تظاهرة نسائية في شمال سوريا في اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد النساء
تظاهرة نسائية في شمال سوريا في اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد النساء

بقلم محمد المحمود/

لم يجرِ اعتماد "اليوم العالمي لمكافحة العنف ضد النساء" إلا لأن النساء يتعرّضن للعنف من قبل الذكور بصورة تكاد تشكل ظاهرة في معظم المجتمعات الإنسانية، لا سيما في المجتمعات التقليدية التي تمنح الذكر سلطات مطلقة أو شبه مطلقة؛ للتحكم بالنساء اللاتي تربطه بهن علاقة قرابة في النطاق الأسري الضيق أو القبائلي الواسع.

ومن الواضح هنا أن الذكر يستمد هيمنته من درجة القرابة وتراتبيتها؛ فكلما علت درجة القرابة كان ذلك يعني زيادة في سلطته على المرأة التي تضعها الأعراف والتقاليد والقوانين تحت رحمته (بقدر ما تربط شرفه بشرفها)؛ إلى درجة تبيح له ـ في بعض الحالات، ودون الرجوع إلى أية مؤسسة نظامية ـ إصدار حكم الإعدام عليها وتنفيذه في الحال.

طبعا، هذه أعلى درجات ممارسة العنف الناتجة عن أعلى درجات الهيمنة الذكورية في المجتمعات التقليدية، لكن، إذا كانت هذه حالات نادرة، بل وحتى في بعض المجتمعات التقليدية تكاد تكون معدومة، وفي بعضها الآخر موجودة؛ ولكنها لا تشكل ظاهرة، كما في بعض المجتمعات التقليدية العربية، فإنها ـ في كل أحوالها ـ تشي بما وراءها من تهميش/ إلغاء يحكم المنطق العام للمجتمع المتحيّز ـ على نحو صريح أو غير صريح ـ ضد النساء على صفة الإجمال. وإذ يتقرّر أن مثل هذا التحيز يشكل ظاهرة على اختلاف في المستوى الذي يتمظهر فيه، فإنه لا يحدث طفرة، ولا خارج الاشتراطات المجتمعية، المغروسة في عمق التاريخ؛ بقدر ما هي مشدودة إلى رهانات الواقع.

منذ بداية تشكل ثقافتنا على شكل سرديات منقولة من مسارها الشفهي إلى الكتابي، والتحيز الواضح ضد المرأة هو عنوان هذه الثقافة

​​ينقل هادي العلوي عن الغزالي قوله ـ في تقرير ما ينبغي أن تكون عليه حالة المرأة مع وزوجها: "النكاح نوع رق، فهي رقيقة له، فعليها طاعة زوجها مطلقا في كل ما طلب منها في نفسها مما لا معصية فيه" (فصول عن المرأة ص36). والفقهاء الذين يُشكّلون ضمير الأمة المؤمنة، من حيث كونهم/ الفقهاء حلقة الوصل بين النص المقدس والواقع الذي يتموضع في البشر/ المكلفين، والذين هم جزء من هذا الواقع، لا يخرجون عما قاله الغزالي في العموم؛ حتى وإن اختلفت الصياغة، أو خفّت اشتراطات الاستعباد الذكوري. ففي النهاية كلهم يصدرون عن ثقافة واحدة تقليدية متحيّزة للذكور ضد الإناث؛ أكثر مما يصدرون عن نص مقدس وضع المقدمات الضرورية لتحقيق المساواة وفق الشروط التأويلية لكل زمان ومكان.

اقرأ للكاتب أيضا: العرب بين الحداثة والواقع التقليدي

لقد تواصل العرب مع العالم الغربي المتحضر منذ قرنين تقريبا، وكان تواصلهم مع أرقى حضارة/ الحضارة الغربية الإنسانية خلال القرن العشرين تواصلا مكثفا. وفي بداية الصدمة الحضارية حصلت المرأة العربية على بعض حقوقها، وبدأ المؤشر الثقافي العربي المنحاز للقيم الإنسانية العليا يجنح للصعود الذي يدعو للتفاؤل.

لكن، حدثت انتكاسات متعددة، صرفت الثقافة العربية/ الوعي العربي عن منجز الحداثة العربية المتواضع. لقد اتسع نطاق هذه الانتكاسات بحيث شملت معظم الجغرافيا العربية، وتوالت متوالياتها مكرورة في الزمان، إلى درجة أصبحت فيها أبسط الحقوق الإنسانية التي حسمت منذ قرنين في الغرب محل جدل تناقضي في العالم العربي مطلع القرن الحادي والعشرين.

نعم، لقد استطاع المد الأصولي أن يضع تراث أزمنة الانحطاط في مقدمة عربة التقدم؛ فأصبح العربي يحلم بمستقبل زاهر يتمثل فيه تراثه العتيق. وهكذا اضطرب الوعي العربي نتيجة هذه الانتكاسات الأصولية، فأصبح الماضي مستقبلا، وأصبحت القَدَامة حداثة، وأصبح الرجوع إلى الوراء تقدما إلى الأمام. وفي حين يتعاطى العربي اليوم مع أحدث منجزات الحضارة الغربية/ الإنسانية، بل وإذ تجده متفاعلا مع أحدث الأنظمة والقوانين والهياكل المؤسساتية، إلا أنه لا يزال ابن ثقافة تقليدية لم تخضع لمراجعة نقدية، تُفكّكها، وتضعها في سياقها المناسب من مسارات التحوّل التي تطمح للدخول بالوعي العربي إلى الفضاء الإنساني للعصر الحديث.

يذكر الباحث القدير/ فريد هاليداي في كتابه (ساعتان هزّتا العالم، ص88) على سبيل التعجّب الاستغراب أن نائبا برلمانيا إسلاميا كويتيا روى حكاية امرأة يعرفها كانت تسهر على راحة والدها المريض في المستشفى، ثم يقول معقبا: "لو كانت نائبة لما تمكنت من القيام بذلك". فالمرأة حتى في عرف هذا "النائب" الذي يفترض فيه أنه اشتبك مع الحداثة، على الأقل في أرقى صورها التنظيمية الشكلية، لا يرى المرأة إلا حيث هي المرأة في تراث الآباء والأجداد، إنه لا يستطيع أن يرى وظيفة المرأة ـ مع كل التطور الحاصل في واقع المرأة، من التعليم إلى العمل إلى المشاركة البرلمانية ـ تتجاوز الوظيفة التقليدية، حيث الوظائف البَيْتِيّة: رعاية الأطفال، وخدمة الكبار، وتمريض المرضى، والقيام بشؤون البيت، من تنظيف وطبخ...إلخ.

لا يستطيع هذا النائب وأمثاله من التقليديين الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من صناع الوعي العربي اليوم، أن يطرح استشكالا بالمقلوب على تقريره بحق المرأة، أي لا يستطيع أن يضع نفسه محلها، فإذا كان هو "نائبا"، فهل يعني أنه يتعذر عليه بالمطلق السهر على راحة والده لو احتاج لرعايته! إنه لا يطرح مثل هذا الاستشكال على نفسه؛ لأنه قد تقرر لديه سلفا، وبقوة هيمنة الثقافة التقليدية أن "الخدمة"؛ حتى في أرقى صورها التي يكون أحد الوالدين موضوعها، هي "وظائف نسوية" خالصة، بينما التمثيل البرلماني من مهام الذكور، ولا علاقة للنساء بهذه المهام العليا. ولهذا صوّت الإسلاميون، ممثلو الثقافة التقليدية، ضد انتخاب النساء وضد ترشحهن من الأساس.

كل هذا يعكس تصورا عربيا تقليديا متوارثا يضع الرجل على الدوام حاكما، والمرأة على الدوام محكومة، فهي تحت هيمنة التسلط الذكوري بقوة منطق الثقافة العامة التي ينتشي الفرد العربي برحيقها من المهد إلى اللحد. واقع المرأة العربية اليوم هو واقع تراثها الكتابي والشفهي الذي يخترق مسام الوعي حتى عند أكثر المنادين بحقوقها. منذ بداية تشكل ثقافتنا على شكل سرديات منقولة من مسارها الشفهي إلى الكتابي (وهذا النقل/ الكتابة/ الترتيب نص إضافي مهم)، والتحيز الواضح ضد المرأة هو عنوان هذه الثقافة.

يعلق محمد عابد الجابري على ترتيب ابن قتيبة لأبواب كتابه عيون الأخبار، حين وضع الباب الأول: السلطان، والأخير: الطعام والنساء/ الأطيبان، بأن هذا "ترتيب طبقي قيمي: السلطان هو القيمة العليا، والمرأة القيمة الدنيا، وبينهما بقية الناس" (العقل الأخلاقي العربي، ص206). وإذا عرفنا أن ابن قتيبة صرّح بأنه يضيف إلى الباب ما يشابهه، إذ أضاف الحرب إلى السلطان، فإنه أضاف النساء إلى الطعام، إذ هما الأطيبان: شهوة الطعام وشهوة النساء، هما موضوع المتعة الذكورية، على اعتبار أن الذكر له الأولية في كل الأشياء، ومن هذه الأشياء: الطعام والنساء.

إن ما تقوله الثقافة التقليدية الأدبية ضمنا، أو على شكل جُمل عابرة، وأمثال سائرة، يقوله النص المتأسلم صراحة، بعد أن يحاول التقاطع ـ إيجابيا ـ مع النص المقدس. فإذا كان الغزالي في القرن الخامس الهجري يرى أن الرجل يسترق المرأة بزواجه منها، وأن على المرأة أن تطيعه طاعة مطلقة/ طاعة العبيد للأسياد، فإن أحد أهم رموز التأسلم في القرن الرابع عشر الهجري/ القرن العشرين الميلادي يقول بما يقول به الغزالي، مع تغيير في الصياغة دون المضمون.

وفق تقرير قطب، المرأة غير مستقلة عن الذكر الوصي، وحتى عندما ينعدم الذكور من أقاربها، فلا بد أن تكون تحت وصاية ما

​​يقول هذا الرمز الإسلاموي الكبير محمد قطب: "في النظام الرباني يوجد دائما كفيل يكفل المرأة في جميع أحوالها لكي لا تتعرض لما تعرضت له المرأة الأوروبية "المتحررة"! وحين لا يوجد كافل من أقاربها يكفلها بيت المال" (رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر، هامش ص92). محمد قطب يريد فرض الطاعة المطلقة عن طريق وضع هذه "الطاعة/ الاستعباد الذكوري" في صورة الكفالة التي تشي ببعد إنساني يتمثل في الرعاية الكاملة. لكنه يجهل أو يتجاهل أن مثل هذه الرعاية الشاملة تعني بالضرورة هيمنة الكفيل/ الرجل على المكفول/ المرأة، هيمنة المُعطِي على المُعطَى. ففي النهاية، وفق تقرير قطب، المرأة غير مستقلة عن الذكر الوصي، وحتى عندما ينعدم الذكور من أقاربها، فلا بد أن تكون تحت وصاية ما، فهي في نظره ليست كالرجل قادرة على الاستقلال بنفسها، وتدبير شؤونها بحرية تحت حماية القانون العام الذي يحمي الجميع.

اقرأ للكاتب أيضا: أسئلة النهضة.. الدين والإنسان

هكذا تنطق الثقافة الموروثة. وللأسف، ليس ثمة جديد ثقافي في عالم العرب اليوم. فكل المؤشرات ـ إلا بعض استثناءات قليلة في المغرب العربي ـ تشير إلى أن الثقافة التقليدية تحكم منطق السلوكيات العربية في صغير الأمور وكبيرها على حد سواء. لكن، وبشيء من الأمل الصادق نستطيع التأكيد على أن ثمة فرصا سانحة لتحرير النص المقدس تأويليا؛ ليكون نقطة انطلاق لتحرر الوعي العربي؛ مدعوما بأحدث منجزات الفكر الإنساني.

أخيرا، وفي هذا السياق، يحق لنا أن نتأمل ما يقوله هادي العلوي في كتابه (فصول عن المرأة، ص31) عندما أكد على أن زمن الجاهلية وبداية تأسس الإسلام لم يكن زمنا يشاكل الزمن اللاحق، إذ فقدت المرأة كثيرا من حريتها وفرضت عليها قيود لا يعرفها أهل الجاهلية. هذا كلام يتضمن أكثر من إشارة، فهل يعني بعض هذا أن الانتكاسات التي تطاولت عليها القرون شكّلت ثقافة راسخة تستعصي على التغيير، أم أن في لحظة التأسيس وما قبلها ما يعطي إمكانية مراجعة التراكم الثقافي الذي رافق مراحل بناء الإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة التي تفرض شروطها من داخل شروط التحول، وبالتالي تحكم منطق التأويل للنصوص الأولى؟

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.