تونسيون يعتصمون دعما لحرية الصحافة
تونسيون يعتصمون دعما لحرية الصحافة

بقلم منى فياض/

يصدر المؤشر العربي منذ العام 2011 عن المركز العربي للدراسات في قطر، وهو استطلاع سنوي يهدف للوقوف على اتجاهات الرأي العام العربي نحو مجموعة مواضيع اقتصادية واجتماعية وسياسية، بما في ذلك اتجاهات الرأي العام نحو قضايا الديمقراطية، ويتضمن تقييم المواطنين لأوضاعهم العامة والأوضاع العامة لبلدانهم.

حاول القائمون على المؤشر في تعليقاتهم إظهار بعض الجوانب المشرقة في مجتمعاتنا لجهة تحسن الموقف من الديمقراطية والمؤسسات والانتخابات والتدين والحريات غيرها.

لكن عندما نقارن نتائج هذا المؤشر مع نتائج مؤشر الفساد الذي يصدر عن منظمة الشفافية العالمية والمؤشر العالمي للحرية الذي يصدر عن "فريدوم هاوس"، سنجد أن الوضع في المنطقة لا يزال في منتهى السوء، بالرغم من التقدم الطفيف في اتجاهات المواطنين.

يظهر مؤشر الفساد أن غالبية دول العالم لم تحرز أي تقدم على الإطلاق لإنهاء الفساد عدا إحراز بعضها تقدما ضئيلا. ومن اللافت أن مؤشر الحرية في تراجع مستمر وهو ما يشير إلى تراجع الحرية حول العالم، نتيجة صعود القوميين والشعبويين في الدول الديمقراطية، الذين يمثلون تهديدا للديمقراطية العالمية؛ بالإضافة إلى الانتهاكات التي تمارسها الأنظمة القمعية. من دون أن ننسى التجاوزات التي تقع في الحروب دون تحميل المسؤولية لأي جهة ومركزها الشرق الأوسط.

فيما يتعلق بالفساد، اعتمد المؤشر العربي على مدى انتشار الفساد المالي والإداري في البلاد، بوصفه أحد المؤشرات المعيارية التي يمكن أن تساهم في تفسير العلاقة بين المواطنين والدولة وفي تقييمهم لأداء دولهم. ولقد أجمع حوالي 91 في المئة، على أن الفساد منتشر بدرجات متفاوتة في بلدانهم.

ومن الملاحظ وجود نوع من التوازي العام بين ارتفاع معدلات الفساد وانخفاض الحريات. جميع الدول العربية تعاني من الفساد؛ إذ حصلت جميعها على علامة أقل من 50 درجة على مؤشر الفساد (ما عدا دولتين: الإمارات وقطر نالتا علامة فاقت الخمسين درجة)؛ هذا يعني أن الدول العربية تعيش في ظل نسب فساد عالية. في المقابل، أفاد مؤشر الحرية أن الدولة الوحيدة التي صنفت كدولة حرة في العالم العربي (22 دولة) هي تونس مع درجة إجمالية بلغت 78 من 100 (المئة تعني بلدا يتمتع بالحرية التامة). فيما صُنفت خُمس الدول العربية تحت خانة "حرة جزئيا"، وهي: جزر القمر ولبنان والمغرب والأردن والكويت. أما بقية الدول العربية البالغ عددها 14 فصنفت كدول "غير حرة".

اقرأ للكاتبة أيضا: وظيفة سلاح 'حزب الله' كذبة ابتلعها الجميع

تساوت مصر مع قطر وجيبوتي في مؤشر الحرية في عدد النقاط بحصولها على درجة إجمالية متوسطة بلغت 26، فيما نالت السعودية 10 درجات وتذيّلت سوريا الترتيب بحصولها على درجة إجمالية متوسطة بلغت ناقص 1.

يتماشى هذا مع ما يكشفه التحليل المفصل لنتائج المؤشر لجهة أن معظم البلدان التي تتدنى فيها مستويات حماية الصحافة والمنظمات غير الحكومية هي التي تتصدر أعلى معدلات الفساد؛ فالفساد يساهم في التضييق على المجتمع المدني الذي يعبر وجوده عن مستوى الديمقراطية في البلد المأخوذ بعين الاعتبار. ما يعني وجود ارتباط سلبي بين الفساد ومستوى الحريات العامة.

تمتعت البلدان ذات الأنظمة الديمقراطية عموما بمعدلات جيدة نسبيا على المؤشرين معا تفوق كثيرا البلدان الأخرى ذات الأنظمة غير الديمقراطية. وتصدرت كل من فنلندا والنرويج والسويد مؤشر الحرية.

السؤال الذي يشغلنا هو إلى أي مدى يتلمس المواطن العربي هذه العلاقة بين الفساد ومستوى الحريات العامة؟ وهل يمكنه أن يقيّم مستوى الديمقراطية أو تدهور الحريات في بلدانه.

إذا دققنا في نتائج المؤشر العربي سوف نجد أن الشكوى العارمة من الفساد لا ترافقها شكوى موازية من غياب الحريات.

يعتمد مؤشر الحرية العالمي في تصنيفه على معياريين أساسيين، هما: الحقوق السياسية والحريات المدنية، ثم يحسب درجة إجمالية من صفر إلى 100 لكل دولة محل الدراسة.

فكيف قيّم المواطن العربي مستوى الديموقراطية في بلاده؟

سنجد الترتيب على الشكل التالي:

  • السعودية 7.5
  • الكويت 6.9
  • الأردن 6.2
  • موريتانيا 5.9
  • لبنان 5.8
  • مصر 5.6
  • تونس 5.2
  • المغرب 5.1
  • العراق 4.9
  • فلسطين 4.7
  • السودان 3.7
  • المعدل 5.5

المعدل العام 5.5 وهو يعني أن التقييم العام للديمقراطية فوق المتوسط بقليل؛ فيما تصدرت السعودية مع درجة 7.5 رأس اللائحة.

ووجد 55 في المئة من المستطلعين أن الحريات مضمونة بالكامل أو مضمونة إلى حد ما في بلدانهم؛ و39 في المئة رأوا أنها غير مضمونة إلى حد ما أو غير مضمونة على الإطلاق. وهذا يتعارض مع نتائج مؤشر الحرية الذي أفاد بأن معظم الدول تغيب عنها الحرية أو أنها منقوصة. إذن تفيد النتائج بأن تقييم الرأي العام العربي لحرياته أعلى مما هي عليه في الواقع بشكل عام.

ففي حين جاءت تونس في صدارة الدول العربية كدولة حرة مع درجة 70 وهي تساوي 10 أضعاف درجة المملكة العربية السعودية. كان تقييم التونسيين للديمقراطية في بلدهم 5.2 وهو ليس فقط أقل من تقييم السعوديين، بل واللبنانيين أيضا الذين تبين أن بلدهم هو دولة "حرة جزئيا" ويقدرون الديمقراطية بـ 5.8.

هذا يعني أن الحصول على الحرية يدعم الديمقراطية، وكلما كان النظام أكثر ديمقراطية، كلما تمتع المواطن بحس نقدي يساعده على التقييم الأقرب إلى الواقع. والعكس صحيح، كلما تعرض المواطن للقمع يصبح أكثر ميلا للقبول بالأوضاع السيئة واعتبارها مقبولة.

وليس أدل على ذلك ما أظهره التقرير من أن أكثرية المستجيبين أفادوا بأن المواطنين غير قادرين على انتقاد الحكومة دون خوف، بالرغم من تقييمهم الإيجابي لمستوى الديمقراطية. فكيف تكون إذن الحريات مضمونة؟ فسر التقرير هذه النتيجة بأنها تعود إلى كونه موضوعا عمليا بينما تقييم ضمان الحريات يكون مختلطا بين العملي والمجرد.

وهذا يعني أن المواطن العربي لا يمتلك الشروط الأساسية كي يتمكن من تقييم أوضاعه بشكل دقيق؛ الأمر الذي يتطلب اعتماد وسائل قياس إضافية موضوعية لتقدير مدى توافق تقييم المواطن النظري لوضعه مع الواقع الحقيقي أو العملي.

استنتج المؤشر العربي أن مواطني المنطقة العربية يفهمون الديمقراطية، على أساس سياسي قائم على ضمان الحريات السياسية والمدنية، ونظام حكم يحترم التعددية وتداول السلطة. أو من خلال مفهوم سياسي يعتمد على نظام حكم يحقق العدل والمساواة بين المواطنين.

اقرأ للكاتبة أيضا: دور الزبائنية في مأسسة الفساد

ولقد أظهر المؤشر أن المواطن العربي يشكو من تردي الأوضاع الاقتصادية وأن قطاعا واسعا من الأسر العربية يعيش في حالة "عوز" أو على حافة الحاجة الدائمة. وهذا ما جعل المواطنين يعتقدون أن الديمقراطية تساهم في تحسين الوضع الاقتصادي والأمان. مع أن هذين العاملين قد يتوفران في أكثر الأنظمة قمعا (نموذج الصين أو عراق صدام أو سوريا الأسد)؛ كما يمكن لبلد ما أن يتمتع بالديمقراطية وهو فقير (نموذج كوستاريكا).

تفضح الرغبة العارمة، لدى 26 في المئة من المواطنين في البلدان العربية، بالهجرة خارج بلدانهم، لأسباب اقتصادية أو سياسية أو بحثا عن الأمن، درجة البؤس التي يعيشونها إلى حد رمي أنفسهم في البحار.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.