أطفال عراقيون في معرض النجف للكتاب عام 2014
أطفال عراقيون في معرض النجف للكتاب عام 2014

بقلم مالك العثامنة/

في خضم القراءات والمشاهدات والمتابعات، التي لا تسر البال بما تحتويه من كآبة ومأساوية في أخبار البشر السياسية والتنموية والاجتماعية والاقتصادية، يأتيني على الرسائل الخاصة رسالة من الصديقة والزميلة الإعلامية علا الشيخ؛ تحوي الرسالة فيديو منزليا مشغولا بعناية واحتراف، بحوار مصور ومليء بالأحداث بينها وبين ابنها زيّاد، ذي التسع سنوات.

الفيديو بسيط وجاذب، لأنه عفوي لكن مدروس بعناية وله هدف لا يغيب عن ناقدة السينما علا الشيخ. تم تصوير الفيديو بكاميرا هاتف ذكي والعمل إنتاج عائلي بحت، فالمونتاج قامت به شقيقة علا والإخراج البسيط قام به صديق للعائلة، وتم نشره على اليوتيوب في قناة تحت اسم (كتاب وفيلم ـ Books@movie).

مشكلتنا مع أطفالنا وأولادنا أننا نعيد إنتاج ذات التجربة، التي خضناها كأطفال، معهم من جديد

​​الفيديو الجميل ومدته أربع دقائق، أخرجني من قرف الأحداث العالمية وملأني بشيء من الأمل لعام أفضل ربما، هو حوار وتحد بين علا وابنها زيّاد، حيث أن علا التي تركز على تعليم ابنها فضيلة القراءة وأهمية الكتاب، أوضحت أهمية حرية الاختيار المشروطة بمراقبة الأهل، في اختيار الكتب. فاختار زيّاد في عمر مبكر أول تعلمه القراءة، سلسلة كرتونية مصورة اسمها "كابتن أندر بانتس"، واستمتع الطفل بتلك السلسلة التي شغف بها، فقررت علا أن تدخل معه بتحدي إكمال قراءتها كاملة لتأخذه إلى السينما وحضور عرض الفيلم المأخوذ عن ذات السلسلة الكرتونية.

في الفيديو يظهر زيّاد طفلا كامل الصحة والتوقد، واثقا من نفسه وجريئا، وظهوره هذا كاف لنكتشف نتيجة البناء الصحيح التربوي في الحوار الحر والمفتوح بين أفراد الأسرة، لا القمعية البطريركية التي تقوم عليها التقاليد العربية والموروث كله.

اقرأ للكاتب أيضا: في الغموض والالتباس والغرابة: باسم عوض الله

كما يعكس الفيديو رسالته التي توضحها الزميلة الناقدة السينمائية علا الشيخ بقولها إن الأطفال وفئة المراهقين بالكاد يجدون من يتحدث إليهم، حول ما يقرأون ويشاهدون على الشاشات العربية، التي تقول الشيخ إن تلك الفضائيات العربية وبدأب تحسد عليه، أخذت على عاتقها مشروع تقليد جميع الأفكار التي تعرضها الفضائيات الغربية، وكأنها تقول "يصعب على الشرق الابتكار!".

وتستطرد الأم المثقفة والمتنورة علا الشيخ، بأنه "وإن كانت الشاشات العربية محطة لـ"التقليد" فقد تكون وسائط التواصل الاجتماعي محطة لـ"الابتكار!".

الهدف من الفيديو، الذي ستتبعه فيديوهات متتالية، تشبه تلفزيون الواقع هو أن نحفز أطفالنا وأولادنا على القراءة والسينما بالتوازي، وذلك للوصول إلى جيل لا نريد له ـ كما تقول ـ أن يعاني من الأمية الجمالية والبصرية.

ما تحدثت به علا، مهم، وتطبيقه الذي رأيناه بصريا يثبت قدرة أي أسرة على ذلك ضمن أي إمكانيات متوفرة، وهو خطوة مهمة وكبيرة في مشوار الألف ميل لكسر التابوهات الفكرية والمتوارثة والتي جعلتنا في متاهات حلزونية حد اليأس من الخروج منها وعنها.

نموذج زيّاد ليس حصريا، واختياراته الشخصية ليست حصرية أيضا، فيمكن اختيار كتب مصورة للأطفال غير أجنبية، لكن تلك مشكلة أخرى في ظل ضيق الإبداع والإنتاج الراهن في سوق كتاب الطفل العربي، فكتب الأطفال "العربية" هي إعادة إنتاج إما لنموذج الدكتاتورية التي تحكم العقل العربي، أو الموروث الديني الذي يخاطب الطفل بلغة الفقه التي يسيطر عليها شيوخ نصف أميين وجهلة.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

واستطرادا..

كان يا ما كان، في العالم العربي، في زمن ليس ببعيد، كتب ومجلات متخصصة بثقافة الأطفال العرب، وكانت متنوعة وموزعة في عواصم مثل الكويت وبيروت والقاهرة وأبوظبي.

انتهى هذا النشر المتخصص وانقرض، وانسحب من المشهد لعدة عوامل؛ أولها انتشار تكنولوجيا المعرفة التي لم نوظفها في العالم العربي بشكلها الأمثل، فانتهينا إلى فراغ استطاعت التيارات الإسلامية المتشددة أن تملأه بمحتوى "ديني" على صيغة خطاب موجه للأطفال، وانتهينا بقنوات تلفزيونية للأطفال، دينية موجهة، قائمة على حشو الطفل بالموروث التقليدي نفسه بدلا من أن تحفزه على التفكير، بل إنني أتصفح الإنترنت لأجد حديثا عن تقارير علمية في علوم النفس وتربية الطفل تحذر من أن محتوى بعض تلك القنوات المتخصصة، تؤذي الأطفال، وتولد لديهم الإدمان عليها ثم التوحد! لا أتبنى آراء تلك الدراسات التي لم أتفحص مصادرها جيدا، لكنني تابعت بعض تلك القنوات الموجهة باتجاه واحد، وأرعبتني فكرة مخاطبة الطفل بأي خطاب يقيد حريته في عالمه الصغير والمفتوح على البراءة.

لا يختلف الطفل العربي عن أي طفل آخر في العالم، إلا بالحواضن التي ترعى نموه، بدءا من حاضنة الأسرة وانتهاء بحاضنة الدولة

​​الطريف في الأمر، أني وأثناء بحثي، وجدت مواقع عربية إسلامية سلفية، تهاجم تلك المحطات المتخصصة أيضا، لكن من زاوية أنه لا يجوز أن يتعلم الطفل المسلم أي شيء من المعازف والموسيقى مستندين إلى آراء ابن تيمية وابن القيم، وهي ذات الآراء بالمناسبة التي تسمح وتبيح بل وتشجع على زواج القاصرات، واستلهم منها الموروث التقليدي ذلك، فتم اغتيال الطفولة في كثير من مجتمعاتنا العربية.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

لماذا هذا الموضوع مهم؟

لأننا ببساطة لو فكرنا في صناعة جيل متحرر من كل خيباتنا وعقدنا المتوارثة جيلا بعد جيل، وأعطينا الطفولة حقها بتربية أسرية سليمة ومنفتحة على الحوار، لانتهينا بعالم عربي متقدم بعد جيل أو جيلين على الأقل.

مشكلتنا مع أطفالنا وأولادنا أننا نعيد إنتاج ذات التجربة، التي خضناها كأطفال، معهم من جديد، وإن اختلفت الأدوات والوسائل.

اقرأ للكاتب أيضا: سلطنة عُمان: محاولات للفهم

لا يختلف الطفل العربي عن أي طفل آخر في العالم، إلا بالحواضن التي ترعى نموه، بدءا من حاضنة الأسرة وانتهاء بحاضنة الدولة.

الأطفال ليسوا زينة الحياة الدنيا وحسب، وهذا التصنيف لو توقفنا عنده واكتفينا لانتهينا إلى أن نرسخهم كحالة استمتاع آنية، فالأطفال، أي أطفال، هم مشاريع نمو للوعي، وفي العالم العربي وللأسف، هم مشاريع وعي موءودة.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!