برادلي آرماكوست وآدم ويسلي براون (تصوير روجر ماستروياني)
برادلي آرماكوست وآدم ويسلي براون (تصوير روجر ماستروياني)

بقلم رياض عصمت/

كم هو مفزع أن يحوم ملاك الموت حول الطفولة، والطفولة بريئة بعد من كل الخطايا. دأب بعض الناس منذ عصر الكتاب الإغريق (إسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس) على إسناد سبب كل المآسي البشرية إلى إرادة عليا، مؤمنين بأن كل ما يصيب الإنسان إنما كتب له، وأنه مسجل مسبقا على لوح القدر، ويعود إما إلى حكمة خفية، وبالأحرى إلى عقاب رباني.

في الواقع، من المستحيل تفسير سبب وفاة تحصل لمن يصيبه مرض عضال أو يتعرض لحادثة على أنه تلقى جزاء عادلا لآثام ارتكبها في حياته، فالموت يطال الجميع.

منذ ستينيات القرن العشرين، رأى المفكر الوجودي جان بول سارتر وشريكته سيمون دو بوفوار أن هذا التفسير للموت يلغي من الوجود الإنساني كلا من "الحرية" و"المسؤولية". بالتالي، فالسؤال الذي طرحه المفكران الوجوديان هو: "لماذا يموت الأطفال؟". عزا الاثنان، ومعهما عديد من الفلاسفة الموت إلى عبث الأقدار، وإلى حتمية الفناء في عمر أو آخر على مبدأ "تعددت الأسباب والموت واحد".

جعلنا حومان ملاك الموت نخاف من خيالنا بسبب كثرة المآسي المفجعة التي تردنا عبر وسائل الإعلام

​​إن الأطفال الذين يختطفهم ملاك الموت يرحلون عن دنيانا وهم ما يزالون أنقياء، لم يرتكبوا خطيئة تستوجب العقاب، لكنهم رغم هذا يموتون مثل سواهم من الخاطئين الكبار، حاملي الذنوب الغفيرة.

ما زالت عروض "ملاك الموت" (أو حسب الترجمة الحرفية لعنوانها "المرأة ذات الثوب الأسود" The Woman in Black) مستمرة في لندن منذ قرابة ثلاثين سنة متواصلة، لتكون هذه المسرحية هي الرابعة بين الأعمال الأطول عرضا في حي المسارح اللندني الشهير الوست-إند بعد "مصيدة الفئران" لأغاثا كريستي، وميوزيكالي "البؤساء" و"شبح الأوبرا".

اقرأ للكاتب أيضا: أول إنسان داس على سطح جارنا القمر

"ملاك الموت" عمل مقتبس عن رواية سوزان هيل، قام بمسرحته ستيفن مالاترات، وأخرجه في إنكلترا روبن هارفورد، الذي سبق أن عمل طويلا كممثل ومخرج ومدير فني في بلدة سكاربورو مع المؤلف البريطاني ذائع الصيت ألان إيكبورن. حرص هارفورد على القيام بإخراج نسخ المسرحية في طوكيو وسنغافورة والهند وأستراليا ونيوزيلندا، فضلا عن 12 جولة قام بها بعرضه البريطاني عالميا. وها هو ذا يخرجها اليوم بنفسه لصالح "مسرح جورج الملكي" Royal George Theatre بشيكاغو في خطوة تعتبر إنجازا جديدا يكلل نجاح هذه المسرحية الغريبة.

وقف الجمهور الأميركي كله في نهاية العرض مصفقا للممثلين البارعين (برادلي آرماكوست وآدم ويسلي براون) اللذين قدماه كنسخة طبق الأصل عن العرض اللندني، إضافة إلى إسهام الفنانة كلوي بالدوين في القيام بدور الشبح. جدير بالذكر، أن "ملاك الموت" اقتبست مرتين إلى السينما، واحدة في عام 1989، وأخرى في عام 2012 لعب بطولتها دانيال رادكليف بطل سلسلة "هاري بوتر" الشهيرة.

برادلي آرماكوست وآدم ويسلي براون (تصوير روجر ماستروياني)

​​

تختلف حبكة مسرحية "ملاك الموت" (أو "المرأة ذات الثوب الأسود") عن حبكة كل من الفيلمين المذكورين اختلافا بينا؛ فالمسرحية تضم شخصيتين فقط تتمرنان في مسرح فارغ. الأول هو آرثر كيبس، المحامي الذي يريد رواية قصته دون أن يحسن أداءها، والثاني ممثل محترف استعان به ليدربه، لكنه سرعان ما يضطر إلى تقمص شخصية المحامي، ويكلف المحامي بأداء جميع الأدوار الأخرى.

تروي القصة مهمة كلف بها المحامي من مديره لتوثيق أوراق سيدة متوفاة ماتت في قصرها الواقع في منطقة نائية. يصل المحامي إلى القرية ليسمع ثم يواجه أحداث موت أطفال مفجعة، خاصة بعد تردده إلى قصرها المهجور، ومشاهدته شبح امرأة ترتدي السواد يحوم في أرجاء الحديقة والمقبرة والدهاليز المعتمة، وسماعه في بهيم الليل صوت تأرجح كرسي هزاز كأنما يجلس عليه طيف لا يرى.

يكتشف المحامي بعد رفض وذعر من أهالي القرية الذين يفقدون أطفالهم بصورة غريبة يعزونها لشبح المرأة ذات الثوب الأسود التي تختطفهم قبل الأوان، أن تلك المرأة إنما كانت أما اتهمت بالجنون، فانتزع طفلها منها لتتبناه أختها المرأة الثرية مسز درابلو، فحرمتها الأخت رؤيته، ثم سمحت لها به على مضض كمربية، شريطة ألا تبوح له إطلاقا بأنها أمه الحقيقية.

ذات يوم، أهملته الأخت الثرية خلال رحلة في الطبيعة فمات الطفل غرقا في مستنقع. مرضت الأم الحقيقية المفجوعة وأصابها الهزال إلى قضت ودفنت في مقبرة القرية، لكن شبحها الناقم ظل يحوم ليختطف الأطفال إلى ملكوت الموت بطرق غريبة ومفجعة.

يروي المحامي الحقيقي قبيل النهاية للممثل أنه بعد زواجه من خطيبته وإنجابهما طفلا، جاء الموت في حادثة أليمة وحرمه من الاثنين. في نهاية المسرحية، يقول الممثل الذي تقمص دور المحامي وجسد تفاصيل مغامرته المرعبة للمحامي صاحب القصة الحقيقية إنه نجح في مفاجأته بإحضار امرأة ترتدي السواد لتشخص دور الشبح في المسرح الفارغ إلا منهما ومن عامل الصوت. لكن المحامي يجيبه بدهشة إنه لم يحضر أحدا. بالتالي، فإن ملاك الموت الذي ظهر للممثل خلال أدائه للقصة هو شبح المرأة ذات الثوب الأسود نفسه الذي ما زال يحوم حول الأحياء، آثمين كانوا أم أبرياء.

لا شك أن إخراج روبن هارفورد مع تصميم ديكور وإضاءة وصوت في منتهى الحرفية والبراعة، وبالأخص أداء كل من الممثلين برادلي آرماكوست وآدم ويسلي براون القوي والمقنع، تضافرت معا لتقدم إلى جمهور شيكاغو متعة تضاهي متعة الجمهور العريض الذي أقبل على هذه المسرحية في لندن عبر 30 سنة، وفي عديد من مدن العالم المختلفة.

"ملاك الموت" عمل مقتبس عن رواية سوزان هيل، قام بمسرحته ستيفن مالاترات، وأخرجه في إنكلترا روبن هارفورد

​​من قال إننا صرنا شجعانا في مواجهة الموت الذي يسرق الطفولة؟ نحن ما زلنا نخاف من خيالنا.

في الواقع، جعلنا حومان ملاك الموت نخاف من خيالنا بسبب كثرة المآسي المفجعة التي تردنا عبر وسائل الإعلام. حريق رهيب في غابات كاليفورنيا يوقع بعدد كبير من الضحايا ويدمر البيوت الفارهة؛ إعصار يضرب فلوريدا أو نورث كارولاينا أو لويزيانا أو سواها؛ تسونامي يضرب إندونيسيا؛ زلزال في اليابان أو إيطاليا أو إيران أو أفغانستان؛ مجازر رهيبة تودي بحياة مئات الآلاف من البشر في حرب أهلية بلد من بلدان العالم؛ احتلال وتفرقة عنصرية وانتزاع أراض وتهجير قسري وتوطين للغرباء في مناطق من العالم وسط عجز أو صمت وتجاهل دوليين؛ اغتيال مسؤول سياسي رفيع وسط ظروف غامضة دون اكتشاف الفاعل؛ اختطاف إعلامي وخنقه ثم تقطيع أوصاله في قنصلية تقع في بلد آخر غير بلده.

اقرأ للكاتب أيضا: الأخ الأكبر

كل هذا، ناهيك عن الكم الهائل من حوادث الطرق والطقس والحرائق، ومن الجرائم التي تحدث في كل مكان، وبالأخص منها تلك الجماعية الناجمة عن تطرف أو جنون أو عنصرية، سواء إطلاق النار على طلاب مدرسة، أو مهاجمة ملهى ليلي، أو الاعتداء على مكان عبادة يهودي، أو استهداف مهاجرين مسلمين أو أبناء وبنات أي من الأقليات العرقية.

بعد هذا التيار من أحداث الرعب الراهن، هل باتت قصص الأشباح تخيفنا؟ هل ما زالت أفلام ألفريد هتشكوك وبريان دو بالما ترعبنا؟ هل ما زالت قصص إدغار ألن بو ودافني دو مورييه وسوزان هيل تصيبنا بالذعر؟ هل ما زال طرد الأرواح التي تتقمص بعض البشر موضوعا يجمد أطرافنا ويثير أعصابنا؟ هل ما زال السفاحون غريبو الأطوار الذين يسفكون الدماء بدم بارد يفزعوننا ببلطاتهم وسكاكينهم ومناشيرهم القاطعة؟ ألم يتجاوز الواقع حدود الخيال، ويطالعنا بجرائم تقشعر لهولها الأبدان، لا تقل عنها غضبات الطبيعة إرهابا؟

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

مسلسل "الاختيار"
أحد ملصقات مسلسل "الاختيار" نقلا من حساب الشركة المنتجة على موقع تويتر | Source: Twitter

لم يبكني عمل درامي كما أبكاني المسلسل المصري "الاختيار". بصراحة، لم أكن أتخيل أن ينجح بهذا الشكل الملفت.

تساءل موقع BBC عربي، هل مسلسل الاختيار "ملحمة وطنيه" جديدة أم "دراما موجهة"؟ تقييم أي عمل درامي من هذا المنظور ثنائي الاستقطاب ليس هو الأسلوب الأمثل من وجهة نظري. المنطلق الأفضل للتقييم، هو دراسة تأثير العمل سواء بالسلب أو الإيجاب على المجتمع.

تأثير مسلسل "الاختيار" على المجتمع المصري، وبدون أي جدال، كان إيجابيا، وهذا هو سر نجاحه.

تعودنا أن تلجأ الأعمال الدرامية المصرية إلى تمجيد شخصية الحاكم، كأفلام "ناصر ٥٦" و "أيام السادات"، أو تقدم معالجات درامية من خيال مؤلفيها، كغالبية الأفلام المنتجة عن حرب أكتوبر 1973. أما مسلسل "الاختيار" فقد اختلف تماما عما قبله لعدة أسباب:

أولا؛ لأنه اختار أن يسلط الضوء، على قائد ميداني في القوات المسلحة، بدلا من زعيم أو عضو بارز في المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية. سلط المسلسل الضوء على العقيد أحمد منسي، الذي يمثل بشخصيته ووطنيته ورجولته الآلاف من شباب مصر.

ثانيا، اعتماد المسلسل على وقائع وشهود عيان عن كل حادث إرهابي تناوله، مما زاد من مصداقية العمل.

ثالثا، مقارنة أحمد منسي، الذي دافع عن بلده في كمين البرث عام 2017، بضابط آخر ترك الجيش ليسلك طريق الإرهاب، وهو هشام عشماوي، مؤسس جماعة المرابطون، مما ساهم في توضيح الفكرة في ذهن المشاهد.

سلط المسلسل الضوء على تعقيدات الحرب على الإرهاب، التي لا تزال ملتبسة في أذهان العديد من المصريين

رسالة المسلسل، ببساطة، أن الإرهاب اختيار وهذا الاختيار هو خيانة للوطن، وأن معارضة الحاكم لا تبرر هذه الخيانة، التي لن تنجح مهما كانت الملابسات والنتائج.

هذه الرسالة مهمة وأساسية في المجتمع المصري، حيث فيه مصطلحات كالوطنية والخدمة العسكرية والدفاع عن الوطن من الغموض والارتباك على مدى عقود.

ومنذ مقتل الرئيس أنور السادات، تضاءل الاهتمام بالجيش المصري تدريجيا في وجدان البعض وخصوصا بين الأجيال الشابة، التي اعتبرته مرحلة مؤقتة من التجنيد الإجباري. ثم ازداد التسفيه والسخرية من الجيش بعد خلع الرئيس حسني مبارك، بحيث أصبحنا نسمع تهكمات مثل " جيش المكرونة"، التي تسخر من مصانع الجيش الغذائية. وتعبيرات مثل "عبيد البيادة" التي تصور زي القوات المسلحة كرمز للعبودية والولاء للحاكم وليس الولاء للوطن.

فجاء المسلسل ليرد الاعتبار للشباب المصري الذي يدافع عن الوطن من خلال خدمته في القوات المسلحة. المسلسل أيضا دحض ادعاء أن الجيش المصري يدفع فقط بالمجندين للخدمة في سيناء، وأثبت أن خيرة رجاله يحاربون هناك ويقتلون دفاعا عن هذا الجزء من تراب الوطن.

بالإضافة أن المسلسل سلط الضوء على تعقيدات الحرب على الإرهاب، التي لا تزال ملتبسة في أذهان العديد من المصريين.

فغالبية البيانات الرسمي للجيش والداخلية المصريين مقتضبة وقصيرة لأسباب أمنية، مما أتاح الفرصة للجماعات الإرهابية، لنشر العديد من المغالطات عن أداء الجيش المصري في سيناء. هذه المغالطات استغلها البعض لاتهام الجيش بالتقصير وعدم المقدرة على مواجهة "شوية عيال يلبسون شباشب".

فجاء المسلسل ليصور الواقع المعقد في سيناء والحدود الغربية مع ليبيا، وتحديات مواجهة الجماعات الإرهابية والأنفاق على الحدود مع قطاع غزة، والصلة المباشرة بين المهربين والإرهابيين.

من ناحية أخرى، انتقد البعض، وأنا منهم، جرعة التدين الزائدة في المسلسل، وكما غرد الكاتب إبراهيم عيسى: "محاربة الإرهابيين ليست بالمزايدة عليهم في التدين والتنافس معهم في التشدد، المعركة بين وطن وجماعات إرهابية. وليست أبدا معركة متدينين حلوين في مواجهة متدينين وحشين".

إلا أن المسلسل استطاع أن يتخطى هذا الجدل في مشهدين مهمين. المشهد الأول، حين قال أحد الإرهابيين (أبو سعد): "ده حتى الطواغيت بيصلوا ويصوموا" وهو اعتراف واضح أن الجماعات الإرهابية تحارب من أجل أهداف سياسية، وليست لنصرة الدين، كما تدعي. فحتى لو كان الجيش المصري كله من حفظة القرآن الكريم، فسيظل الإرهابيين ينظرون له كجيش "الطواغيت" لأن الجيش المصري لا يدين بالولاء لأمرائهم وخلفائهم المزعومين.

يعتقد معارضو النظام المصري، سواء من إسلاميين أو ثوريين، أن تحقير الجيش المصري والتهكم على أدائه هو نوع من الوطنية

المشهد الثاني، حين استضاف المسلسل في حلقته الأخيرة عساكر أقباط (حكما بأسمائهم) ممن حاربوا الإرهابيين وكيف كانوا فريقا واحدا مع رفقائهم في السلاح المسلمين، حيث لا فرق بينهم وهم يحاربون سويا دفاعا عن الوطن، وبهذا أوضح أن الدين ليس هو المعيار الوحيد للوطنية، وأن الجيش المصري ليس جيشا طائفيا كما يحدث في بلاد أخرى في المنطقة.

أثار دفاع المسلسل عن ابن تيمية، وتصوير الجماعات التكفيرية على أنها أخرجت "أفكاره من سياقها التاريخي"، الكثير من الانتقادات اللاذعة. ولكن رب ضارة نافعة.

فقد حفز المسلسل كثيرون للبحث أكثر عن مفهوم الإصلاح الديني ومقارنة فكر ابن تيمية بأفكار آخرين مثل فرج فودة. بسبب مسلسل "الاختيار" أصبح التطرف الديني غير مقبول به مجتمعيا. حتى موقع الجزيرة، أجبر على حذف مقال يدافع عن هشام عشماوي.

يعتقد معارضو النظام المصري، سواء من إسلاميين أو ثوريين، أن تحقير الجيش المصري والتهكم على أدائه هو نوع من الوطنية. فجاء المسلسل ليضرب هذا المفهوم ضربة قاتلة ويعيد للشعب المصري ثقته بجيشه واحترامه لكل شاب يدافع عن بلده.

كما فكك المسلسل الكثير من الألغام الفكرية والاجتماعية التي زرعتها جماعات الإسلام السياسي في مصر، وضبط إيقاع المجتمع وأعاد ثقته بنفسه وبصلابة ووطنية أبنائه، في وقت تواجه فيه مصر الكثير من التحديات الداخلية والخارجية، ولهذا نجح نجاحا مدويا، رغم أنف الكارهين.