متظاهرون يبيتون ليلتهم في شوارع رام الله ضد قانون الضمان الاجتماعي الذي أقرته السلطة الفلسطينية
متظاهرون يبيتون ليلتهم في شوارع رام الله ضد قانون الضمان الاجتماعي الذي أقرته السلطة الفلسطينية

بقلم سيسيليا بانيلا/

تركّز بيانات الاستطلاعات الأخيرة التي أجريت بتكليف من معهد واشنطن على الانشقاقات السياسية القديمة والاستياء المتزايد من السياسة في فلسطين. وقد تم إجراء الاستفتاء في غزة والقدس الشرقية والضفة الغربية في بداية تشرين الأول/أكتوبر تحت إشراف ديفيد بولوك من معهد واشنطن.

وفي حين تشير نتائج الاستطلاع إلى تراجع الحماس المشترك نحو السلطة الفلسطينية وحركة "حماس"، إلا أنها أيضا كشفت عن وجود اتجاهات متميزة ومتباينة بين المستطلعين في كلا من غزة والضفة الغربية. ولم تعبر بيانات تلك الاستطلاعات عن رأى فلسطيني واحد، بل أشارت إلى وجود اتجاهين مختلفين وذلك في ما يتعلق بالقضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية في غزة والضفة الغربية.

قطاع غزة

منذ عام 2014، تراجع تأييد غزة لإرسال "السلطة الفلسطينية" المسؤولين ومسؤولي الأمن إلى قطاع غزة لتولى الإدارة بشكل مطرد. ففي عام 2018، أعرب 63 في المئة من المستطلَعين عن دعمهم لهذا الإجراء، ما يعكس انخفاضا بمقدار 14 نقطة مئوية من نسبة بلغت 77 في المئة في عام 2017 وانخفاضا مذهلا بمقدار 25 نقطة مئوية من نسبة بلغت 88 في المئة في عام 2014.

الفلسطينيون ككل هم أكثر براغماتية من حكومتهم (حكوماتهم) وأكثر انفتاحا على المصالحة واتفاق السلام

​​ومن المثير للاهتمام هو أن التأييد لحركة "حماس" التي تعمل "سياسيا وعلنا وبحرية" قد انخفض أيضا بنسبة 7 نقاط مئوية من نسبة بلغت 60 في المئة في عام 2014 لتصل إلى 53 في المئة في عام 2018.

وبما أن غالبية المستطلعين على مدى السنوات الأربع الماضية ما زالوا يدعمون انخراط "السلطة الفلسطينية" في غزة وكذلك وجود "حماس" في الضفة الغربية، فإن هذا الاتجاه لا يدل بالضرورة على اللامبالاة السياسية أو الكراهية المباشرة للحكومات الفلسطينية. وعوضا عن ذلك، يجب أن يُنظر إلى التراجع الكلي في التأييد على أنه مؤشر للإحباط والتشكيك في قدرة الأطراف الفاعلة المختلفة على الوفاء بوعودها نحو فلسطين ـ وليس كفقدان كامل للثقة في المؤسسات نفسها.

ومع ذلك، فإن الانخفاض في دعم سكان غزة لـ"حماس" يشير إلى تزايد الإحباط من المنظمة خلال السنوات الثلاث الماضية. كما انخفضت نسبة سكان غزة الذين يؤيدون "احتفاظ ‘حماس’ بميليشياتها مهما حصل"، حيث تراجعت إلى حد ما بعد أن ارتفعت بشدة لتصل إلى 80 في المئة في عام 2015. وفي حين أن أرقام عام 2018 كانت أقل بنسبة نقطة مئوية واحدة من العام الماضي، فإن النسبة المئوية للغزاويين الذين يقولون إن "حماس" لا يجب أن تحتفظ بميليشياتها مهما حصل، قد ارتفعت بمعدل أربع نقاط مئوية، أي من 30 في المئة في عام 2017 إلى 34 في المئة في عام 2018. وعلى الرغم من أن تلك التغييرات متواضعة إن لم تكن هامشية، إلا أنها تعكس استمرار اتجاه أوسع بعيدا عن دعم ميليشيات "حماس" منذ عام 2015.

من جهة أخرى، حافظ التأييد لوقف إطلاق النار بين "حماس" وإسرائيل في كلا من الضفة الغربية وقطاع غزة على أغلبيته في غزة، حيث ارتفع بمعدل 4 نقاط مئوية، أي من 70 في المئة في عام 2014 إلى 74 في المئة في عام 2018.

وفي حين تجدر الإشارة إلى أن النسبة المئوية الأولية للمستطلعين الذين يؤيدون وقف إطلاق النار قد انخفضت بمعدل 13 نقطة مئوية إلى 83 في المئة في عام 2015، إلا أن التغيير الأولي ما زال يترك تأييدا لوقف إطلاق النار بفارق أربع نقاط مئوية أعلى من عام 2014. وفي الواقع، لم يكن هناك أي تعددية في آراء الغزاويين حول التخلي عن وقف إطلاق النار في أي مرحلة من المراحل على مدى الإطار الزمني المختار.

الضفة الغربية

على عكس الانخفاض المطرد في غزة، تأرجحت الآراء في الضفة الغربية حول الدور الذي يجب أن تؤديه "السلطة الفلسطينية" في غزة على مدى السنوات الأربع الماضية.

ففي عام 2015، ارتفع التأييد لإرسال مسؤولي "السلطة الفلسطينية" والمسؤولين الأمنيين بمقدار 8 نقاط مئوية ليصل إلى 81 في المئة في الضفة الغربية، ثم انخفض هذا العدد إلى 75 في المئة عام 2017، وانخفض بعدها إلى 53 في المئة عام 2018.

وفي حين أن هذا الرقم يمثل انخفاضا في التأييد بنسبة 19 نقطة مئوية منذ عام 2014، لا تزال غالبية المستطلَعين في الضفة الغربية تؤيد تولّي "السلطة الفلسطينية" الإدارة في قطاع غزة.

من المهم أيضا الإشارة إلى أن دعم الأغلبية لزيادة دور السلطة الفلسطينية في قطاع غزة لا يعني بالضرورة إضعاف دعم حركة "حماس". ففي الواقع، فإن التأييد لحركة "حماس" التي تعمل "سياسيا وعلنا وبحرية" في الضفة الغربية قد ارتفع بنسبة 14 نقطة مئوية عن عام 2017، ليصل إلى 52 في المئة في عام 2018. وفي حين تمتّع التأييد لحركة "حماس" في الضفة الغربية بأغلبية مريحة في عامي 2014 و2015، يشير الرقم المذكور إلى أن هذا الارتفاع في التأييد ربما يكون عودة إلى الوضع الراهن أكثر منه تغيير جذري.

وللمرة الأولى منذ أربع سنوات، ارتفع التأييد لميليشيا "حماس" بشكل طفيف في الضفة الغربية. وفي حين أن الارتفاع بنسبة 6 نقاط مئوية من 51 في المئة إلى 57 في المئة ليس هائلا، من المؤكد أنه تحول ملحوظ عن الاتجاه التنازلي للتأييد الذي أظهره سكان الضفة الغربية حول هذه المسألة في السابق.

ولكن تجدر الإشارة إلى أن هذا الانخفاض في الدعم هو هامشي ـ فكما عكست مواقف قطاع غزة مزيدا من التأييد في هذا الصدد، انخفض تأييد سكان الضفة الغربية بمقدار ست نقاط مئوية خلال السنوات الأربعة الماضية، وهو فارق طفيف لكنه ظاهر وذلك بالنظر إلى مواقف غزة التي تعكس المزيد من الدعم في هذا المجال خلال نفس الفترة.

وفى حين أن وجود التأييد (أو غيابه) للكيانات السياسية شهد تغيرا كبيرا، إلا أن التحولات في الرأي العام حول دور ميليشيا "حماس" في كلا من الضفة الغربية وغزة أصبحت هامشية. ومن ثم، لا ينبغي أن يُنظر إلى تلك التحركات على أنها مؤشر في زيادة في التشدد في فلسطين، ولكن يحب أن يتم فحص الاختلاف في المواقف الإقليمية عن كثب والمضي قدما.

ويعكس هذا الانشقاق اختلافا في المواقف حول وقف اتفاق النار، ففي حين أن سكان غزة يؤيدون ضرورة حفاظ "حماس" على وقف إطلاق النار مع إسرائيل، فإن سكان الضفة الغربية أقل تأييدا لهذا الإجراء. وهذا لا يعني إنه لا يوجد أي تأييد لوقف إطلاق النار.

وبالفعل، ومنذ عام 2014، أيد أغلبية المستطلعين من سكان الضفة الغربية وقف إطلاق النار، ووصلت نسبة المؤيدين لذلك 55 في المئة في عام 2018 وحده. ومع ذلك، فإن سكان الضفة الغربية كانوا أقل تحمسا لمقترح وقف إطلاق النار وذلك مقارنة بنظرائهم في غزة وذلك، كما يتبين من نسبة 19 في المئة فرق النقاط بين مجموعتي المستطلعين في عام 2018.

التبصر والتوجهات

وبالنظر إلى بيانات عام 2018 نجد أن تلك التغييرات لا تشكل تغييرا دراماتيكيا أو غير متوقع، إذ تكشف البيانات المستقاة من عام 2017 عن ميل إلى الحيادية في ما يتعلق بالقادة السياسيين.

وتجدر الإشارة إلى أن تلك البيانات الجديدة تتماشى مع هذه الملاحظة. ومع ذلك، فإن هذه البيانات تشير إلى أن فرضية وجود اتجاه فلسطيني موحد لم ينعكس في الاتجاهات التي رصدتها تلك الاستطلاعات.

لم يحظَ خيار التخلي عن وقف إطلاق النار بالإجماع أو التعددية بين الفلسطينيين قط سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة

​​ففي الواقع، تكشف نتائج هذه الاستطلاع عن وجود اختلافات ملحوظة في التفضيل والرأي بين سكان قطاع غزة وسكان الضفة الغربية. كما تُظهر تلك البيانات أن غزة والضفة تتوافقان على انعدام الثقة في الحكومة وتتمتعان بآراء متوازنة حول أهمية وقف إطلاق النار.

ففي ظل تلك الظروف التي تواجه كلا من سكان الضفة الغربية وغزة، فإن الاختلاف في الرأي لم يكن مفاجئا بشكل كامل. وبطبيعة الحال، فقد أدت الاختلافات القوية والمستمرة في الحوكمة دورا في تشكيل الآراء المتفاوتة. وقد تساعد المعاملة السياسية للضفة الغربية وقطاع غزة إقليميا ودوليا في تفسير هذه النتائج. غير أن هذا لا يعني أن هذه النتائج الأولية تعكس انقسامات أو خلافات غير قابلة للتسوية بين الضفة الغربية وغزة.

وفيما يتعلق بآفاق عملية السلام، أثبتت الاتجاهات خلال الأربعة أعوام الماضية أنه على الرغم من انخفاض التأييد لوقف إطلاق النار بمرور الوقت، لا يزال وقف إطلاق النار يتمتع بتأييد متعدد من قبل الشعبين.

ففي الواقع، لم يحظَ خيار التخلي عن وقف إطلاق النار بالإجماع أو التعددية بين الفلسطينيين قط سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة على مدى الإطار الزمني المختار، ما يشير إلى توجه أوسع، ألا وهو أن الآراء الحكومية تعتبر أقل اعتدالا من آراء الناس أنفسهم. ويمكن القول أيضا إن الفلسطينيين ككل هم أكثر براغماتية من حكومتهم (حكوماتهم) وأكثر انفتاحا على المصالحة واتفاق السلام.

سيسيليا بانيلا هي باحثة متدربة في قضايا الرأي العام الفلسطيني وتحليل البيانات، حيث تعمل مع الدكتور ديفيد بولوك في معهد واشنطن. كما أنها مرشحة للحصول على شهادة الماجستير من جامعة جونز هوبكنز في مجال الاقتصاد الدولي والسياسة الخارجية الأميركية.

المصدر: منتدى فكرة

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

President of Kurdistan Region Nechirvan Barzani speaks during a press conference in Arbil, the capital of the northern Iraqi…

بينما يواجه كردستان العراق عدة أزمات حادة في الوقت نفسه، يجدر به تقييم فوائد ومساوئ الدعوة الشعبية إلى إصلاح نموذج الحكم المعتمد فيه حاليا وجعله لامركزيا. فمن المرجح أن يثبت نموذج الحكم المتقادم الذي تنتهجه "حكومة إقليم كردستان" حاليا عدم فعاليته في التعامل مع هذه التحديات الكبيرة، ما يكشف عن حاجة ملحة إلى اللامركزية.

وتُعتبر الدعوات إلى اللامركزية خير دليل على بروز مسار في المنطقة بالاتجاه المعاكس. فمنذ العام 1991، خضع "إقليم كردستان العراق" لحكم حزبين سياسيين رئيسيين هما "الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني الكردستاني". وقد حكم الحزبان الإقليم وفق نموذج مركزي إنما غير موحد. ومع مرور الوقت، أثبت هذا النموذج أن له الكثير من السلبيات التي زادت الوضع سوءا بالنسبة لـ"حكومة إقليم كردستان".

وتصف مؤسسة الشرق الأوسط للبحوث (ميري)، وهي مركز بحوث في أربيل، الهيكلية الإدارية الحالية لـ"حكومة إقليم كردستان" بأنها تطورت لتصبح "بيروقراطية مركزية ومتضخمة وغير فعالة بشكل كبير". وتنتقد المؤسسة نموذج الحكم المركزي الذي تنتهجه الحكومة بعدما عمد "المسؤولون في الحكومة إلى تبريره وتعريفه على أنه محاولة لاستحداث سمات وعناصر للسلطة والسيطرة المركزيتين"، وهو أمر أثر سلبا في الواقع على "سير عمل النظام الحاكم وأدائه". ورغم أن هذا الإجراء مطبق منذ سنوات، إلا أن الضغوط التي ستنتج عن تراجع الاستثمار خلال الأشهر القادمة ستمارس ضغوطا إضافية على هيكليات الحكم القائمة.

من شأن "حكومة إقليم كردستان" تتمتع بحكم أفضل أن تكون في موضع أفضل يخوّلها تقديم أداء جيد على طاولة المفاوضات مع الحكومة المركزية

وقد سمح قطاع عام منتفخ وقطاع خاص ضعيف واقتصاد غير متنوع بنشوء دولة ريعية مركزية تسببت بالكثير من المشاكل للعديد من الأشخاص العاديين. فالإجراءات القديمة التي تعتمدها الحكومة متقادمة وبحاجة للتحديث. 

على سبيل المثال، لا يمكن للوزارات قبول نماذج رقمية ولا بدّ من تسليم المستندات الورقية باليد إلى المكاتب في أربيل، عاصمة "إقليم كردستان العراق". ويجعل هذا الإجراء الرجعي الخدمات اليومية بطيئة، وهي مشكلة يمكن حلها فقط من خلال السماح باستخدام نسخ إلكترونية للنماذج. وتُعتبر هذه السمة المهمة للبيروقراطية السائدة في الإقليم أحد الأمثلة فقط على سوء التنظيم الذي دفع بالشعب إلى التشكيك بسبب وجود السلطات المحلية التي انتخبها.

اللامركزية مقابل خلفية سياسية ضبابية

من هذا المنطلق، إن اللامركزية التي أصبحت كلمة طنانة بالنسبة للأحزاب السياسية في "إقليم كردستان العراق" هي وسيلة لإصلاح هذا الانتفاخ الحاصل، رغم أنه لدى كل حزب أسبابه الخاصة لتحبيذ هذا المفهوم. 

وفي الآونة الأخيرة، شهد "الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني الكردستاني" على السواء عملية انتقالية على صعيد القيادة، وقد حرص القائدان الجديدان لأبرز حزبين في الإقليم على إظهار قوتهما وشخصيتهما إلى الناخبين. 

فالقائدان الشابان واللذان يتمتعان بالجاذبية من عائلتي بارزاني ("الحزب الديمقراطي الكردستاني") وطالباني ("الاتحاد الوطني الكردستاني") سعيا إلى الاستفادة من الإرث الذي ورثاه، بما في ذلك الاستقطاب ضمن المجتمع الكردي. وقد تطور هذا الاستقطاب ليصبح حربا أهلية ناعمة ـ برزت بشكل خاص عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وضمن هذا الإطار، ستكون اللامركزية بمثابة تشارك للسلطة والموارد بين القطبين.

وخلال السنوات العديدة الماضية، جرى تعطيل عمل هذين القطبين. ففي السابق، كانت الهيكلية السياسية لإقليم كردستان مشكّلة نوعا ما وفق نظام ميزان القوى. لكن القيادة الحالية تفتقر إلى التماسك والدعم السياسي إذ تتوزع المقاعد في البرلمان وأحجام قواعد الأحزاب الانتخابية والسيطرة على الأجهزة الحكومية كلها بشكل غير متساوٍ ـ ما يؤدي إلى ميزان قوى متزعزع يظهر في معظم الأنظمة السياسية المركزية.

وفي السنوات القليلة الماضية، برز "الحزب الديمقراطي الكردستاني" كحزب سياسي مسيطر. وحصل انتقال الحزب من كونه مسيطرا إلى حزب يتحكم فعلا بكافة الأمور بشكل تدريجي، بعدما عجز "الاتحاد الوطني الكردستاني" عن حل الانقسامات الداخلية. ونشأ الصراع على السلطة الناتج في مناطق كان يسيطر عليها هذا الأخير في السابق من دعوات متزايدة إلى الإصلاح والتغيير. ويبدو هدف "الاتحاد الوطني الكردستاني" الحالي لتأييد اللامركزية كوسيلة لاستعادة موقعه، جليا ليس فقط بالنسبة لـ"الحزب الديمقراطي الكردستاني" بل للأحزاب السياسية الأخرى والشعب.

وعندما يعزز حزب سياسي واحد قوته، غالبا ما يحاول الحزب المهدد استعادة نفوذه من خلال تشكيل تحالف دفاعي "لإرساء ثقل موازن" في وجه الحزب الأكبر سيطرة. وفي وقت يسعى فيه "الاتحاد الوطني الكردستاني" إلى الاستفادة من التغيير المستجد في السياسة الكردية، والعودة إلى "الوضع القائم" السابق، سيواجه المزيد من الصعوبات في إطار مشهد سياسي ضبابي ومتخلف مماثل. ونتيجة لذلك، يقف الأكراد أمام مجموعة محدودة من الخيارات السياسية وعليهم الاختيار بين "حزب ديمقراطي كردستاني" "قوي" أو أحزاب أكثر ضعفًا ومنقسمة داخليا.

ومن موقع قوته، لا يعارض "الحزب الديمقراطي الكردستاني" مباشرة اللامركزية، إنما لديه عوضا عن ذلك شرحه الخاص للمفهوم لا يتطابق بالضرورة مع فهم "الاتحاد الوطني الكردستاني" له. فـ"الحزب الديمقراطي الكردستاني" يرى أن اللامركزية ستكون في المقام الأول خطوة إدارية تؤثر على كافة محافظات وأقاليم كردستان. من ناحية أخرى، يواصل الحزب التشديد على سلطة الحكومة. وتعني هذه الرسائل شبه المتعارضة أن الحزب سيسمح بلامركزية إدارية محدودة طالما أن الأمر لا يشمل أي تغييرات في سلطة الحكومة المركزية للإقليم. في المقابل، يفسر "الاتحاد الوطني الكردستاني" اللامركزية على أنها الحدّ من مركزة السلطة في الإقليم.

وإلى جانب التفسيرين السياسيين أعلاه للامركزية، ثمة مطالبة شعبية بها أعربت عنها الأحزاب السياسية المعارضة في "إقليم كردستان العراق". ومع ذلك، فإن الصراع على السلطة بين الأحزاب السياسية المختلفة هو أحد الأمثلة فقط على الديناميكيات المعقدة القائمة وسط خطاب اللامركزية الحالي. وبالتالي، لا بدّ من تفسير نقاش اللامركزية الحالي في إطار المنافسة بين الأحزاب السياسية.

تجدر الملاحظة أن الأحزاب السياسية الأخرى ـ على غرار "حركة كوران" والأحزاب الإسلامية في "إقليم كردستان العراق" ـ لديها مواقف مختلفة إزاء المسألة. فالأحزاب التي لا تملك مجموعة مسلحة تعتبر اللامركزية وسيلة لتمكين الحكومة المحلية وتوزيع السلطة والحكم. والبعض يرى اللامركزية كسبيل لتجديد الانقسامات القديمة التي لا تزال قائمة منذ الحرب الأهلية العراقية ـ الكردية في تسعينيات القرن الماضي. 

في المقابل، تدعم أحزاب أخرى اللامركزية باعتبارها وسيلة لإعادة تخصيص الإيرادات التي تجدها موزعة بشكل غير متساوٍ. وثمة أحزاب تخشى من آثار اللامركزية، معتقدة أن خطوة مماثلة قد تدمر في نهاية المطاف التوازن الهش أساسا في حكومة الإقليم.

خطوات لتحقيق لامركزية فعالة

نظرا إلى التركيبة التقليدية للمجتمع الكردي، يُعتبر الجدال المحيط بموضوع اللامركزية من حيث مفهومها أولوية قصوى. وبالتالي، ستطلب الأحزاب السياسية والنخب الأخرى شرحا واضحا لمفهوم اللامركزية قبل إحداث أي تغيير حقيقي. يُذكر أن مشكلة المفهوم تنطبق على معظم المفاهيم المرتبطة بالحكم وليس على اللامركزية فقط. 

في هذا السياق، يشدّد المؤرخ الألماني راينهارت كوزيليك على أن مفاهيم الحكم "هي على السواء عوامل ومؤشرات على التحرك التاريخي". ويرى أن هناك ارتباط سببي بين الأحداث التاريخية التي نقلت الأنظمة الاجتماعية المشتركة في الأنظمة الحديثة الأولى والتغييرات في اللغة السياسية ـ الاجتماعية؛ "فالمفاهيم المركزية لم تعكس فقط الإصلاحات الاجتماعية إنما لعبت دورا فعالا في هذه العملية".

في السنوات القليلة الماضية، برز "الحزب الديمقراطي الكردستاني" كحزب سياسي مسيطر. وحصل انتقال الحزب من كونه مسيطرا إلى حزب يتحكم فعلا بكافة الأمور بشكل تدريجي

وفي الحالة الكردية، يجعل الالتباس المحيط بمفهوم اللامركزية من المحادثات والجدالات والتبادلات بين الأحزاب وأفرادها شبه مستحيلة. وعليه، يجب أن تتمثل الخطوة الأولى التي ستتخذها "حكومة إقليم كردستان" باعتماد ميزات اللامركزية والشفافية العملية، وهو ما يمكن أن يبدأ بإصدار مستند حكومي حول المسألة يكون متوافرا أمام العامة.

وتنطوي الخطوة الثانية على تحديد إطار زمني واضح وواقعي للعملية، يبدأ بإصلاح الحكومة المركزية. وما إن يتمّ تشكيل سلطة مركزية فعالة وقادرة على نحو أكبر، ستتمكن "حكومة إقليم كردستان" من استهداف اللامركزية المالية والإدارية.

وتكمن الخطوة الثالثة في تغيير النظام الانتخابي للإقليم ليصبح نظاما انتخابيا مختلطا على غرار نظام الأغلبية ذات العضوية المختلطة (MMM)، الأمر الذي سيسمح بإجراء انتخابات متعددة. وفي حين يحتاج الناس إلى معرفة ممثليهم، يتطلب الإقليم أيضا ممثلين يتمتعون بالمعرفة والخبرة في مجالات الحكم، على غرار إعداد الموازنة والتخطيط والطاقة والبيئة، يكونون ممثلين على نحو أفضل في نظام انتخابي مختلط.

عوامل المنافسة

رغم أن هذه الإصلاحات تستغرق وقتا، تصبح الحاجة والضرورة لإجراء مثل هذه التغييرات واضحة على نحو متزايد. وتواجه "حكومة إقليم كردستان" حقبة جديدة من الحكم المركزي "ما بعد النفط" نتيجة انهيار سوق النفط بسبب فيروس "كوفيد-19"، وهذا ما يجعل اللامركزية أكثر إلحاحا. وقبل التدخل الدولي لمحاربة "داعش"، كان الإقليم يتمتع بفترة من الحكم "السهل"؛ حيث كانت أسعار النفط مرتفعة والشركات مزدهرة. وخلال فترة النمو هذه، كانت حكومة الإقليم قادرة على توسعة قطاعها العام وإرضاء قواعد الأحزاب الانتخابية إلى حدّ ما.

غير أنه في ظل دخول العالم في فترة التقلبات المرتفعة هذه ـ بسبب الجائحة العالمية وخيبة أمل الشعب من السياسة ـ على الإقليم الاستعداد للتحرر مما يسمى بالحكم "السهل". ومن شأن اللامركزية أن تقلّص التكاليف التنظيمية الضرورية لتحقيق توزيع أمثل للسلطات. كما ستفتح الاقتصاد وسوق الإقليم أمام القطاعيْن العام والخاص، على أمل أن يعزز ذلك نمو الوظائف الذي تشتد الحاجة إليه.

ويتمثل أحد العوامل الأخرى الذي يجب أن يدفع بالإقليم نحو فعالية ولامركزية أكبر، في علاقاته المعقدة مع بغداد. ففي حين يعترف الدستور العراقي بـ"حكومة إقليم كردستان"، تبقى العلاقة بين أربيل وبغداد قائمة على القوة بدلا من القانون. 

وحاليا، يتعين على حكومة الإقليم التفاوض بشكل دائم مع الحكومة المركزية في بغداد من أجل وضع الموازنة والمشاركة في الحكومة وغيرها من جوانب الحكم. ومن شأن "حكومة إقليم كردستان" تتمتع بحكم أفضل أن تكون في موضع أفضل يخوّلها تقديم أداء جيد على طاولة المفاوضات مع الحكومة المركزية والعكس صحيح. 

ورغم أن طبيعة البلاد اتحادية بموجب الدستور وتخضع لحكم مركزي إلى حدّ كبير، من الواضح أن الحكومة المركزية العراقية و"حكومة إقليم كردستان" بحاجة إلى لامركزية على صعيد الأنظمة السياسية والاقتصادية والإدارية.

من شأن توزيع السلطة والمسؤولية بين الجهات الفاعلة في المحافظات والأقاليم أن يرسي الاستقرار في كردستان العراق وأن يشكّل وضعا يصبّ في مصلحة كافة الأطراف

مع ذلك وعلى الرغم من الدعوات المتكررة لتطبيق اللامركزية في كردستان العراق، كان الإقليم يسير في الاتجاه المعاكس، مركزا السلطة على نحو متزايد في أيدي الأحزاب الصغيرة وعلى مستويات الأعمال. فقبل فترة ليست ببعيدة، كان الإقليم يتمتع بمعارضة حيوية ووسائل إعلام حرة ناشطة ومجتمعات مدنية فعالة، وهي عوامل أثّرت جميعها في عملية اتخاذ القرار في الإقليم. 

ولسوء الحظ، لم يعد كردستان العراق في هذا الموقع. وحتى ضمن الأحزاب السياسية، لم يعد المكتب السياسي ـ الرمز السابق لمركز النفوذ في الإقليم ـ يملك السلطة نفسها وبات مهمشا بسبب البروز المتزامن للنفوذ العائلي ضمن الأحزاب الرئيسية. ومن هذا المنطلق، يتحول إقليم كردستان أكثر فأكثر إلى نظام حكم الأقلية على غرار بعض أجزاء الشرق الأوسط.

واستنادا إلى هذه الخلفية المعقدة، يتضح أن إقليم كردستان، على غرار بقية العراق، يحتاج إلى نوع من اللامركزية، حتى ولو لم تتفق بعد الأحزاب المختلفة على شكله. مع ذلك، لا بدّ من التوصل إلى إجماع في مرحلة ما بغية المضي قدما. فيصعب بشكل خاص تطبيق الإصلاحات باتجاه اللامركزية لأنه يتمّ التعامل مع المركزية باعتبارها السمة الرئيسية للسلطة في كل جانب من جوانب المجتمع تقريبا؛ سواء من حيث الهيكلية العائلية والثقافة الشعبية والدين. وعليه، يتطلب الانتقال نحو اللامركزية مقاربة طويلة ومتعددة الأوجه.

أما بالنسبة للمجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى التي سعت إلى دعم الأجهزة الأمنية في الإقليم، لا بدّ من توجيه اللامركزية بطريقة تؤدي إلى توحيد الإقليم وإنشاء نظام حكم أكثر تماسكا. وقد يكون ذلك سبيلا لتخطي الانقسامات في كردستان العراق ويجعله شريكا إقليميا موثوقا على نحو أكبر.

غير أنه من أجل تحقيق اللامركزية، لا بدّ من اتخاذ عدد من الخطوات ضمن إطار زمني واقعي. ومن شأن توزيع السلطة والمسؤولية بين الجهات الفاعلة في المحافظات والأقاليم أن يرسي الاستقرار في كردستان العراق وأن يشكّل وضعا يصبّ في مصلحة كافة الأطراف.

المصدر: منتدى فكرة