل، بشظايا العظام المقطعة في مبنى القنصلية.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!