باكستانيون يحتفلون بعيد المولد النبوي
باكستانيون يحتفلون بعيد المولد النبوي

بقلم عريب الرنتاوي/

سجّل التونسيون "اختراقا" على مستوى التشريع، بإقرارهم المساواة في الإرث بين الرجال والنساء. أثارت القضية وتثير جدلا محتدما في المنطقة العربية. كثرة من العلماء والمؤسسات الإسلامية "التقليدية" حملت على "الجرأة" التونسية على ما أسمته "ثوابت الدين"، وقلّة من "الإسلاميين المتنورين" نظرت للأمر من زاوية "تجديد الخطاب الديني". والمفارقة أن تأييد هذه الخطوة جاء من بعض العلماء المحسوبين على الإسلام الشيعي، بمن فيهم حوثيين يمنيين.

لا يهم أن تلقى الخطوة التونسية ترحيب وتأييد العلمانيين العرب، فمن باب تحصيل الحاصل، أن تقف تيارات ليبرالية ويسارية وقومية مثل هذه الوقفة. المهم أن تلقى خطوة كهذه، تأييد تيارات أوسع من الإسلاميين، وأن تجد من يدافع عنها بوصفها خطوة تحديثية، لا تتعارض بالضرورة مع قواعد الإسلام. والأصعب والأهم من كل هذا وذاك، أن يجد علماء التجديد والبعث ما "يؤصلون" به مواقفهم وطروحاتهم الفكرية، سواء من النص أو وفقا لقواعد الاجتهاد، أو بالاستناد إلى التراث والخبرة الإنسانية الإسلامية المتراكمة.

الديمقراطية، بما هي ثقافة ونمط حياة وسلوك وليس فقط أداة للوصول إلى السلطة، لن تتجذر في بلادنا من دون جهد خلاق

​​لست هنا بصدد مناقشة الخطوة التونسية الجريئة للغاية، ولا أن أجزم بصحة أو بطلان انسجامها مع تعاليم الدين، فتلك مهمة تتخطى مؤهلاتي وإمكانياتي الذاتية؛ لكنني بصدد مناقشة العلاقة بين قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان من جهة، وما يمكن تسميته بـ"القيم التقليدية" من جهة أخرى. وهذا الموضوع على نحو خاص، كان موضع جدل وحوار في مؤتمر داكار للحركة الديمقراطية العالمية (2018)، وقبلها في اجتماعات تبليسي (2017)، وبدرجة أقل في مؤتمر سيول (2016).

أهمية البحث في هذه المسألة، تتخطى "الترف الفكري" إلى مفاعيل الميدان السياسي والاجتماعي في العالم العربي، وتؤثر على راهن ومستقبل العلاقة بين تيارين علماني وديني فيها. ولقد أثيرت مؤخرا، على هامش الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف هذا العام، أسئلة من نوع: لماذا لا يحتفي العلمانيون العرب بذكرى المولد الشريف؟ ولماذا لا يبذلون جهدا من أي نوع، للإضاءة على جوانب مشرقة في تقاليدنا وثقافتنا؟ ولماذا لا يبحثون عن "جذور" قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، في موروثهم الديني والتاريخي والاجتماعي والثقافي؟ لماذا كل هذه "الغربة" و"التغريب"، وهل هي سبب في "تواضع" نفوذ هؤلاء في أوساط شعوبهم، وظهورهم كنخب منعزلة عنها، وافدة عليهم من مرجعيات وثقافات أخرى؟

اقرأ للكاتب أيضا: إدارة ترامب وأزمة خاشقجي... زاوية نظر أخرى

والحقيقة أن هذه الأسئلة، تشفُّ عن أمرين اثنين: الأول؛ أن ثمة من يريد تعظيم "المدخل الوطني/القومي في الموروث الإنساني، فلا نبدو كعرب مجرد متلقين لما يأتينا من الغرب الجغرافي أو الحضاري، وأن هذا "النفر" من المثقفين بإثارتهم لمثل هذه الأسئلة والتساؤلات، إنما يسعى لإحداث نوع من المصالحة أو حتى "المساكنة" بين العلمانيين والإسلاميين، وهذه مبررات مفهومة ومشروعة.

والثاني؛ أن ثمة فريق، يسعى من خلال كيل الاتهامات بـ"الغربة" و"التغريب" إلى محاصرة التيار العلماني، وإبراز انفصاله عن ثقافة شعبه وأصالتها، بوصفها أداة للاستمرار في عزلهم و"شيطنتهم"، في سياق الصراع الذي يعلو ويخفت بين التيارين المذكورين.

وبصرف النظر عن نوايا وأولويات مثيري هذه الأسئلة ومطلقي تلك التساؤلات، فإن الحقيقة التي لا مراء فيها، أن العلمانيين العرب، "قصّروا" كثيرا في تقليب فصول تاريخهم وإرثهم وموروثهم، ولم يبذلوا ما يكفي من جهد للتنقيب في ثنايا هذا الموروث عن "جذور" لقيم الحداثة والتجديد والدمقرطة وحقوق الإنسان، وآثروا سلوك الطريق السهل: البحث في الاتفاقات والمواثيق والعهود الدولية عن مرجعيات لمصفوفة حقوق الإنسان وقواعد العملية الديمقراطية وثقافتها. وهذا التوجه، على أهميته، لم يجعلهم أكثر التصاقا بثقافة شعوبهم وموروثها، ولم يسهم في "توطين" خطابهم وتكريس "حقوق ملكية" شعوبهم لهذه القيم والمبادئ.

ومن المعروف أن لـ"القيم التقليدية" مصادر متعددة؛ أهم رافد لها هو الدين، إسلاما كان أم مسيحية أم غيرهما. فضلا عن التجربة التاريخية والموروث، وكيف قرأ أهل هذه المنطقة وشعوبها دياناتهم، وكيف تبدلت هذه القراءات بتبدل المراحل والحقب التاريخية. لكن الدين ليس الرافد الوحيد للقيم التقليدية، فثمة روافد أخرى، مستوحاة من قيم العشيرة والقبيلة والعائلة والمجتمعات الزراعية وأهل المدن والتجارة والصيد البحري، تشكل في مجملها، وعاء ضخما نشأت فيه وتفاعلت، منظومات القيم والقواعد الأخلاقية الحاكمة لسلوك هذه المجتمعات واتجاهات تطورها.

لم يبذل العلمانيون العرب ما يكفي من جهد للتنقيب في ثنايا الموروث عن "جذور" لقيم الحداثة والتجديد والدمقرطة وحقوق الإنسان

​​وهذه بالمجمل، لم تتطور في اتجاه واحد، فمن يتصد للموروث الديني بخاصة والتقليدي بعامة، يجد أنه غالبا ما يستبطن "الشيء ونقيضه". فإن أراد "المتطرفون" و"الإقصائيون" تبرير خطابهم وممارستهم، وجدوا في بعض فصول هذا الموروث مبتغاهم، وإن أراد أصحاب خطاب العيش والتعايش والتسامح واحترام الرأي الآخر وحفظ التعددية واحترام المرأة بدل سبيها وتهميشها، وجدوا فصولا في تراثهم، تسعفهم في مهمتهم. لكن المؤسف أن العودة للتراث والموروث هي فعل يقوم به عادة الغلاة، وبدرجة أقل رجال الدين وعلمائه الأكثر اعتدالا. أما العلمانيون، مثقفون ونشطاء، فلا يبدون اهتماما بأمر كهذا، وإن فعلوا كما حصل في تجارب متفرقة، فغالبا ما يتم ذلك على نحو سطحي وطارئ، وبدرجة أقل من العناية والاهتمام.

إن الديمقراطية، بما هي ثقافة ونمط حياة وسلوك وليس فقط أداة للوصول إلى السلطة أو وسيلة لسرقتها، لن تتجذر في بلادنا من دون جهد خلاق وبحث معمق في ثنايا الحاضر والماضي، وفي التراث والموروث، ومن دون خطاب ديني متجدد وعصري ومن دون إحداث قدر من المصالحة وبحد أدنى "المساكنة" بين قيم الديمقراطية والقيم التقليدية لمجتمعاتنا.

اقرأ للكاتب أيضا: الانتخابات النصفية بعيون شرق أوسطية

هي ليست مهمة سهلة بكل الأحوال، لا سيما بعد عقود أربعة من شيوع القراءات الأكثر تطرفا للدين والتراث والموروث، وفي ظل تفاقم حالة الاستقطاب والتنابز، وهيمنة التكفير على التفكير، وفي مناخات الاستبداد والركود السياسي، بيد أنها ليست مهمة مستحيلة أيضا، والأهم أنها ليست "ترفا فكريا" يمكننا الأخذ به أو التخلي عنه. إنها مقدمة ضرورية للسير قدما على طريق إشاعة قيم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وتأصيلها، وتخليص مجتمعاتنا من ثقافة الخرافة والأسطورة، وإحداث الهجوم المضاد، ثقافيا وحضاريا على المتطرفين والغلاة، وسحب الذرائع من المستبدين والطغاة، وحتى لا تظل مجتمعاتنا تنظر للمجددين والعلمانيين، بوصفهم طابور خامس أو غزاة.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!