جانب من تظاهرات عمان التي أسقطت حكومة المقلي (أرشيف)
جانب من تظاهرات عمان التي أسقطت حكومة المقلي (أرشيف)

بقلم نضال منصور/

منذ أشهر والحكومة الأردنية تعد الناس بإطلاق منصة "حقك تعرف"، وبصراحة لم أكن أعرف على وجه التحديد ما هي غاياتها، وماذا ستقدم. وكانت هناك أسئلة تحتاج الى إجابات، ولهذا لم يكن مستغربا أن يسألني زميل إعلامي قبل 5 أيام عن إطلاقها: هل تحتاج الحكومة لمنصات إعلامية جديدة، ولديها وكالة الأنباء الأردنية "بترا"، والتلفزيون والإذاعة؟

كنت في الطريق لحضور احتفالية إطلاق منصة "حقك تعرف" الأسبوع الماضي بحضور ورعاية رئيس الوزراء عمر الرزاز، فرحا باللافتات التي وضعت على جانبي الطريق، وتروج للمنصة وأهمية محاربة الشائعات وتدقيق الأخبار والمعلومات قبل نشرها، وأدهشني الحضور الواسع للوزراء في فريق الحكومة للاحتفالية، وحرصهم على إظهار كل انطباعات التأييد لهذه الفكرة، بما في ذلك كلام الرئيس المتواصل عن حق الجمهور في المعرفة والحصول على المعلومات.

في الطريق كنت فرحا، لكني كنت مشوش الذهن أيضا بعد أن قرأت اللافتات على الطريق وتقول الأولى "المساس بسمعة الناس لن يزيدك شهرة... تحقق قبل أن تنشر"، أما اللافتة الثانية فتنص "قبل أن تنشر أي معلومة تذكر أنك تعرض حياة أشخاص للخطر... تحقق قبل أن تنشر"، والثالثة تقول "الأخبار المفبركة تعيق التقدم وتربك الرأي العام"، والرابعة تؤكد "الإشاعة تدمر"، والخامسة تشير الى أن "الأخبار الكاذبة تحجب الحقيقة وتشحن النفوس".

سحب قانون حق الحصول على المعلومات "النائم" في أدراج مجلس النواب خطوة إيجابية لإدخال تعديلات جذرية

​​لا أختلف مع هذه الشعارات وأؤيدها، لكن حالة التشويش تزايدت عندي عندما استمعت لكلام الرئيس الرزاز، يؤكد أن "الحكومة تعي تماما أن مواجهة الإشاعة لا يكون إلا من خلال المبادرة بتقديم المعلومة الصادقة والحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة، وعدم ترك المعلومات الخاطئة قيد التداول دون توضيح".

تساءلت مع نفسي وربما يشاطرني كثيرون: كيف يمكن أن تفعل الحكومة ذلك، كيف تدعم حق الناس في المعرفة وقانون ضمان حق الحصول على المعلومات منذ عام 2007 "معطل"، وكثير من المؤسسات العامة لا تعرف عنه، وإن علمت فلا تكترث به؟

اقرأ للكاتب أيضا: هل مسرحية اختطاف قنديل تهديد للسلم الأهلي؟

تدرك الحكومة أن مبادراتها، وإن كانت النوايا طيبة، لا تحظى بترحيب مجتمعي وإنما بتشكيك وانتقادات، ولهذا بادرت الحكومة بخطوة إيجابية قبل أيام بسحب تعديلات مشروع قانون ضمان حق الحصول على المعلومات "النائمة" في أدراج مجلس النواب منذ عام 2011، من أجل إدخال تعديلات جذرية وجوهرية.

أزمة الحكومة بعيدا عن مظاهر الاحتفاء بمنصة "حقك تعرف" التي تفند الشائعات، مرتبطة بمن ينشر الشائعات في المجتمع، ومن يتحمل مسؤوليتها، وأصابع الاتهام توجه في الغالب إلى كبار الشخصيات في الدولة سواء كانوا على رأس عملهم، أو خارج السلطة، وهي الظاهرة التي يُطلق عليها "صالونات عمان".

أتذكر عام 1997 أن الديوان الملكي استدعانا لمقابلة الملك الراحل الحسين، وحين وصلنا مجموعة من الإعلاميين بقينا واقفين في قاعة دون مقاعد لما يقارب الساعة، قبل أن ننتقل إلى قاعة محاذية لمقابلة الملك الذي كان غاضبا ويرتدي لباسا عسكريا، ووجه انتقادات قاسية للصحافيين ووسائل الإعلام التي اتهمها بأنها تسهم في بث الشائعات.

كان لقاء الملك وحديثه في ذلك الوقت متزامنين مع قانون المطبوعات والنشر المؤقت الذي أقرته حكومة رئيس الوزراء عبد السلام المجالي وتسبب في إغلاق ما يزيد عن 13 صحيفة أسبوعية، وبعد أن قدم مدير وكالة الأنباء الأردنية "بترا" الأسبق عبد الله عتوم مداخلة طريفة احتوت غضب الملك، طلبت الإذن بالحديث وقلت لجلالته "سيدي كل المعلومات التي ننشرها مصادرها إما رؤساء وزراء حاليين أو سابقين، أو وزراء في الحكومة أو كانوا فيها، وجميع من يزودونا بالمعلومات من الشخصيات العامة التي تقلدت مناصب بالسلطة".

وجدت هذه الملاحظة وقعها عند الملك، فالدولة بأجهزتها المختلفة وخاصة الاستخباراتية تعلم أكثر من غيرها بأن الشائعات والمعلومات التي تُبث مصدرها في الغالب "رجالات السلطة" الذين يخوضون معاركهم ضد بعضهم عبر الإعلام، والآن عبر السوشيل ميديا.

منصة "حقك تعرف" التي أطلقتها الحكومة باشرت عملها، فتنشر الشائعة التي تغزو الفضاء الإلكتروني وتبادر إلى تقديم المعلومة الصحيحة وفق رأي الحكومة، وهو ما دفع ناشطين إلى مخاطبة الحكومة على منصات التواصل الاجتماعي: "وكيف نصدق بالأصل أن معلوماتكم وحدكم هي الصحيحة، وكيف نضمن ذلك؟".

ولإحراج الحكومة أكثر، أمطرها النشطاء بعشرات الأسئلة التي لم تُجب عنها الحكومة مثل نص اتفاقية الغاز الموقعة مع إسرائيل، وأسئلة أخرى تنصلت الحكومات السابقة من الإجابة الشفافة عليها.

لا تُحسد حكومة الرزاز في الأزمات التي تتناسل أمامها، فإن اجتهدت ووضعت منصة للتعامل مع الشائعات، وسحبت مشروع قانون ضمان حق الحصول على المعلومات لغايات تجويده، فإن "تركة" الحكومة السابقة تلاحقها وتقلقها في أجندة عملها اليومية، والدليل مشروع القانون المعدل للجرائم الإلكترونية الذي وجدته أمامها، وأصبح مصدر هجوم كاسح عليها من الحقوقيين ومستخدمي السوشيل ميديا.

يتعجب الحقوقيون من منطق حكومة الرزاز التي أنشأت منصة "حقك تعرف"، وبذات الوقت لا تزال متمسكة بتعديلات قانون الجرائم الإلكترونية الذي يعصف بحرية التعبير والإعلام.

لا يخفي الرزاز امتعاضه من تعديلات قانون الجرائم الإلكترونية، ولم يتردد من وصف التعديلات بأنها "مصيبة"، وبأن التعريف المقدم لخطاب الكراهية في التعديلات يحتاج إلى ضبط، ومن الواضح أيضا أن رئيس الحكومة لم يستطع أن يسحب مشروع قانون الجرائم الإلكترونية، وهناك لاعبون آخرون يؤيدون عرضه على البرلمان وإقراره.

قبل أيام أطلقت حملة "حر يا نت" هاشتاغ "اسحب مشروع قانون الجرائم الإلكترونية"، حقق أعلى تغريدات على موقع تويتر في الأردن، وتزامنت هذه الحملة مع ورقة موقف تحدد مخاطر مشروع قانون الجرائم الإلكترونية على الحريات العامة، وحقوق الإنسان وخاصة حرية التعبير وقد بدأت مؤسسات المجتمع المدني بتوقيعها وتوزيعها على نطاق واسع، وعقدت مناظرة في مؤسسة شومان حظيت بحضور واسع تحدث فيها رئيس ديوان التشريع والرأي نوفان العجارمة الذي أعد مسودة مشروع القانون، والمحامية والحقوقية هالة عاهد المعارضة للتعديلات، وكان واضحا من مداخلات وتصفيق الجمهور أن التعديلات لا تحظى بالتأييد الشعبي.

ووزعت الجمعية الأردنية للمصدر المفتوح ملصق تحدث عن مخاطر التعديلات أبرزها أن إضافة كلمة "التطبيقات" لمواد القانون المعدل ضمن تعريف أنظمة المعلومات يفتح المجال لتجريم ممارسات خاصة وغير علنية، ويتناقض مع مبدأ حرمة الاتصالات، ويسمح بانتهاك خصوصيتها، وكذلك فإن النص المعدل يسمح بتعطيل أنظمة المعلومات أثناء التحقيق دون قرار قضائي من محكمة مختصة، وتجيز التعديلات للضابطة العدلية الدخول إلى أنظمة المعلومات ومنها تطبيقات الإنترنت وتفتيشها، وضبطها دون محددات واضحة، بالإضافة إلى تجريم إرسال "مواد إباحية" بين البالغين وهم بكامل الأهلية دون الأخذ بعين الاعتبار الرضى بين الطرفين، مما يفتح الباب إلى منازعات "كيدية" والتدخل بالمراسلات الخاصة.

وكان مركز حماية وحرية الصحفيين قد أبدى في وقت سابق معارضته للتعديلات التي قدمتها الحكومة السابقة برئاسة هاني الملقي، واعتبر أن هناك مظلة تشريعية كافية لمن يُتهمون بخطاب الكراهية، مشيرا بهذا الخصوص إلى ما يتضمنه قانون العقوبات من مواد قانونية تجرم كثيرا من الأفعال مثل القدح والذم للموظف العام، وإثارة النعرات العنصرية والطائفية، وتقويض نظام الحكم، ونبه مركز حماية وحرية الصحفيين إلى المخاوف من استخدام التشريعات الجديدة لفرض قيود على حرية التعبير وهو الحق الأسمى والأجدر بالرعاية في ظل أن تعريف خطاب الكراهية المقترح غير منضبط.

يشعر الأردنيون أن حريتهم بالكلام باتت مهددة بعد مقترحات التعديل على قانون الجرائم الإلكترونية

​​أخطر ما في تعديلات القانون أنه يفرض عقوبة السجن من عام وحتى ثلاثة أعوام وبغرامة تصل حتى 15 ألف دولار لمن يُتهم بخطاب الكراهية، وهذا يهدد أكثر من 5 ملايين مستخدم في الأردن لمنصات التواصل الاجتماعي إن اتهموا بإثارة خطاب الكراهية.

معارضة قانون الجرائم الإلكترونية سبقت التعديلات التي قدمتها حكومة الملقي الراحلة، وقد استُخدمت المادة 11 من القانون بعد قرار "ديوان تفسير القوانين" كمظلة ومبرر لتوقيف العديد من الإعلاميين في الصحافة الإلكترونية ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.

اقرأ للكاتب أيضا: الأردن أمام مجلس حقوق الإنسان.. تجاهل وإنكار للتحديات الحقوقية

حتى الآن فإن الاستحقاقات التي قد تواجه الحكومة والبرلمان إن أقرا تعديلات قانون الجرائم الإلكترونية ليست سهلة على الإطلاق، فإن الأردنيين الذين يرون أن "لقمة خبزهم" باتت مهددة بعد إقرار مجلس النواب لتعديلات قانون ضريبة الدخل، يترقبون ويعتقدون أن حريتهم في الكلام ستصبح هي الأخرى مهددة وتتعرض للتضييق والتهديد، وأن المطلوب أن يغلقوا أفواههم، وهو أمر لن يفرطوا به.

حكومة عمر الرزاز التي جاءت بعد انتفاضة الشارع على حكومة الملقي شهر حزيران/يونيو الماضي احتجاجا على مشروع قانون الضريبة تتجنب غضب الشارع، وستعمل المستحيل لتتحاشى مواجهته حتى لا تسقط شعبيا، فهل يكون قانون الجرائم الإلكترونية المعدل "الكرت الأحمر" الذي يرفعه الناس للرئيس الرزاز؟

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.