تظاهرة نسائية في شمال سوريا في اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد النساء
تظاهرة نسائية في شمال سوريا في اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد النساء

بقلم محمد المحمود/

لم يجرِ اعتماد "اليوم العالمي لمكافحة العنف ضد النساء" إلا لأن النساء يتعرّضن للعنف من قبل الذكور بصورة تكاد تشكل ظاهرة في معظم المجتمعات الإنسانية، لا سيما في المجتمعات التقليدية التي تمنح الذكر سلطات مطلقة أو شبه مطلقة؛ للتحكم بالنساء اللاتي تربطه بهن علاقة قرابة في النطاق الأسري الضيق أو القبائلي الواسع.

ومن الواضح هنا أن الذكر يستمد هيمنته من درجة القرابة وتراتبيتها؛ فكلما علت درجة القرابة كان ذلك يعني زيادة في سلطته على المرأة التي تضعها الأعراف والتقاليد والقوانين تحت رحمته (بقدر ما تربط شرفه بشرفها)؛ إلى درجة تبيح له ـ في بعض الحالات، ودون الرجوع إلى أية مؤسسة نظامية ـ إصدار حكم الإعدام عليها وتنفيذه في الحال.

طبعا، هذه أعلى درجات ممارسة العنف الناتجة عن أعلى درجات الهيمنة الذكورية في المجتمعات التقليدية، لكن، إذا كانت هذه حالات نادرة، بل وحتى في بعض المجتمعات التقليدية تكاد تكون معدومة، وفي بعضها الآخر موجودة؛ ولكنها لا تشكل ظاهرة، كما في بعض المجتمعات التقليدية العربية، فإنها ـ في كل أحوالها ـ تشي بما وراءها من تهميش/ إلغاء يحكم المنطق العام للمجتمع المتحيّز ـ على نحو صريح أو غير صريح ـ ضد النساء على صفة الإجمال. وإذ يتقرّر أن مثل هذا التحيز يشكل ظاهرة على اختلاف في المستوى الذي يتمظهر فيه، فإنه لا يحدث طفرة، ولا خارج الاشتراطات المجتمعية، المغروسة في عمق التاريخ؛ بقدر ما هي مشدودة إلى رهانات الواقع.

منذ بداية تشكل ثقافتنا على شكل سرديات منقولة من مسارها الشفهي إلى الكتابي، والتحيز الواضح ضد المرأة هو عنوان هذه الثقافة

​​ينقل هادي العلوي عن الغزالي قوله ـ في تقرير ما ينبغي أن تكون عليه حالة المرأة مع وزوجها: "النكاح نوع رق، فهي رقيقة له، فعليها طاعة زوجها مطلقا في كل ما طلب منها في نفسها مما لا معصية فيه" (فصول عن المرأة ص36). والفقهاء الذين يُشكّلون ضمير الأمة المؤمنة، من حيث كونهم/ الفقهاء حلقة الوصل بين النص المقدس والواقع الذي يتموضع في البشر/ المكلفين، والذين هم جزء من هذا الواقع، لا يخرجون عما قاله الغزالي في العموم؛ حتى وإن اختلفت الصياغة، أو خفّت اشتراطات الاستعباد الذكوري. ففي النهاية كلهم يصدرون عن ثقافة واحدة تقليدية متحيّزة للذكور ضد الإناث؛ أكثر مما يصدرون عن نص مقدس وضع المقدمات الضرورية لتحقيق المساواة وفق الشروط التأويلية لكل زمان ومكان.

اقرأ للكاتب أيضا: العرب بين الحداثة والواقع التقليدي

لقد تواصل العرب مع العالم الغربي المتحضر منذ قرنين تقريبا، وكان تواصلهم مع أرقى حضارة/ الحضارة الغربية الإنسانية خلال القرن العشرين تواصلا مكثفا. وفي بداية الصدمة الحضارية حصلت المرأة العربية على بعض حقوقها، وبدأ المؤشر الثقافي العربي المنحاز للقيم الإنسانية العليا يجنح للصعود الذي يدعو للتفاؤل.

لكن، حدثت انتكاسات متعددة، صرفت الثقافة العربية/ الوعي العربي عن منجز الحداثة العربية المتواضع. لقد اتسع نطاق هذه الانتكاسات بحيث شملت معظم الجغرافيا العربية، وتوالت متوالياتها مكرورة في الزمان، إلى درجة أصبحت فيها أبسط الحقوق الإنسانية التي حسمت منذ قرنين في الغرب محل جدل تناقضي في العالم العربي مطلع القرن الحادي والعشرين.

نعم، لقد استطاع المد الأصولي أن يضع تراث أزمنة الانحطاط في مقدمة عربة التقدم؛ فأصبح العربي يحلم بمستقبل زاهر يتمثل فيه تراثه العتيق. وهكذا اضطرب الوعي العربي نتيجة هذه الانتكاسات الأصولية، فأصبح الماضي مستقبلا، وأصبحت القَدَامة حداثة، وأصبح الرجوع إلى الوراء تقدما إلى الأمام. وفي حين يتعاطى العربي اليوم مع أحدث منجزات الحضارة الغربية/ الإنسانية، بل وإذ تجده متفاعلا مع أحدث الأنظمة والقوانين والهياكل المؤسساتية، إلا أنه لا يزال ابن ثقافة تقليدية لم تخضع لمراجعة نقدية، تُفكّكها، وتضعها في سياقها المناسب من مسارات التحوّل التي تطمح للدخول بالوعي العربي إلى الفضاء الإنساني للعصر الحديث.

يذكر الباحث القدير/ فريد هاليداي في كتابه (ساعتان هزّتا العالم، ص88) على سبيل التعجّب الاستغراب أن نائبا برلمانيا إسلاميا كويتيا روى حكاية امرأة يعرفها كانت تسهر على راحة والدها المريض في المستشفى، ثم يقول معقبا: "لو كانت نائبة لما تمكنت من القيام بذلك". فالمرأة حتى في عرف هذا "النائب" الذي يفترض فيه أنه اشتبك مع الحداثة، على الأقل في أرقى صورها التنظيمية الشكلية، لا يرى المرأة إلا حيث هي المرأة في تراث الآباء والأجداد، إنه لا يستطيع أن يرى وظيفة المرأة ـ مع كل التطور الحاصل في واقع المرأة، من التعليم إلى العمل إلى المشاركة البرلمانية ـ تتجاوز الوظيفة التقليدية، حيث الوظائف البَيْتِيّة: رعاية الأطفال، وخدمة الكبار، وتمريض المرضى، والقيام بشؤون البيت، من تنظيف وطبخ...إلخ.

لا يستطيع هذا النائب وأمثاله من التقليديين الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من صناع الوعي العربي اليوم، أن يطرح استشكالا بالمقلوب على تقريره بحق المرأة، أي لا يستطيع أن يضع نفسه محلها، فإذا كان هو "نائبا"، فهل يعني أنه يتعذر عليه بالمطلق السهر على راحة والده لو احتاج لرعايته! إنه لا يطرح مثل هذا الاستشكال على نفسه؛ لأنه قد تقرر لديه سلفا، وبقوة هيمنة الثقافة التقليدية أن "الخدمة"؛ حتى في أرقى صورها التي يكون أحد الوالدين موضوعها، هي "وظائف نسوية" خالصة، بينما التمثيل البرلماني من مهام الذكور، ولا علاقة للنساء بهذه المهام العليا. ولهذا صوّت الإسلاميون، ممثلو الثقافة التقليدية، ضد انتخاب النساء وضد ترشحهن من الأساس.

كل هذا يعكس تصورا عربيا تقليديا متوارثا يضع الرجل على الدوام حاكما، والمرأة على الدوام محكومة، فهي تحت هيمنة التسلط الذكوري بقوة منطق الثقافة العامة التي ينتشي الفرد العربي برحيقها من المهد إلى اللحد. واقع المرأة العربية اليوم هو واقع تراثها الكتابي والشفهي الذي يخترق مسام الوعي حتى عند أكثر المنادين بحقوقها. منذ بداية تشكل ثقافتنا على شكل سرديات منقولة من مسارها الشفهي إلى الكتابي (وهذا النقل/ الكتابة/ الترتيب نص إضافي مهم)، والتحيز الواضح ضد المرأة هو عنوان هذه الثقافة.

يعلق محمد عابد الجابري على ترتيب ابن قتيبة لأبواب كتابه عيون الأخبار، حين وضع الباب الأول: السلطان، والأخير: الطعام والنساء/ الأطيبان، بأن هذا "ترتيب طبقي قيمي: السلطان هو القيمة العليا، والمرأة القيمة الدنيا، وبينهما بقية الناس" (العقل الأخلاقي العربي، ص206). وإذا عرفنا أن ابن قتيبة صرّح بأنه يضيف إلى الباب ما يشابهه، إذ أضاف الحرب إلى السلطان، فإنه أضاف النساء إلى الطعام، إذ هما الأطيبان: شهوة الطعام وشهوة النساء، هما موضوع المتعة الذكورية، على اعتبار أن الذكر له الأولية في كل الأشياء، ومن هذه الأشياء: الطعام والنساء.

إن ما تقوله الثقافة التقليدية الأدبية ضمنا، أو على شكل جُمل عابرة، وأمثال سائرة، يقوله النص المتأسلم صراحة، بعد أن يحاول التقاطع ـ إيجابيا ـ مع النص المقدس. فإذا كان الغزالي في القرن الخامس الهجري يرى أن الرجل يسترق المرأة بزواجه منها، وأن على المرأة أن تطيعه طاعة مطلقة/ طاعة العبيد للأسياد، فإن أحد أهم رموز التأسلم في القرن الرابع عشر الهجري/ القرن العشرين الميلادي يقول بما يقول به الغزالي، مع تغيير في الصياغة دون المضمون.

وفق تقرير قطب، المرأة غير مستقلة عن الذكر الوصي، وحتى عندما ينعدم الذكور من أقاربها، فلا بد أن تكون تحت وصاية ما

​​يقول هذا الرمز الإسلاموي الكبير محمد قطب: "في النظام الرباني يوجد دائما كفيل يكفل المرأة في جميع أحوالها لكي لا تتعرض لما تعرضت له المرأة الأوروبية "المتحررة"! وحين لا يوجد كافل من أقاربها يكفلها بيت المال" (رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر، هامش ص92). محمد قطب يريد فرض الطاعة المطلقة عن طريق وضع هذه "الطاعة/ الاستعباد الذكوري" في صورة الكفالة التي تشي ببعد إنساني يتمثل في الرعاية الكاملة. لكنه يجهل أو يتجاهل أن مثل هذه الرعاية الشاملة تعني بالضرورة هيمنة الكفيل/ الرجل على المكفول/ المرأة، هيمنة المُعطِي على المُعطَى. ففي النهاية، وفق تقرير قطب، المرأة غير مستقلة عن الذكر الوصي، وحتى عندما ينعدم الذكور من أقاربها، فلا بد أن تكون تحت وصاية ما، فهي في نظره ليست كالرجل قادرة على الاستقلال بنفسها، وتدبير شؤونها بحرية تحت حماية القانون العام الذي يحمي الجميع.

اقرأ للكاتب أيضا: أسئلة النهضة.. الدين والإنسان

هكذا تنطق الثقافة الموروثة. وللأسف، ليس ثمة جديد ثقافي في عالم العرب اليوم. فكل المؤشرات ـ إلا بعض استثناءات قليلة في المغرب العربي ـ تشير إلى أن الثقافة التقليدية تحكم منطق السلوكيات العربية في صغير الأمور وكبيرها على حد سواء. لكن، وبشيء من الأمل الصادق نستطيع التأكيد على أن ثمة فرصا سانحة لتحرير النص المقدس تأويليا؛ ليكون نقطة انطلاق لتحرر الوعي العربي؛ مدعوما بأحدث منجزات الفكر الإنساني.

أخيرا، وفي هذا السياق، يحق لنا أن نتأمل ما يقوله هادي العلوي في كتابه (فصول عن المرأة، ص31) عندما أكد على أن زمن الجاهلية وبداية تأسس الإسلام لم يكن زمنا يشاكل الزمن اللاحق، إذ فقدت المرأة كثيرا من حريتها وفرضت عليها قيود لا يعرفها أهل الجاهلية. هذا كلام يتضمن أكثر من إشارة، فهل يعني بعض هذا أن الانتكاسات التي تطاولت عليها القرون شكّلت ثقافة راسخة تستعصي على التغيير، أم أن في لحظة التأسيس وما قبلها ما يعطي إمكانية مراجعة التراكم الثقافي الذي رافق مراحل بناء الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة التي تفرض شروطها من داخل شروط التحول، وبالتالي تحكم منطق التأويل للنصوص الأولى؟

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

FILE PHOTO: Military vehicles of the Libyan internationally recognised government forces head out to the front line from…

في بيان قوي وغير اعتيادي، اتّهمت وزارة الدفاع الأميركية موسكو يوم الثلاثاء بإرسال مقاتلات إلى ليبيا لتعزيز المرتزقة المرتبطين بالكرملين بهدف دعم قائد "الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر في شرق البلاد. وتمثّل هذه الخطوة تصعيدا كبيرا في دور روسيا في الصراع الليبي، وتثير تساؤلات عمّا تأمل روسيا تحقيقه من خلال نشاطها المتزايد في ليبيا.

في الأشهر السابقة، أدى تدخل تركيا في ليبيا إلى تحويل مسار الحرب لصالح "حكومة الوفاق الوطني" في طرابلس والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة. ومن الجدير بالذكر أن التدخل التركي المباشر لصالح حكومة الوفاق يترتب عليه تغيير في الدور الذي تلعبه القوى الداعمة للطرف الآخر في هذا البلد الذي مزّقته الحرب. 

وبسبب الانتكاسات العسكرية التي عانى منها حليف الإمارات خليفة حفتر في الفترة الماضية، تستعد روسيا لاغتنام الفرصة ولعب دور أكبر في شرق ليبيا. وقد تمثّلت الاستراتيجية الدبلوماسية لموسكو في ليبيا على مدى السنوات القليلة الماضية بالانخراط مع جميع أطراف الصراع الليبي، لكن مع المحافظة على الانخراط العسكري فقط إلى جانب حفتر كقائد لـ "الجيش الوطني الليبي".

ومع ذلك، فقد أصدر حفتر نفسه سلسلة من التصريحات الجريئة ردا على الضغوط التركية، التي ربما تجعل موسكو تعيد حساباتها، منها إعلانه بتاريخ 27 أبريل، أن الاتفاق السياسي الليبي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة ـ والموقَّع في ديسمبر 2015 ـ أصبح لاغيا. كما أعلن عن نيته السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي. وقد تم تفسير ذلك على أنه محاولة انقلاب ضد حلفائه في شرق ليبيا الذين دعموه منذ إطلاق عمليته العسكرية، التي سُمِّيت "عملية الكرامة"، في مايو 2014.

يشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته

من أجل فهم إعلان حفتر الأخير، من المفيد فهم الدوافع التي تحرّكه. فمن المرجّح أن حفتر يتصرف الآن بدافع الضعف والخوف، إذ أدى تدخل تركيا المباشر هذا العام ضد قواته وخطوط الإمداد في غرب ليبيا إلى إضعاف التفوق العسكري المطلَق الذي كان يتمتع به. وبالتالي، يواجه حفتر تداعيات هزيمة عسكرية محتملة في طرابلس، بما في ذلك التأثير الذي يمكن أن تخلّفه تلك الهزيمة على قاعدته الشعبية في شرق ليبيا.

هذا ويشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين ـ أي مجلس النواب المعترف به دوليا في شرق ليبيا ورئيسه عقيلة صالح ـ في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته، من أجل إبرام اتفاق سياسي جديد. يمكن لمثل هذه الخطوة أن تهمّش حفتر وتضع حدا لخططه للسيطرة على طرابلس عسكريا.

في الواقع، جاء إعلان حفتر بعد أيام قليلة من تقديم صالح مبادرة سياسية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سياسي يدعو لإنهاء القتال في طرابلس. غير أن هذا الإعلان لم يرضِ حفتر، ودفعه إلى اتخاذ خطوته الأخيرة محاولا إنقاذ مشروعه الطموح لحكم ليبيا من الانهيار.

الآن، يواجه حفتر تحدي تأرجح الموقف الدولي من الحرب في طرابلس. لقد شن حفتر هجومه على طرابلس ـ والذي كان من المفترض أن يستمر لبضعة أسابيع فقط ـ قبل أكثر من عام. إلا أن التدخل التركي المباشر مؤخرا لمؤازرة "حكومة الوفاق الوطني" المدعومة من الأمم المتحدة قد قلب ميزان القوى في طرابلس ضد حفتر، ما جعل الاستيلاء على طرابلس أكثر فأكثر أمرا عديم الجدوى في نظر أغلب مؤيدي حفتر الخارجيين. وقد برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كاستثناء على ذلك، وهي الآن منخرطة في حرب مفتوحة ضد تركيا وحلفائها الإسلاميين في المنطقة والذين يتمتعون بنفوذ مهم داخل حكومة طرابلس.

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا أو تفوقها من الناحية العسكرية. وإذا لم تتمكن أبوظبي من تقديم الدعم الكافي لإعادة ميزان القوى لصالح حفتر، فمن المحتمل أن يحاول حفتر البحث عن الدعم في مكان آخر.

ولهذا يأتي تدخل روسيا المتزايد في ليبيا في وقت مفصلي في الصراع. قد تكون روسيا مرشّحة للعب دور أكثر نشاطا في الملف الليبي باعتبار أن العلاقة بين حفتر وموسكو قائمة أصلا. 

من ناحية أخرى، قد ترى موسكو أنه من مصلحتها الاستفادة من حالة الضعف والتراجع لدى حفتر بسبب التدخل التركي حتى تتمكن من إملاء بعض من شروطها عليه. 

في الواقع، قد تفرض روسيا صالح كشريك سياسي لموسكو في المرحلة القادمة من انخراطها في شرق ليبيا. لن تكون هذه المرة الأولى التي تحقق فيها روسيا تدخلا ناجحا، إذ ساعد انخراطها في سوريا في إنقاذ نظام الأسد من الانهيار الكامل عام 2015، ما يشير إلى أن تدخلا مستقبليا قد يكون بنفس الفعالية.

قد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية

لا تزال موسكو تنظر إلى حفتر و"الجيش الوطني الليبي" باعتبارهما الشريك العسكري الوحيد في ليبيا اليوم، ولن يكون أمامها تقريبا أي مجال سوى الاستمرار في تزويد "الجيش الوطني الليبي" بالدعم العسكري الكافي من خلال المرتزقة المرتبطين بالكرملين، ومن خلال تعزيز العلاقة بين دمشق وبنغازي. من شأن هذا الدعم أن يضمن عدم تحقيق تركيا و"حكومة الوفاق الوطني" انتصارا حاسما ضد "الجيش الوطني الليبي" في غرب ليبيا وجنوبها، والذي بدوره قد يضع نهاية لطموحات روسيا في ليبيا.

ومع ذلك، يبدو أن الروس يفهمون قيمة الاعتراف الدولي الذي يتمتع به صالح كرئيس لمجلس النواب في الشرق. تجدر الإشارة إلى أنّ مجلس النواب منتخب ديمقراطيا وهو أيضا أحد الأجسام المنبثقة عن "الاتفاق السياسي الليبي"، وهو السلطة التشريعية وفقا لذلك الاتفاق. 

وعلى هذا النحو، فإن موسكو قد بدأت بشكل متزايد في التأكيد على أهمية الدور الذي يلعبه صالح، وذلك على الرغم من إعلان حفتر الأخير السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي.

حتى الآن، اتخذت روسيا خطوات جادة في هذا الاتجاه. وتساعد موسكو في تنسيق عودة الشخصيات الرئيسية في نظام القذافي إلى شرق ليبيا. حيث انضم العديد من أنصار النظام السابق لصفوف "الجيش الوطني الليبي" وهم بمثابة حلقة وصل مهمة بالنسبة لروسيا، إذ لطالما شكّكت موسكو في ماضي حفتر وعلاقاته بـ "وكالة الاستخبارات المركزية".

وزعم صالح أيضا في 29 أبريل أن روسيا شجّعت قراره بالسعي إلى التفاوض مع طرابلس والخروج بمبادرته السياسية. وخلال تجمّع قبلي في مسقط رأسه في القبة، شرق ليبيا، قرأ صالح مقتطفات من رسائل ادعى أنه تلقاها من مسؤولين روس يحثّونه وينصحونه بالإعلان عن مبادرة سياسية جديدة من شأنها أن تساعد في إنهاء "حكومة الوفاق الوطني" المتمركزة في طرابلس. 

وفي المقابل، لعبت أبوظبي دورا مباشرا في دعم إعلان حفتر بإلغاء "الاتفاق السياسي الليبي"، وإعلان سيطرته على الحكم في شرق ليبيا.

في 19 مايو، شدّد المندوب الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة على أهمية مبادرة صالح لوقف إطلاق النار، حيث اقترحت المبادرة إنشاء مجلس رئاسي جديد يتألف من ثلاثة أعضاء ليحل محل المجلس الحالي في طرابلس، وتشكيل حكومة وفاق جديدة، حيث يمثّل المجلس الجديد المناطق التاريخية الثلاث في ليبيا، ويشرف على صياغة دستور جديد وانتخابات جديدة. وفي 26 مايو، تحدث وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مطولا مع صالح لتبادل وجهات النظر حول التطورات العسكرية والسياسية في ليبيا، حيث أعرب الأول عن دعمه لمبادرة صالح السياسية.

وفي هذا السياق، يبدو أن موسكو تحاول الاستفادة من الاعتراف الدولي الذي يحظى به صالح واستخدامه كمبرر لانخراطها السياسي والعسكري المتزايدة في شرق ليبيا. وهذه هي المقاربة ذاتها التي تتبعها أنقرة مع "حكومة الوفاق الوطني" المعترف بها دوليا والمتمركزة في طرابلس. 

وقد تسعى روسيا حتى إلى توقيع اتفاق مع مجلس النواب المتمركز في الشرق مماثل لذلك الذي وقّعته تركيا مع "حكومة الوفاق الوطني" والذي قد تستخدمه روسيا كغطاء قانوني لتدخلها على الأرض في الفترة القادمة.

ولكن إذا اختارت موسكو أن تتبع هذا المسار، فسيتعين عليها أولا أن تضمن اعتماد كل من حفتر وصالح على دعمها العسكري والسياسي للصمود والبقاء في ظل التغول التركي، والتأكيد على أن الدور الروسي لا يمكن مطابقته من قبل أي من القوى الإقليمية الأخرى الداعمة للرجلين. 

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا

ومن الجدير بالذكر هنا أن روسيا لا تحب المنافسة القوية خاصة إذا ما تعلق الأمر بنفوذها السياسي في مناطق سيطرتها. فحتى الآن، سمح الدعم الأجنبي المتنوع الذي يحظى به حفتر في تمكينه من التلاعب بمؤيديه الخارجيين بقدر كبير من الفعالية، حتى أنه أحرج الدبلوماسية الروسية والرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق من هذا العام عندما انسحب من دون التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة كل من الرئيس بوتين وإردوغان. وقد اتُّهِمت الإمارات بعرقلة توقيع هذا الاتفاق.

بالإضافة للديناميكيات المعقّدة للصراع الليبي، هناك أيضا ديناميكية غريبة بين تركيا وروسيا والتي من المرجح أن تلعب دورا محوريا في علاقة الدولتين في ما يخص الملف الليبي. إذ أن روسيا وتركيا منخرطتان في تنافس وصراع إقليمي متعدد الأوجه والمستويات، ربما أبرزها في سوريا. ورغم ذلك، فقد أظهرت موسكو وأنقرة أيضا قدرة ومهارة عالية في إدارة خصومتهما الراهنة في ظل خلفية شراكتهما الاستراتيجية طويلة الأجل.

ومن شأن أي جهود جديدة لوقف إطلاق النار في ليبيا أن تقدم فرصة أخرى لإردوغان وبوتين للعمل معا وتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في المنطقة. وفي الواقع، حاول الزعيمان الاستيلاء على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال الإعلان عن مبادرة لوقف إطلاق النار أثناء مؤتمرهما الصحفي المشترك في اسطنبول في يناير 2020، بعد افتتاح خط أنابيب جديد لنقل الغاز إلى أوروبا.

وفيما تسعى موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع الكتلة الشرقية في ليبيا، وتبني أنقرة وجودها العسكري ونفوذها في طرابلس، فقد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية. 

وإذا لم يحدث تحوّل كبير في واقع الصراع الليبي، فإن هذين البلدين سيحددان مستقبل ليبيا. حتى الآن، وبينما تستمر الولايات المتحدة في إظهار قلّة اهتمام أو انخراط جاد في الملف الليبي، وما زالت أوروبا منقسمة من دون سياسة مشتركة وواضحة بشأن ليبيا، فمن المرجح أن تستمر كل من تركيا وروسيا في الاضطلاع بدور محوري في الأزمة الليبية، لا سيّما إذا استمرت روسيا في زيادة نفوذها العسكري والسياسي بنفس الوتيرة القائمة الآن.

المصدر: منتدى فكرة