رئيس الوزراء الإسرائيلي مستقبلا الرئيس التشادي
رئيس الوزراء الإسرائيلي مستقبلا الرئيس التشادي

بقلم منصور الحاج/

أثارت زيارة الرئيس التشادي إدريس ديبي إلى العاصمة الإسرائيلية القدس جدلا واسعا في أوساط السياسيين والمثقفين التشاديين وفي العواصم العربية والإسلامية. اعتبرها كثيرون بمثابة تطبيع للعلاقات بين البلدين وخطوة في طريق التمهيد لحل نهائي للصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين أو ما بات يعرف بـ"صفقة القرن".

وأعرب كثير من النشطاء السياسيين والمثقفين في تشاد عن رفضهم للزيارة واعتراضهم على إقامة علاقات مع إسرائيل بناء على اعتبارات سياسية وتماشيا مع مواقف عديد من الدول العربية والإسلامية تجاه إسرائيل، وكذلك لاعتبارات دينية وعاطفية مصدرها الموقف الديني من اليهود، الذي ترسخ عبر عقود من التعبئة والتنميط وترديد شعارات ومواقف والتعامل معها كمسلمات لا يجوز المساس بها.

من المؤسف أن تغض إسرائيل الطرف عن التجاوزات الحقوقية والقمع الممنهج الذي تمارسه الأنظمة والحكومات التي تسعى للتحالف معها

​​على سبيل المثال، أعرب حزب "السلام من أجل الوطن" في تشاد عن أسفه على زيارة ديبي لإسرائيل ووصفها في بيان بأنها "تهدر الثوابت الوطنية والقيم الأخلاقية والدينية والإنسانية ومواقف الشعب التشادي التي حافظ عليها منذ الاستقلال وحتى اليوم".

أما في إسرائيل، فقد قلل البعض من أهمية الزيارة على الصعيد الدولي نسبة لأن العلاقة بين إسرائيل وتشاد قائمة من الأساس منذ سنوات طويلة في المجالين الاقتصادي والعسكري على الأقل. ويرى هؤلاء أن الزيارة، وإن كانت تاريخية نسبة لكونها الأولى من نوعها لزعيم تشادي، إلا أنها لن تحدث أي تغييرات في ميزان العلاقات الدولية بين الدول الإسلامية وإسرائيل كما سيحدثه تطبيع دولة بحجم السعودية أو نيجيريا أو باكستان.

اقرأ للكاتب أيضا: حين يخدم أنصار المولد النبوي أجندة قاتليهم

واعتبرت شيمريت مئير رئيسة تحرير موقع "المصدر" الإسرائيلي في مقال لها بعنوان "الانفعال الإسرائيلي مبالغ فيه" أن كلا من ديبي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أرادا تحقيق مآرب أخرى عبر هذه الزيارة. فبحسب الكاتبة، أراد ديبي مغازلة البيت الأبيض من خلال التقاط الصور مع بيبي فيما يرغب بيبي "في إظهار انجازات سياسية قبيل الانتخابات".

وبحساب المصالح لا العواطف، فإنني اعتقد أن الشعب التشادي سوف يكون المستفيد الأكبر من إقامة علاقة قوية مع إسرائيل وأن تطبيع العلاقات معها قرار استراتيجي يخدم الأمن القومي للبلاد على المدى البعيد. فالتفوق الكبير لإسرائيل في المجال السياسي والاقتصادي والأمني والزراعي والعلمي أمر تحتاجه تشاد إن أرادت النهوض واللحاق بركب الدول المتقدمة والتغلب على المصاعب والتحديات بتشجيع القراءة والتفكير النقدي والبحث العلمي الذي تتفوق إسرائيل فيه على جميع الدول العربية والإسلامية.

كما يجدر في هذا الوقت أن يقيم التشاديون علاقة بلدهم بالدول العربية والإسلامية مجتمعة وفي مقدمتها السعودية ودول الخليج وقياس المنافع والأضرار التي نجمت عن تلك العلاقات ومدى مساهمتها في رفاهية المواطن التشادي أو تعاسته.

بحساب المصالح لا العواطف، فإنني اعتقد أن الشعب التشادي سوف يكون المستفيد الأكبر من إقامة علاقة قوية مع إسرائيل

​​لا أعتقد أننا بحاجة إلى التفكير مليا لنخلص إلى أن الضرر الذي أحدثه تصدير الأيدولوجية الوهابية السعودية إلى تشاد وما ترتب على ذلك من تغيير في التركيبة الاجتماعية والثقافية والدينية للمجتمع التشادي حيث انتشر التعصب الديني وظهرت التيارات التكفيرية التي انتجت الجماعات الإرهابية كـ"بوكو حرام" وتنظيم "الدولة الإسلامية" ("داعش") في غرب أفريقيا وغيرهما التي زرعت الرعب في نفوس المواطنين وزعزعة استقرار البلاد والمنطقة.

من المعلوم أن إسرائيل ترغب في إنهاء حالة العزلة والقطيعة مع الدول العربية والإسلامية وتتطلع لبناء علاقات تعزز بها وجودها وتثبت به أهميتها في المنطقة كحليف استراتيجي للولايات المتحدة يملك القدرة على لعب دور حيوي والمساهمة في استقرار العالمين العربي والإسلامي ومساعدة الشعوب على التطور والنهوض.

اقرأ للكاتب أيضا: كندا تنتصر لموزع البيتزا خوان جوزيه

لكن من المؤسف أن تغض إسرائيل الطرف عن التجاوزات الحقوقية والقمع الممنهج الذي تمارسه الأنظمة والحكومات التي تسعى للتحالف معها ضد الشعوب في الدول العربية والإسلامية. إن إسرائيل، من خلال إصرارها على التمسك بقادة كمحمد بن سلمان في السعودية ومحمد بن زايد في الإمارات وإدريس ديبي في تشاد الذي يسعى لتوريث السلطة لنجله محمد من بعده، ترتكب خطأ استراتيجيا يكرس المفهوم السائد الذي يروج له الإسلاميون ووسائل الإعلام التي تدعمهم من أن الغرب وحليفه إسرائيل يدعمون الأنظمة القمعية والحكام المستبدون لأنهم يحققون مصالحهم الآنية وأن الأمر لو آل للشعوب فإنها ستناصب الغرب وإسرائيل العداء لا محالة.

أتفهم أن الدول تسعى دائما إلى تحقيق مصالحها الاستراتيجية وحماية أمنها القومي على المدى البعيد وبناء على ذلك تقرر خياراتها السياسية في علاقاتها مع الدول؛ وأتفهم أيضا أن إسرائيل تحاول الاستفادة من حالة عدم الاستقرار التي تعم المنطقة وتشكيل جبهة قوية ضد العدو المشترك المتمثل في الجماعات الإرهابية.

لا أجد في خاتمة هذا المقال أبلغ من عبارات مئير حيث كتبت: "إسرائيل دولة قوية وقادرة على المساهمة كثيرا من أجل العالم والدول الجارة، في مجال التكنولوجيا، الطب، الزراعة، وطبعا في مجال الأسلحة والاستخبارات المتقدمة. أقل ما تحتاجه إسرائيل من هذه الدول ذات أنظمة الحكم الدكتاتورية هو الشرعية".

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.