لافتة رفعت في كفرنبل عام 2013
لافتة رفعت في كفرنبل عام 2013

بقلم د. عماد بوظو/

إيجاد عنوان مناسب ومعبّر لمقالة ما ليس بالأمر السهل، ولكن عند الكتابة عن رائد فارس يتبادر إلى الذهن أكثر من عنوان؛ فمن الممكن استعارة اسم إحدى روايات غابرييل غارسيا ماركيز "قصة موت معلن" للحديث عن رائد. يعرف قراء الرواية من الصفحة الأولى بل من العنوان ما الذي سيحدث مع بطلها، إذ كان الجميع بما فيهم هو يعرفون تلك النهاية.

ينطبق الأمر على رائد، ليس فقط بسبب كثرة الأعداء الذين يتحينون الفرصة لاستهدافه، من طرف النظام الذي خرج لمعارضته أو من طرف التنظيمات الإرهابية الإسلامية التي يعارض كل برامجها ووسائلها، بل نتيجة تعرضه سابقا لعدة محاولات اعتداء واختطاف واعتقال وتحقيق.

كان من أهم أسباب نجاح وشهرة رائد فارس وشباب كفرنبل أنهم كانوا أنقياء وبعيدين عن الأحزاب والحركات السياسية التقليدية في سوريا

​​ففي آذار/مارس 2014 عندما تعرفت على رائد كان قد مضى بضعة أسابيع فقط على محاولة اغتيال تعرض لها من قبل تنظيم "داعش" أصيب خلالها بثلاث رصاصات قال لي وقتها إن اثنتين ما زالتا في جسمه، وكانت جراحه الحديثة تسبب له ألما واضحا في كل مرة يحاول تحريك طرفه الأيمن.

لم تتوقف محاولات الاغتيال وعمليات الاختطاف طوال السنوات التالية ومن بينها اعتقاله وتعذيبه من قبل تنظيم "القاعدة" وهو الاسم الذي كان رائد يفضل استخدامه عند الحديث عن جبهة "النصرة" مهما غيرت من أسمائها وبدلت من الأقنعة التي ترتديها. وكان من المعروف أن هذه المحاولات ستستمر حتى تحقق أهدافها ولكن ذلك لم يستطع التأثير على عزمه بمواصلة عمله هناك بين أهله وعلى أرضه.

اقرأ للكاتب أيضا: ما هو الفرق بين الزوجة والجارية عند رجال الدين؟

كما أن اسم رواية ميخائيل ليرمنتوف "بطل من هذا الزمان" تناسب كذلك عنوان مقالة تتحدث عن شخصية وحياة رائد فارس. إذ رغم كل الأخطار التي كان يتعرض لها فإنه لم يتنازل عن السلمية كموقف مبدأي يؤمن به وتجلى ذلك برفض حمل كل أشكال السلاح بما فيها الفردي لحماية حياته. وكانت تعرض عليه مغريات كبيرة للبقاء في الخارج خلال زياراته لكبرى العواصم العالمية، التي كان يتلقى فيها استقبالا حافلا من قبل كبار المسؤولين وممثلي المنظمات الدولية. وكان يعرض عليه في كل مكان يذهب إليه إمكانية البقاء للمحافظة على حياته ومتابعة عمله عن بعد مع ضمان التواصل مع نشطاء بلدته، ولكن ذلك لم يستطع إغراءه، وكأنه كان يبحث عن نهاية تليق بقصة نضاله.

وكان من الممكن أن يكون عنوان المقالة قصيدة محمود درويش "وعاد في كفن": "كان اسمه، لا تذكروا اسمه، خلّوه في قلوبنا، لا تدعوا الكلمة، تضيع في الهواء كالرماد، خلوه جرحا راعفا لا يعرف الضماد، طريقه إليه"، أي أن أغلب القصص والقصائد التي تتحدث عن البطولة والتضحية والنضال السلمي تصلح كعنوان للحديث عن رائد فارس.

قدمت الثورة السورية آلاف الشهداء الذين لديهم قصص تستحق أن تتخلد ويحكى عنها للأجيال اللاحقة، لكن لرائد فارس مكانا مميزا في مقدمة هذه الأسماء، فقد كانت لافتات كفرنبل طوال السنوات السبع الماضية التعبير الأدق عن ضمير الثورة، لتميزها وتقدم محتواها، كما لفتت نظر الخارج لبساطتها وخطابها الواضح والمباشر الذي يختصر الموقف الشعبي من كل ما يحدث، من صمت وتواطؤ المجتمع الدولي أو جرائم النظام السوري وحلفائه والتنظيمات المتطرفة أو إخفاق وفشل تشكيلات المعارضة.

كانت تلك اللافتات تؤكد على رفض الطائفية والتطرف وعلى الطابع السلمي لمعارضة النظام. كانت الصورة النقية للثورة السورية كما بدأت، وبقيت وفية لمبادئها رغم كل ما تعرضت له.

كفرنبل، مع الكسرة تحت الباء كما يلفظها أهلها، بلدة غير كبيرة إذ كان عدد سكانها 15.500 نسمة فقط عام 2004 وتقع في منطقة "المدن المنسية". وهي أكبر تجمع للمواقع والمدن الأثرية في العالم، لأنها تحتوي على أكثر من 800 مدينة وموقع يعود بناؤها لعهد الإمبراطورية البيزنطية الشرقية خلال القرون الأولى لميلاد المسيح.

ومن المفارقات أن أهم أسباب هجرة سكان هذه المدن المنسية منها كانت الغزوات الفارسية المتكررة خلال الفترة بين 527 حتى 627 حين كان الغزاة يجرفون الأراضي ويقتلعون أشجار الزيتون، كما يفعل غزاة هذه الأيام، وكذلك نتيجة الفتح العربي الذي قطع علاقة هذه المدن مع القسطنطينية التي كانوا يصدرون لها زيتهم وزيتونهم ومنتجاتهم.

دور هذه البلدة في الثورة السورية كان أكبر من حجمها، نتيجة لافتاتها التي كانت رسائل مركزة موجهة للداخل والخارج. ومع شهرة هذه البلدة انطلقت شهرة رائد فارس الذي كان مسؤولا عن اللافتات القماشية باللغتين العربية والإنكليزية. نتيجة لهذه الشهرة المبكرة انطلقت في آذار/مارس 2013 فعاليات المعرض الجوال لرسومات كفرنبل في عدة مدن أميركية وكندية، تضمنت رسوما ولافتات، وكانت التواريخ في أسفل اللافتات تدحض أكاذيب النظام حول أنه يحارب مجموعات إرهابية تكفيرية، لأن هذه اللوحات كانت تعكس بمضمونها التعبير السلمي لشعب أعزل في مواجهة آلة عسكرية تقتل المدنيين وتقصف منازلهم.

كان من أهم أسباب نجاح وشهرة رائد فارس وشباب كفرنبل أنهم كانوا أنقياء وبعيدين عن الأحزاب والحركات السياسية التقليدية في سوريا بأقسامها القومية، التي انتهت إلى تمجيد ديكتاتوريات عسكرية، واليسارية التي قدمت أسوأ أنظمة الرعب في التاريخ، والإسلامية التي تصر على الحياة في عالم أسطوري تخيلي بعيد عن الواقع وعن العصر. ابتعاد شباب كفرنبل عن هذه الحركات هو الذي منحهم هذه الحيوية الفكرية والقدرة على الإبداع.

في هذا الوقت كانت بعض الشخصيات من بقايا تلك الأحزاب تتصارع في محاولة لتسلم مناصب في المعارضة السورية لتمثيل ثورة لا تمت لهم بصلة ولا تشبههم. وفي حين سلم القوميون واليساريون بحقيقة أن لا دور لهم في هذه الثورة، أصر الإسلاميون على الادعاء بأن لهم دورا قياديا فيها، ربما معتمدين على أسماء بعض الكتائب وأشكال وأزياء قادتها وأعضاء هيئاتها الشرعية، رغم معرفتهم بأن هذا يخدم النظام الذي كان يدعي دوما بأن ما يحدث هو تمرد منظمات إسلامية متطرفة مسلحة وليس ثورة شعبية سلمية غير طائفية ضد نظام بنى وجوده وتحالفاته على أسس طائفية.

كما أن المزاج الشعبي لم يكن متعاطفا مع الإسلاميين، وكان ذلك واضحا في اللافتات والهتافات وفي كل الفعاليات السلمية والمدنية لهذه الثورة، وكانت كفرنبل في مقدمة من ظهّر هذا الموقف.

رائد من مواليد عام 1972 وهذا يجعله في عمر كبير نسبيا مقارنة بأغلب شباب الثورة الذين كانوا في العشرينيات وهو العمر الذي يمثل قمة التهوّر الذي تتغلب فيه الاعتبارات الأخلاقية والمبدأية على اعتبارات السلامة والأمان الشخصي، وهذا يضيف إلى شخصية رائد هذا البعد الأخلاقي الاستثنائي، فقد كانت خياراته ناتجة عن إدراك واع لما يريده والثمن الذي قد يدفعه، وليس نتيجة اندفاع عاطفي.

مهما كان حجم المرثيات التي قيلت بحق رائد فارس فإنها لن توفيه حقه

​​كما أن عمره الأكبر نسبيا جعله يشعر بالمسؤولية والأبوة تجاه الكثير من شباب هذه البلدة وناشطيها، فقد حول بلدته كفرنبل إلى مدرسة للنضال السلمي والوعي الثقافي. ففي راديو فرش الذي أسسه مع مجموعة من أصدقائه عام 2013 تجسدت قصة أخرى لنجاحه والتي كان لها تأثير كبير في خدمة الخط الذي يدعو إليه، حيث وصل بث هذه المحطة لمحافظات إدلب وحلب وحماة وتدرب فيها 2500 شاب وفتاة سورية على التغطية الصحافية واكتساب الثقافة العامة والمعرفة السياسية، ونتيجة هذا النجاح فقد تعرض هذا الراديو للاعتداء ومصادرة وتحطيم محتوياته من قبل جبهة "النصرة".

اقرأ للكاتب أيضا: الجرائم بحق الأقباط ودور المراكز الإسلامية

مهما كان حجم المرثيات التي قيلت بحق رائد فارس فإنها لن توفيه حقه. لكنها أظهرت معرفة العالم بحجم ما فعله؛ فقد نعاه الرئيس الفرنسي ماكرون مع زميله حمود جنيد واعتبرهما ضمير الثورة التي وقفت بسلام وشجاعة ضد جرائم النظام والإرهابيين، وختم النعي بقوله "لن ننسى مقاومة كفرنبل". كما أصدرت الخارجية الأميركية بيان تعزية للشعب السوري قالت فيه: "لقد كان رائد وحمود من الوطنيين والناشطين الذين كرسوا حياتهم لبناء مستقبل أفضل لسوريا وشعبها، كما ساعدا في نقل طموحات الشعب السوري في الحرية للعالم". وهذا كان رأي بعض الحكومات الديمقراطية وكبريات الصحف ووسائل الإعلام العالمية، لكن التعزية الأكثر أهمية كانت من كفرنبل نفسها عندما تجمع شبابها حول لافتة كتبوا عليها: "رائد الفارس وحمود جنيد، ما قتلوكما ولكن شبّه لهم، فما زلتما فينا نبراسا للحرية مجددان للهمم"، ليؤكد هؤلاء الشباب أن السنوات التي قضاها رائد بينهم لم تذهب سدى، وأن الثورة كما كان يقول دائما "فكرة والأفكار لا تموت".

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!