طلاب من جنوب إفريقيا يتصورون بالقرب من صورة للراحلة ويني ماديكيزيلا مانديلا، وهي الناشطة ضد نظام الفصل العنصري في بلادها
طلاب من جنوب إفريقيا يتصورون بالقرب من صورة للراحلة ويني ماديكيزيلا مانديلا، وهي الناشطة ضد نظام الفصل العنصري في بلادها

بقلم سناء العاجي/

شعب متدين بطبعه.

شعب محافظ.

الحمدلله على نعمة الإسلام.

نحن أفضل من الغرب أخلاقيا.

إلى آخره من الشعارات التي نكذب بها على ذواتنا.

لكن الواقع يفاجئنا دوما بحكايا تعكس وجهنا القبيح في مرايا الحقيقة الموجعة والقاسية.

من المغرب ومصر وغيرها من بلدان العنصرية والحقد والنفاق والعنف بكل أشكاله، تأتينا انعكاسات القبح.

تسببت سخرية المدرسات من التلميذة إيمان بخصوص لون بشرتها وشعرها، في انتحارها

​​في المغرب، ومنذ بضعة أيام، احتفل لاعب كرة قدم شهير بزواجه. لدى كل الشعوب المحترمة، يترافق هذا الحدث تعليقات بخصوص جانب  الاهتمام بحياة المشاهير. فقط عندنا... يشتعل موقع فيسبوك لأن "مؤثريه" المبجلين، لم تعجبهم العروس، بل لم يعجبهم العريسان بسبب لون بشرتهما الأسمر (هذا طبعا ونحن شعب إفريقي لا يمكن اعتبار بياض البشر من مكوناته الجينية الأصيلة)؛ وكذلك لأنهم اعتبروا العروسة غير جميلة. بكل بساطة العنصرية والجهل والتخلف!

رجل يختار زوجة.

امرأة تختار زوجا.

وآلاف يعتبرون أن من حقهم التعليق على اختيار هؤلاء لشريك(ة) حياتهم وإعطاء رأيهم في شكل ذلك الشريك أو شخصيته.

طبعا، في مناسبات أخرى، ستجد نفس هؤلاء "المؤثرين" العظماء يكتبون البوستات الجميلة عن كون "الجمال جمال الروح" وأن "الرجل يختار الزوجة لأخلاقها وإيمانها" وأن الغنى المادي أو جمال الجسد لا تعني شيئا أمام الأخلاق والتدين والثقة والنسب... إلخ.

اقرأ للكاتبة أيضا: فيمينست؟ يا للهول!

لا أعرف أين قرأت مؤخرا أن قيمة مبادئنا وشعاراتنا الفعلية لا تتجلى إلا على محك الواقع والممارسات. حين تتناقض ممارساتنا الفعلية مع قيمنا التي نتغنى بها، فهذا يعني أن الأخيرة ليست إلا مجرد شعارات.

وبين دروبنا، للأسف، كثير من الشعارات الرنانة التي لا تمت لممارساتنا بأي شبهة من الواقعية. نفس تلك الأصوات التي تتغنى بالأخلاق الإسلامية وبالقيم، ونفس الأصوات التي تنتقد العنصرية الغربية ضد العرب والمسلمين والمهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء، هي نفسها التي تهين كرامة ابن البلد، بسبب لون بشرته (أو جنسه أو دينه).

في أسوان هذه المرة، أصبحت قضية التلميذة بسملة قضية رأي عام. الأستاذ طلب منها أن تقف وسط الفصل، ثم طلب بعد ذلك من باقي التلميذات أن يعربن جملة: "بسملة تلميذة سوداء"... هكذا، بكل العنصرية الممكنة.

ما نحتاجه هو قوانين فعلية تحارب السلوك والخطاب العنصري، مع تطبيق حقيقي لتلك القوانين

​​طبعا، بسملة أصيبت بإحباط رفضت بعده العودة إلى المدرسة، إلى أن رفعت والدتها قضية أمام وزارة التعليم، فقامت وزارة التربية والتعليم بتحويل الأستاذ على التحقيق بسبب سلوكه العنصري المهين لكرامة التلميذة.

في مدينة مصرية أخرى... كانت النتيجة أفظع، حيث تسببت سخرية المدرسات من التلميذة إيمان بخصوص لون بشرتها وشعرها، في انتحارها. هل نتخيل إلى أي حد يمكن أن يصل الوجع بمراهقة صغيرة تتعرض يوميا لعنف لفظي، ليس فقط من مراهقات في سنها... بل من مدرسيها أيضا؟ أولئك الذين يفترض أن ينقلوا للصغار قيم المساواة والاحترام.

اقرأ للكاتبة أيضا: نِحْنَا والعنف جيران

يا إلهي... ماذا كان سيحدث لو كنا شعوبا تتميز ببياض البشرة، تقيم معنا أقلية سوداء البشرة؟ كيف نكون بهذه الفظاعة حتى ونحن لا نختلف عن هؤلاء كثيرا، في تقاسيم وجهنا؟ كيف نكتب اليوم الشعارات الرنانة تضامنا مع روح إيمان ومع بسملة ومع العروسين المغربيين، ونحن نعرف أن هذا السلوك العنصري مترسخ فينا عميقا، وأنه يتجاوز الحالة المعزولة؟

ما نحتاجه فعلا ليس تغريدة عابرة، مقالا أو قصيدة... ما نحتاجه هو قوانين فعلية تحارب السلوك والخطاب العنصري، مع تطبيق حقيقي لتلك القوانين. وما نحتاجه أيضا هو حملات توعية واسعة جدا، بإنسانية الآخر، مهما اختلف لون بشرته أو جنسه (رجل أو امرأة) أو جنسياته (مثلي أو غيري) أو عرقه أو دينه.

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.