أندريا سان ميغويل، جنيفر لاتيمور، ماثيو سي. يي ووليام براون (تصوير مايكل بوريسلو)
أندريا سان ميغويل، جنيفر لاتيمور، ماثيو سي. يي ووليام براون (تصوير مايكل بوريسلو)

بقلم رياض عصمت/

يعرّف كثيرون وليام شكسبير على أنه أعظم مؤلف مسرحي في التاريخ، بينما يصفه آخرون بأنه كاتب أبيض، غريب الأطوار، عاش في انكلترا بين عامي 1564 ـ 1616 وخلّف تراثا من 37 مسرحية، كما كتب عددا كبيرا من القصائد الشعرية. يحيط الغموض والأسرار بشخصية شكسبير حتى عصرنا الراهن، فبعض الباحثين ينكر وجود هذا الشخص على الإطلاق وينسبون مسرحياته تارة إلى معاصره المؤلف المسرحي كريستوفر مارلو الذي توفي مقتولا في ريعان الشباب، أو إلى واحد من كبار النبلاء الذين أرادوا إخفاء هويتهم وهوايتهم معا لأن ممارسة فن المسرح كان يعتبر عارا على أبناء الطبقة العليا في ذلك الزمان.

من ناحية أخرى، ينكر قلة من الأدباء الموهبة الفذة التي تحلى بها وليم شكسبير، ومنهم الروائي الروسي الكبير ليو تولستوي الذي انتقد بشكل خاص مسرحيته التراجيدية "الملك لير" معتبرا إياها أشبه بمسرحية أطفال، والمؤلف المسرحي البريطاني لاذع النكتة جورج برنارد شو الذي وضع أعمال هنريك إبسن في مصاف أعلى من أعمال شكسبير.

أعتقد أن أحد أسباب عظمة شكسبير تكمن في إيمانه بالتنوع البشري بعيدا عن التعصب العرقي

​​كما حضرت ذات مرة محاضرة لناقد بريطاني في جامعة كامبريدج مزق فيها إربا مسرحية "روميو وجولييت" عن قصة الحب الخالدة للمؤلف البريطاني العتيد، ووصفها بأنها تكرس ما هو ضد الطبيعة، وأنها كانت بالنسبة للجمهور في تلك الحقبة أشبه بالمتعة الوحشية لقتل دب في حفرة عميقة.

في الواقع، ليس وحده فيلم "شكسبير عاشقا" (1998) من إخراج جون مادن ما جعلني ادحض صحة هذه النظريات الثلاث القائلة بعدم وجود شخص اسمه شكسبير أو أن شخصا آخر انتحل هذا الاسم أو أن صاحب 37 مسرحية منوعة الطراز بين تاريخية وتراجيدية وكوميدية وبين ـ بين كاتب غير موهوب، وإنما زياراتي المتعددة لمسقط رأس شكسبير بلدة ستراتفورد ـ أبون ـ إيفون الجميلة، حيث رأيت بأم عيني البيت الذي ولد وقضى طفولته فيه، وزرت كوخ آن هاثاواي الذي تزوج منها فيه وأنجبا الأولاد، وكذلك بيت شكسبير الجديد ـ كما يطلق عليه ـ والذي اقتناه بعد أن اغتنى من ريع مسرحياته الرائجة في لندن، وأخيرا ضريحه الذي خطت على شاهدته في كنيسة "هولي ترينيتي" الكلمات التالية: "مبارك من يحفظ هذه الأحجار، وملعون من يعبث بعظامي".

اقرأ للكاتب أيضا: ملاك الموت يحوم حول الطفولة

أعتقد أن أحد أسباب عظمة شكسبير تكمن في إيمانه بالتنوع البشري بعيدا عن التعصب العرقي، والعاطفة التي بثها في قصائده المسماة "سونيتات" للسيدة السمراء التي تؤكد أوصافها أنها تنحدر من شمال أفريقيا، مثلها مثل بطله عطيل ذو البشرة السوداء والأصل المغربي، وخاصة قصيدته الغزلية المعروفة "هل أشبهك بيوم صيف".

يستطيع زائر لندن ارتياد مسرح "غلوب" الذي بني على الطراز المعماري نفسه في زمن شكسبير، والذي تتراوح أماكن المتفرجين فيه بين شرفات ذات مقاعد وباحة يقف الناس فيها طيلة العروض، ولا يسمح فيها بفتح المظلات حتى لو أمطرت السماء، وكثيرا ما تمطر حسب التعبير الإنكليزي "قططا وكلابا"، بمعنى أن الجو عاصف للغاية. من الملاحظ أن شكسبير اختار أن يجعل عديدا من مسرحياته تدور في بلدان شتى من العالم، فهاملت هو أمير الدانمارك، وروميو وجولييت يقطنان فيرونا، وشايلوك يحاول استرداد دينه الظالم من تاجر البندقية، ومسرحيات عديدة أخرى لشكسبير تدور أحداثها في النمسا واليونان وقبرص وسكتلندا وإسبانيا وبوهيميا وسواها. هل كان شكسبير، إذن، معارضا لقانون الهجرة، ومناديا بالمساواة بين العروق والأجناس؟

ربما هذا هو الشعور الأول الذي ينتاب المتفرج حين يرى إحياء "مسرح الكتاب" لمسرحية شكسبير الكوميدية "الليلة الثانية عشرة"، إذ اختار مخرجها مايكل هالبرستام طاقم تمثيل متعدد الأعراق، بحيث أسند دور بطلتها فيولا إلى الممثلة السوداء الموهوبة جنيفر لاتيمور، ودور شقيقها التوأم سيباستيان للممثل الأسود لوس ميتريوس، ودور الدوق أورسينو للممثل الآسيوي ماثيو سي. يي، ودور الشابة الثرية أوليفيا للممثلة ذات الأصل اللاتيني أندريا سان ميغويل، ودور رئيس الخدم مالفوليو للممثل الأبيض القدير شون فورتوناتو. بهذا التنوع وحده، وقبل فرض أي تفسير إضافي، ضمن المخرج إسقاطا معاصرا يوحي بتفوق الحب على قوانين الهجرة في كل زمان ومكان.

تروي حبكة المسرحية غرق سفينة في عاصفة شديدة وعلى متنها الشقيقان فيولا وسيباستيان، فيعتقد كل منهما أن شقيقه الآخر مات غرقا. تلجأ فيولا إلى بلد ساحلي غريب، تتنكر في زي فتى، وتلتحق بخدمة الدوق أورسينو، الذي يحملها رسائل حبه وهيامه إلى صبية ثرية تدعى أوليفيا، فإذا بها بدل أن تتقبل عواطف الدوق تقع في هوى مرسال الغرام ذي البشرة السوداء دون أن تعلم أنه أنثى. أما شقيقها سيباستيان، فينجو بفضل أحد القراصنة، ويصل إلى البلدة الساحلية ذاتها، حيث تختلط شخصيته على الجميع مع أخته نظرا لتشابهما الشديد.

"الليلة الثانية عشرة" واحدة من أشهر كوميديات شكسبير التي يبلغ عددها 17، إضافة إلى "حلم ليلة صيف" و"حكاية الشتاء" و"جعجعة بلا طحن"

​​في منزل أوليفيا، يتآمر أقرباؤها ووصيفاتها على رئيس الخدم الصارم والرزين مالفوليو، ويقنعونه عبر رسالة مزورة أن سيدته تهواه سرا، فيحرضونه على ارتداء جوارب صفراء ومغازلتها علنا لينتهي به الأمر إلى سجن أشبه بمصح عقلي.

تنتهي المسرحية بانتصار الحب، فأوليفيا تجد في سيباستيان الشاب الموازي لمن أحب قلبها وعشق، وأورسينو يكتشف أنه يكن عاطفة تجاه خادمه الذي اكتشف أنه أنثى. وحده مالفوليو يخرج من سجنه أخيرا مدركا الحقيقة المرة الناجمة عن خديعة حاشية سيدته الموسرة، والتي أصابه تصرفها بجرح أبدي عميق في كرامته.

اقرأ للكاتب أيضا: أول إنسان داس على سطح جارنا القمر

بالتأكيد، فإن "الليلة الثانية عشرة" واحدة من أشهر كوميديات شكسبير التي يبلغ عددها 17، إضافة إلى "حلم ليلة صيف" و"حكاية الشتاء" و"جعجعة بلا طحن"، وقد قدمها المخرج ذو الأصل البريطاني مايكل هالبرستام بشكل بالغ الحيوية والمرح، مؤكدا على فكرة جادة ضمنية في رفض عزل أجناس البشر وأعراقهم عن بعضهم بعضا، والإشادة بقيمة الحب الذي يتغلب على كل الحدود الجغرافية وجوازات السفر.

تمتع العرض بطاقم تمثيل رائع فعلا في انسجامه وتناغمه، دون أن أستثني منه أحدا، وذلك فضلا عن ديكور وإضاءة وأزياء حديثة مبتكرة، وعن عزف وغناء بشكل حي على المسرح، تضافرت جميعا لتعيد إلى الأذهان احتفاليات المسرح وطقوسه الرائعة كما كانت، وكما يجب أن تكون عليه دائما. هذا نموذج صحي مشرق من المسرح الأميركي الذي يحيي آثار الماضي الخالدة بإسقاط عصري نضر.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!