متظاهرون أمازيغ في الرباط يطالبون بإصلاحات ديمقراطية وبالعدالة الاجتماعية
متظاهرون أمازيغ في الرباط يطالبون بإصلاحات ديمقراطية وبالعدالة الاجتماعية

بقلم عمران سلمان/

قبل أيام كنت أتحدث مع صديق أميركي بشأن التعددية الثقافية وكيف أنها تشكل عامل إثراء وعافية لأي مجتمع، حين لفت نظري إلى مسألة مهمة وهي أن أي عملية لتشجيع التقارب بين الثقافات ينبغي أن تظهر الاعتراف والتقدير لما تتميز به كل ثقافة واعتباره نموذجا للتنوع والاختلاف المفيد وليس مجالا للتنافس أو المباهاة.

ضرورة تقدير التنوع الثقافي

وقد ضرب مثالا على ذلك الثقافة العربية الإسلامية، حيث قال إنها تتميز بخصائص لا تحظى بنفس الأهمية في الغرب، كالاحترام على سبيل المثال.. حيث تتميز هذه الثقافة بحس عال من احترام الصغير للكبير والرجل للمرأة والسليم للمريض والواقف للجالس.. إلخ، بأشكالها المتعددة من ناحية اللفظ والتصرف والفعل، وما إلى ذلك.

المجتمعات الأميركية عامة، مع وجود استثناءات قليلة، تحتفي بالثقافات الأخرى

​​وأن هناك الكثير من العادات الجيدة لدى المجتمعات العربية التي ينبغي إبرازها وتقديرها، مثل الكرم والمروءة وحسن الاستقبال وما إلى ذلك.

في المقابل تتميز المجتمعات الغربية بعادات جيدة هي الأخرى، لا تحظى بنفس الأهمية عندنا، مثل احترام الخصوصية ومراعاة الآخرين، والشفافية والجدية في العمل... إلخ.

اقرأ للكاتب أيضا: الإصلاح الاجتماعي.. في يد الحكومات وليس رجال الدين!

وفي الإجمال فإن كل مجتمع يختلف عن المجتمعات الأخرى بعادات وخصال اجتماعية، لها علاقة بموروثه الثقافي والديني والحضاري. وهي بمجموعها تشكل غنى حضاري جميل يتعين التمسك به والتشجيع عليه.

النموذج الأميركي في التعددية

تعتبر الولايات المتحدة أحد البلدان القليلة التي تشجع على التنوع والتعدد الثقافي والديني وتحتفي به. ويشعر القادمون الجدد ما أن تطأ أقدامهم الأراضي الأميركية، بأنهم لا يعاملون بوصفهم غرباء. وبمجرد أن يستقروا في موطنهم الجديد وقبل حصولهم على أية إقامة أو جنسية، فإن الجميع يعاملهم على قدم المساواة مع غيرهم من المواطنين. حتى من يأتون للسياحة فإنهم يشعرون بسهولة التعامل والأريحية في إنجاز معاملاتهم من دون تمييز ومن دون أن يشعرهم أحد بأنهم لا ينتمون إلى المكان.

يعود ذلك لأمرين. الأول أن المجتمعات الأميركية عامة، مع وجود استثناءات قليلة، تحتفي بالثقافات الأخرى، وتعتبر أن وجودها فرصة للتعلم وإغناء تجربتها الإنسانية.

ويشجع الناس هنا القادمين الجديد على الاحتفاظ بعاداتهم وثقافاتهم وأديانهم، فلكي يصبح الإنسان أميركيا، ينبغي أن يكون هو نفسه، ولا يتعين عليه أن يتحول إلى شخص آخر. بمعنى أنه ليس مطلوبا منه أن يغير عاداته أو دينه أو ثقافته.

الأمر الثاني، أنه في أميركا لا توجد قومية على غرار الدول الأخرى. هناك قيم ومبادئ وحقوق تضمنها الدستور الأميركي، ومطلوب من جميع المواطنين التمسك بها والدفاع عنها.

المعارضون للتعددية الثقافية

طبعا كما هو الحال في باقي المجتمعات، توجد في الولايات المتحدة أيضا أقليات سياسية أو فكرية لا ترحب بالتعددية الثقافية وترى فيها خطرا على الثقافة الأميركية.

وهذه الأقلية تنطلق من فكرة أن القادمين الجديد ومع تزايد أعدادهم مع الوقت يساهمون في التغيير الديموغرافي وإضعاف الإرث الأنجلو ساكسوني الذي قامت عليه الولايات المتحدة. ويستشهدون في هذا المجال بالتدفق الكبير للمهاجرين من أميركا الجنوبية حيث يتمسكون بلغتهم الإسبانية وعاداتهم التي نشأوا عليها.

ينبغي القول ابتداء إن هذه المخاوف جزء من الطبيعة البشرية. وهي موجودة في معظم المجتمعات، ولا ينبغي التقليل من أهميتها أو تجاهلها.

بيد أن تفهم دوافعها لا يعني الموافقة عليها. بل يعني ذلك بذل مزيد من الجهد لتبيان أن التعددية الثقافية وإن أتت بمضار أحيانا فإن منافعها تفوق كثيرا مضارها. وبدلا من لغة الإقصاء ونشر الذعر والكراهية تجاه القادمين الجدد، يتعين تعلم كيفية مساعدة هؤلاء على تحقيق أفضل اندماج في الحياة الأميركية.

وفي بلد مثل الولايات المتحدة عانى جميع موجات المهاجرين عبر التاريخ من هذه المخاوف التي أبداها من جاؤوا قبلهم، بما في ذلك القادمون من إيطاليا والبلدان الأوروبية الأخرى.

لكن في النهاية فإن التنوع والغنى الثقافي والديني والاجتماعي، بما في ذلك التنوع في العادات والأطعمة والاهتمامات الذي تعيشه أميركا حاليا يدين بالفضل لهؤلاء المهاجرين وللنظام الأميركي الذي شجع على استيعابهم.

التعددية في المجتمعات العربية

النموذج الأميركي في التعامل مع التعددية الثقافية والدينية، من الممكن أن تستفيد منه المجتمعات العربية في تعاملها مع الأديان والقوميات والطوائف المختلفة.

من المؤسف أن الشرق الأوسط الذي يعتبر موطنا تاريخيا لأقدم الحضارات والثقافات والأديان، قلما يعير أي اهتمام لمكوناته الحضارية. وقد شهدت العقود والقرون الماضية عمليات تهجير ممنهجة للعديد من أفراد الأقليات الدينية أو العرقية، لأسباب ليسوا طرفا فيها.

إن الدول العربية تخسر مرتين، بانتهاجها هذا المسلك غير الودي تجاه أقلياتها

​​وحتى في الدول العربية والإسلامية التي لا يعاني فيها أفراد الأقليات الدينية أو الطائفية من القمع والتضييق، فإنهم يبقون على هامش الحياة في هذه المجتمعات. ومن النادر أن يتم إشراكهم في أي شأن حقيقي يتعلق بتطور بلدانهم.

وعلى الإنسان أن يتساءل لماذا ينبغي على البهائيين أو الأقباط أو الأيزيديين أو غيرهم أن يخفوا هوياتهم أو يتجنبوا إظهار معتقداتهم علنا خوفا من "إثارة" غضب الأكثرية المسلمة.

اقرأ للكاتب أيضا: مشكلة الأديان أم مشكلة الإنسان؟

إن الدول العربية تخسر مرتين، بانتهاجها هذا المسلك غير الودي تجاه أقلياتها؛ المرة الأولى، بخسارتها للإرث الحضاري والثقافي الذي يمثله هؤلاء والذي تراكم عبر مئات أو آلاف السنين، ولا يمكن حقيقة تعويضه. والثانية، أن هذا الموقف السلبي يرتد إلى داخل هذه المجتمعات، على هيئة معتقدات أو آراء تعزز من اتجاهات الإقصاء وعدم التسامح والأحادية في التفكير.

إن الخوف من الآخر، كان على الدوام جزءا ملازما للتاريخ البشري، وهو في أصل النزاعات والحروب، ولدينا مثال في اللغة العربية يلخص ذلك: "الناس أعداء ما جهلوا".

لكن أي مجتمع لا يمكنه أن يتقدم إلى الأمام، إلا عندما يتجاوز هذه العقدة ويستبدل الخوف بحب الاستكشاف والفضول الإيجابي المفضي إلى قبول الآخر.

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.