لبنانيات خلال مشاركتهن في مظاهرة نسائية في بيروت- أرشيف
لبنانيات خلال مشاركتهن في مظاهرة نسائية في بيروت- أرشيف

بقلم محمد المحمود/

تشير كثير من الدراسات الأنثروبولوجية إلى عصر افتراضي في مسار تطور المجتمع الإنساني، هو: "العصر الأمومي"/ عصر الأم؛ حيث كانت المرأة/ الأم هي المهيمنة في النظام الاجتماعي، من حيث هي الراعية للوحدة الاجتماعية الصغرى/ الأسرة، التي كان لا يتعدى دور الذكر فيها – وفق هذا الافتراض – التطفّل في لحظات عابرة، هي لحظات التزاوج المحكومة بغريزة ظرفية ليس لها من وظيفة إلا التكفل ببقاء النوع الإنساني.

لكن، وعلى الرغم من وجود كثير من المؤشرات الداعمة لهذا الافتراض؛ إلا أن الإجماع العلمي على وجوده - كمرحلة عامة وشاملة لعصر إنساني طويل – لا يزال بعيدا. الأقرب أن تكون الهيمنة الذكورية قديمة قدم العالم الإنساني؛ لا لمجرد الإحالة إلى معطيات بيولوجية تقرن العنف بالذكورة فحسب، وإنما أيضا بالإحالة إلى معطيات واقعية تمتد على اتساع فضاء الجغرافيا الإنسانية، وبعمق التاريخ الإنساني المكتوب.

إذن، الهيمنة الذكورية هي واقع نعيشه ونُعايشه، هي واقع الأمس القريب الذي نستطيع معاينته/ رصده، كما هي واقع اللحظة التاريخية الراهنة/ العصر الحديث. إنها هيمنة راسخة، كانت؛ ولا تزال؛ ولن تزول في المستقبل القريب. وبصرف النظر عن الموقف الإنساني/ الأخلاقي من هذه الهيمنة، فهذا هو واقع الحال؛ وفق ما يؤكده عالم الاجتماع اللبناني، الباحث القدير/ خليل أحمد خليل، حيث يقول في هذا الصدد: "تُعدّ الولاية الذكورية ظاهرة إنسانية عالمية، نشأت من الملكية الخاصة للعائلة والسلطة، للنساء وللدين، وأفضت إلى استعمار ذكوري للمعمورة أو للعالم المعلوم المكشوف" (عقل العلم وعقل الوهم، خليل أحمد خليل، ص139).

اقرأ للكاتب أيضا: المرأة العربية بين المتن والهامش

إن المجتمع الإنساني في عمومه وإلى عهد قريب، لم يكن يمنح النساء أبسط الحقوق؛ خاصة إذا ارتبطت هذه الحقوق بمساحة من الحرية تكفل للمرأة مساحة أكبر من المشاركة في الرأي العام، أو حتى تحديد خياراتها الشخصية ذات الارتباط بالاستقلال الفردي. وحين بدأت المرأة تأخذ مساحة أوسع من الحرية؛ كان ذلك مرهونا بالتقدم الذي كان قد بدأ يتحقق على مستوى الأطروحات الإنسانوية التي أخذت تُراجع موقع الإنسان في التاريخ/ التراث، من خلال المراجعة الشاملة لكل الأطر المعرفية الموروثة التي تحكم نظام الفكر العام. وهذا ما بدأ يتحقق بوضوح، وبزخم كبير ومؤثر، في أوروبا القرن الـ18، أو ما عُرف بعصر العقل/ عصر التنوير الأوروبي.

المجتمع الإنساني في عمومه وإلى عهد قريب، لم يكن يمنح النساء أبسط الحقوق؛ خاصة إذا ارتبطت هذه الحقوق بمساحة من الحرية

يُمثّل الإنسان الفرد/ الإنسان الحرّ محور الفعالية التنويرية. وإذا كانت حقوق المرأة كـ"فرد حُر" لم تتحقق بالتوازي مع ما كان يتحقق للرجل في الواقع؛ فإن من الملاحظ أن حرية المرأة وإن أتت متأخرة نسبيا، إلا أنها كانت تتحقق في واقع المجتمعات الليبرالية التي تؤكد على الفردانية، بأسرع وأشمل وأرقى مما كان يحدث في المجتمعات الجمعانية/ الكليانية التي كانت تبدو وكأنها لا تزال أسيرة التصورات البدائية الموروثة التي لا وجود لـ"الفرد" فيها، بل لا معنى له؛ إلا من حيث هو جزء من كل/ فرد من مجموع.

حتى في القرن الـ20 الذي يبدو وكأنه هو "قرن المرأة" نتيجة القفزات الحقوقية الكبرى التي أنجزتها مسيرة تمكين المرأة، كانت المجتمعات ذات التوجه الشمولي تحاول إعادة المرأة إلى نقطة البداية/ البدائية، إلى عبودية اجتماعية/ أسرية تسلبها كل ما تحقق لها من استقلال فردي؛ في حركة معاندة لمنطق التاريخ. فخلال هذه القرن، الفريد في تقرير الحريات الإنسانية، وفي أوروبا مركز إشعاع التحرر العالمي، كانت الأحزاب والتيارات اليمينة المتطرفة القائمة على عصبويات جَمعانية، تتنكر صراحة للمنجز النسوي التحرري، وتقرر على مستوى الأطروحات الفكرية، وعلى مستوى التشريعات القانونية، إعادة المرأة إلى البيت بوصفه المجال الحيوي الطبيعي للحراك النسوي.

وكمثال، لو أخذنا النظامين الشموليين: الفاشية في إيطاليا والنازية في ألمانيا؛ لرأينا كيف أن المرأة بدت تحت هيمنتهما وكأنها تكاد تنزلق إلى ما يماثل وضع المرأة في الشرق، وربما إلى ما هو أسوأ. يقول مهنّا حداد - في معرض مقاربته للفكر العنصري الغربي - عن موقف الفاشية الإيطالية من المرأة: "كأب وزوج كان موسوليني يعرف ما هو الأفضل لهن أكثر مما كن يعرفن ذلك بأنفسهن. وبكل صرامة وحنيّة وضع النساء في مكانتهن: وراء عربة الأطفال، وأعادهن أكثر من قبل إلى العمل البيتي"، ثم يقول: "لقد بدأ موسوليني أولا بحرمان أرامل الحرب من حق الاقتراع، وفي فترة لاحقة كان على المرأة أن تتنازل عن حقها الديموقراطي"، (الفكر العنصري الغربي، ص207). وراج القول في هذا النظام أن "النسوة الشريفات يبقين في البيوت، لأن اللواتي يتعلقن بسواعد الرجال في الباصات والقطارات عاهرات" (المصدر نفسه، ص 207/208). وأيضا في إيطاليا الفاشية صدر قانون الشرف عام 1930، وهو القانون الذي أعطى الأزواج والإخوة حق تنفيذ حكم الإعدام على مرتكبة الخيانة الزوجية (المصدر نفسه، ص208). وفي ألمانيا، وبناء على تشريع الفوهرر لعام 1934 استثنيت النساء من مراكز القيادة (المصدر نفسه، ص209).

اقرأ للكاتب أيضا: المرأة في الثقافة بين الشرق والغرب

وحتى في هولندا ذات الإرث الليبرالي العريق، نجد أن "حزب الاتحاد الشعبي في الستينيات يرجع السبب في العنف ضد النساء إلى الإبهام الذي أوجدته حركات تحرير المرأة. فلو أن المرأة بقيت في خضوعيتها لما تعدّى عليها الرجال". وفي إنكلترا "وضعت الحركات اليمينية حركات التحرّر النسوية موضع العدو الذي يجب أن تهاجمه، واتهمت الحركات النسائية بتحطيم الثورة الحضارية الأوروبية من خلال تهديد مركز الرجل وعدم اعترافها بسلطته" (المصدر نفسه، ص211). وبهذه الأقوال وأمثالها كانت تنطق الأحزاب الفاشية والتيارات اليمينية العنصرية مهما اختلفت أماكنها وظروفها؛ مما يشي بتشابه، بل بتطابق تصوراتها الأولى عن الإنسان. ولهذا لم يتردد مهنا حداد، وبعد أن استعرض كثيرا من هذه الأمثلة المعادية للتحرر النسوي، أن يقول: "ما أكبر الشبه بين تعبيرات الحركات المعادية للأنثوية وحركات التحرر النسائية، والعقائد الفاشية والاشتراكية الوطنية، فهي تبدو بالضرورة جزءا منها" (المصدر نفسه، ص 212).

إن هذه الوصايا والاقتراحات والتشريعات اللاإنسانية، التي تصدر عن حراك فكري – واقعي، تتفاعل جدليته في فضاء العالم المتحضر، العالم الإنساني، إنما هو صدى للموروث العتيق القابع في الأعماق والآتي من أزمنة بدائية غائرة في عمق الذاكرة/ التاريخ؛ فكأنما هو "إعاقة" في مسيرة حركة؛ أو نكوص وارتداد في سياق حركة النمو الإنساني الصاعد، والمتعاضد عبر أكثر من مسار. وفي كل الأحوال، يبقى هذا الموقف الذكوري العنصري تعبيرا عن تصور تقليدي بدائي، يحاول وضع المرأة في الأسر لصالح الاستبداد الذكوري الذي يؤمن بضرورة "الهرميات السلطوية" في المجتمع الإنساني.

لقد كان تهميش المرأة وتحديد حركتها جزءا من مسار عام يعكس روح العصور القديمة، بما فيها من مفكرين وفلاسفة وأدباء ومُشرّعين. فحتى سَدنة العقل، أي الفلاسفة الكبار عبر التاريخ، لم يستطيعوا الخروج من الإطار العام للوعي في عصرهم، إذ رغم كونهم منحازين – في العموم – إلى الإنسان، إلا أنهم كانوا يخضعون للتصور السائد في تحديد "وضع المرأة"، وبالتالي، رسم حدود استقلاليتها وحريتها. وفي هذا ما يؤكد أن الوعي بالمرأة كإنسان/ الوعي بحريتها مرتبط بتحولات نوعية في فضاء الفعل الحياتي المرتبط بالمشترك الإنساني العام، أي مرتبط بروح عصرٍ يصعب تجاوزه كأفق وعي؛ أكثر مما هو مرتبط بتفكير عقلاني مستقل.

مسيرة التحرر النسوي مرتبطة بمسيرة التحرر الإنساني وليس ثمة علاقة تلازمية تربط هذه المسيرة بالانحلال

​​

ويمكننا - لإيضاح مدى ارتباط التحقيب الفكري/ التصوري بالتحقيب الزمني/ التاريخي - أن نعاين موقف المعلم الأول/ أرسطو من المرأة، فهو وإن كان تسيّد التفكير العقلاني في العصور القديمة، إلا أنه لم يستطع الخروج من أفق عصره في هذا المجال. ينقل هادي العلوي قول أرسطو في كتاب السياسة: إن الطبع هو الذي عين المركز الخاص للمرأة والعبد. ويرى العلوي أن قول أرسطو هذا أخطر من قول أهل الأديان: إن الله هو الذي عين المركز. لأن الطبع مقولة جوهرية في الفكر والله مقولة اعتقادية. وجعل المركز المتدني للمرأة من عمل الطبع يؤثر في نمط الفكر الفلسفي أكثر من مقولة لاهوتية (فصول عن المرأة، هادي العلوي، ص82).

بناء على ما سبق؛ نجد أن مسيرة التحرر النسوي مرتبطة بمسيرة التحرر الإنساني الذي يتطور في الزمان/ التاريخ، وليس ثمة علاقة تلازمية تربط هذه المسيرة بالانحلال. ما تتمتع به المرأة اليوم من حرية، وكل ما تحققه من استقلالية؛ تدعم بها عملية بناء ذاتها الإنسانية، إنما هو تحوّل أصيل متنامٍ كجزء من تحول عامٍ في مسيرة النمو الإنساني. وكما أن اسْتئْسَار المرأة في القديم لمنظومة العادات والأعراف التي تتربع الهيمنة الذكورية على عرش وصايتها، مشرفة على صيانتها، لا يعني بالضرورة تطهّرا من الانحلال، فكذلك لا يعني التحرر من تلك المنظومة العتيقة؛ بكل ما يستلزمه ذلك من رفض حاسم للهيمنة الذكورية، الوقوع في وحل الانحلال. وإذا كان صحيحا أن "الانحلالية الإباحية" تتسع دائرة إمكانها باتساع دائرة التحرر؛ فإن هذا لا يعني تلازما على أي مستوى، فالتحرر يتيح فضاء واسعا لكل إمكانيات الفعل الإيجابي المتعدد والمتنوع، ويبقى الخيار الانحلالي، فضلا عن كونه خيارا فرديا، مجرد خيار هامشي واستثنائي وعابر، ولا يمكن أن تُرْتَهن إليه حركات الحقوق العامة التي تحكم واقع جميع الأفراد/ المجتمع الإنساني.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

FILE PHOTO: Military vehicles of the Libyan internationally recognised government forces head out to the front line from…

في بيان قوي وغير اعتيادي، اتّهمت وزارة الدفاع الأميركية موسكو يوم الثلاثاء بإرسال مقاتلات إلى ليبيا لتعزيز المرتزقة المرتبطين بالكرملين بهدف دعم قائد "الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر في شرق البلاد. وتمثّل هذه الخطوة تصعيدا كبيرا في دور روسيا في الصراع الليبي، وتثير تساؤلات عمّا تأمل روسيا تحقيقه من خلال نشاطها المتزايد في ليبيا.

في الأشهر السابقة، أدى تدخل تركيا في ليبيا إلى تحويل مسار الحرب لصالح "حكومة الوفاق الوطني" في طرابلس والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة. ومن الجدير بالذكر أن التدخل التركي المباشر لصالح حكومة الوفاق يترتب عليه تغيير في الدور الذي تلعبه القوى الداعمة للطرف الآخر في هذا البلد الذي مزّقته الحرب. 

وبسبب الانتكاسات العسكرية التي عانى منها حليف الإمارات خليفة حفتر في الفترة الماضية، تستعد روسيا لاغتنام الفرصة ولعب دور أكبر في شرق ليبيا. وقد تمثّلت الاستراتيجية الدبلوماسية لموسكو في ليبيا على مدى السنوات القليلة الماضية بالانخراط مع جميع أطراف الصراع الليبي، لكن مع المحافظة على الانخراط العسكري فقط إلى جانب حفتر كقائد لـ "الجيش الوطني الليبي".

ومع ذلك، فقد أصدر حفتر نفسه سلسلة من التصريحات الجريئة ردا على الضغوط التركية، التي ربما تجعل موسكو تعيد حساباتها، منها إعلانه بتاريخ 27 أبريل، أن الاتفاق السياسي الليبي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة ـ والموقَّع في ديسمبر 2015 ـ أصبح لاغيا. كما أعلن عن نيته السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي. وقد تم تفسير ذلك على أنه محاولة انقلاب ضد حلفائه في شرق ليبيا الذين دعموه منذ إطلاق عمليته العسكرية، التي سُمِّيت "عملية الكرامة"، في مايو 2014.

يشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته

من أجل فهم إعلان حفتر الأخير، من المفيد فهم الدوافع التي تحرّكه. فمن المرجّح أن حفتر يتصرف الآن بدافع الضعف والخوف، إذ أدى تدخل تركيا المباشر هذا العام ضد قواته وخطوط الإمداد في غرب ليبيا إلى إضعاف التفوق العسكري المطلَق الذي كان يتمتع به. وبالتالي، يواجه حفتر تداعيات هزيمة عسكرية محتملة في طرابلس، بما في ذلك التأثير الذي يمكن أن تخلّفه تلك الهزيمة على قاعدته الشعبية في شرق ليبيا.

هذا ويشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين ـ أي مجلس النواب المعترف به دوليا في شرق ليبيا ورئيسه عقيلة صالح ـ في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته، من أجل إبرام اتفاق سياسي جديد. يمكن لمثل هذه الخطوة أن تهمّش حفتر وتضع حدا لخططه للسيطرة على طرابلس عسكريا.

في الواقع، جاء إعلان حفتر بعد أيام قليلة من تقديم صالح مبادرة سياسية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سياسي يدعو لإنهاء القتال في طرابلس. غير أن هذا الإعلان لم يرضِ حفتر، ودفعه إلى اتخاذ خطوته الأخيرة محاولا إنقاذ مشروعه الطموح لحكم ليبيا من الانهيار.

الآن، يواجه حفتر تحدي تأرجح الموقف الدولي من الحرب في طرابلس. لقد شن حفتر هجومه على طرابلس ـ والذي كان من المفترض أن يستمر لبضعة أسابيع فقط ـ قبل أكثر من عام. إلا أن التدخل التركي المباشر مؤخرا لمؤازرة "حكومة الوفاق الوطني" المدعومة من الأمم المتحدة قد قلب ميزان القوى في طرابلس ضد حفتر، ما جعل الاستيلاء على طرابلس أكثر فأكثر أمرا عديم الجدوى في نظر أغلب مؤيدي حفتر الخارجيين. وقد برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كاستثناء على ذلك، وهي الآن منخرطة في حرب مفتوحة ضد تركيا وحلفائها الإسلاميين في المنطقة والذين يتمتعون بنفوذ مهم داخل حكومة طرابلس.

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا أو تفوقها من الناحية العسكرية. وإذا لم تتمكن أبوظبي من تقديم الدعم الكافي لإعادة ميزان القوى لصالح حفتر، فمن المحتمل أن يحاول حفتر البحث عن الدعم في مكان آخر.

ولهذا يأتي تدخل روسيا المتزايد في ليبيا في وقت مفصلي في الصراع. قد تكون روسيا مرشّحة للعب دور أكثر نشاطا في الملف الليبي باعتبار أن العلاقة بين حفتر وموسكو قائمة أصلا. 

من ناحية أخرى، قد ترى موسكو أنه من مصلحتها الاستفادة من حالة الضعف والتراجع لدى حفتر بسبب التدخل التركي حتى تتمكن من إملاء بعض من شروطها عليه. 

في الواقع، قد تفرض روسيا صالح كشريك سياسي لموسكو في المرحلة القادمة من انخراطها في شرق ليبيا. لن تكون هذه المرة الأولى التي تحقق فيها روسيا تدخلا ناجحا، إذ ساعد انخراطها في سوريا في إنقاذ نظام الأسد من الانهيار الكامل عام 2015، ما يشير إلى أن تدخلا مستقبليا قد يكون بنفس الفعالية.

قد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية

لا تزال موسكو تنظر إلى حفتر و"الجيش الوطني الليبي" باعتبارهما الشريك العسكري الوحيد في ليبيا اليوم، ولن يكون أمامها تقريبا أي مجال سوى الاستمرار في تزويد "الجيش الوطني الليبي" بالدعم العسكري الكافي من خلال المرتزقة المرتبطين بالكرملين، ومن خلال تعزيز العلاقة بين دمشق وبنغازي. من شأن هذا الدعم أن يضمن عدم تحقيق تركيا و"حكومة الوفاق الوطني" انتصارا حاسما ضد "الجيش الوطني الليبي" في غرب ليبيا وجنوبها، والذي بدوره قد يضع نهاية لطموحات روسيا في ليبيا.

ومع ذلك، يبدو أن الروس يفهمون قيمة الاعتراف الدولي الذي يتمتع به صالح كرئيس لمجلس النواب في الشرق. تجدر الإشارة إلى أنّ مجلس النواب منتخب ديمقراطيا وهو أيضا أحد الأجسام المنبثقة عن "الاتفاق السياسي الليبي"، وهو السلطة التشريعية وفقا لذلك الاتفاق. 

وعلى هذا النحو، فإن موسكو قد بدأت بشكل متزايد في التأكيد على أهمية الدور الذي يلعبه صالح، وذلك على الرغم من إعلان حفتر الأخير السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي.

حتى الآن، اتخذت روسيا خطوات جادة في هذا الاتجاه. وتساعد موسكو في تنسيق عودة الشخصيات الرئيسية في نظام القذافي إلى شرق ليبيا. حيث انضم العديد من أنصار النظام السابق لصفوف "الجيش الوطني الليبي" وهم بمثابة حلقة وصل مهمة بالنسبة لروسيا، إذ لطالما شكّكت موسكو في ماضي حفتر وعلاقاته بـ "وكالة الاستخبارات المركزية".

وزعم صالح أيضا في 29 أبريل أن روسيا شجّعت قراره بالسعي إلى التفاوض مع طرابلس والخروج بمبادرته السياسية. وخلال تجمّع قبلي في مسقط رأسه في القبة، شرق ليبيا، قرأ صالح مقتطفات من رسائل ادعى أنه تلقاها من مسؤولين روس يحثّونه وينصحونه بالإعلان عن مبادرة سياسية جديدة من شأنها أن تساعد في إنهاء "حكومة الوفاق الوطني" المتمركزة في طرابلس. 

وفي المقابل، لعبت أبوظبي دورا مباشرا في دعم إعلان حفتر بإلغاء "الاتفاق السياسي الليبي"، وإعلان سيطرته على الحكم في شرق ليبيا.

في 19 مايو، شدّد المندوب الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة على أهمية مبادرة صالح لوقف إطلاق النار، حيث اقترحت المبادرة إنشاء مجلس رئاسي جديد يتألف من ثلاثة أعضاء ليحل محل المجلس الحالي في طرابلس، وتشكيل حكومة وفاق جديدة، حيث يمثّل المجلس الجديد المناطق التاريخية الثلاث في ليبيا، ويشرف على صياغة دستور جديد وانتخابات جديدة. وفي 26 مايو، تحدث وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مطولا مع صالح لتبادل وجهات النظر حول التطورات العسكرية والسياسية في ليبيا، حيث أعرب الأول عن دعمه لمبادرة صالح السياسية.

وفي هذا السياق، يبدو أن موسكو تحاول الاستفادة من الاعتراف الدولي الذي يحظى به صالح واستخدامه كمبرر لانخراطها السياسي والعسكري المتزايدة في شرق ليبيا. وهذه هي المقاربة ذاتها التي تتبعها أنقرة مع "حكومة الوفاق الوطني" المعترف بها دوليا والمتمركزة في طرابلس. 

وقد تسعى روسيا حتى إلى توقيع اتفاق مع مجلس النواب المتمركز في الشرق مماثل لذلك الذي وقّعته تركيا مع "حكومة الوفاق الوطني" والذي قد تستخدمه روسيا كغطاء قانوني لتدخلها على الأرض في الفترة القادمة.

ولكن إذا اختارت موسكو أن تتبع هذا المسار، فسيتعين عليها أولا أن تضمن اعتماد كل من حفتر وصالح على دعمها العسكري والسياسي للصمود والبقاء في ظل التغول التركي، والتأكيد على أن الدور الروسي لا يمكن مطابقته من قبل أي من القوى الإقليمية الأخرى الداعمة للرجلين. 

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا

ومن الجدير بالذكر هنا أن روسيا لا تحب المنافسة القوية خاصة إذا ما تعلق الأمر بنفوذها السياسي في مناطق سيطرتها. فحتى الآن، سمح الدعم الأجنبي المتنوع الذي يحظى به حفتر في تمكينه من التلاعب بمؤيديه الخارجيين بقدر كبير من الفعالية، حتى أنه أحرج الدبلوماسية الروسية والرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق من هذا العام عندما انسحب من دون التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة كل من الرئيس بوتين وإردوغان. وقد اتُّهِمت الإمارات بعرقلة توقيع هذا الاتفاق.

بالإضافة للديناميكيات المعقّدة للصراع الليبي، هناك أيضا ديناميكية غريبة بين تركيا وروسيا والتي من المرجح أن تلعب دورا محوريا في علاقة الدولتين في ما يخص الملف الليبي. إذ أن روسيا وتركيا منخرطتان في تنافس وصراع إقليمي متعدد الأوجه والمستويات، ربما أبرزها في سوريا. ورغم ذلك، فقد أظهرت موسكو وأنقرة أيضا قدرة ومهارة عالية في إدارة خصومتهما الراهنة في ظل خلفية شراكتهما الاستراتيجية طويلة الأجل.

ومن شأن أي جهود جديدة لوقف إطلاق النار في ليبيا أن تقدم فرصة أخرى لإردوغان وبوتين للعمل معا وتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في المنطقة. وفي الواقع، حاول الزعيمان الاستيلاء على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال الإعلان عن مبادرة لوقف إطلاق النار أثناء مؤتمرهما الصحفي المشترك في اسطنبول في يناير 2020، بعد افتتاح خط أنابيب جديد لنقل الغاز إلى أوروبا.

وفيما تسعى موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع الكتلة الشرقية في ليبيا، وتبني أنقرة وجودها العسكري ونفوذها في طرابلس، فقد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية. 

وإذا لم يحدث تحوّل كبير في واقع الصراع الليبي، فإن هذين البلدين سيحددان مستقبل ليبيا. حتى الآن، وبينما تستمر الولايات المتحدة في إظهار قلّة اهتمام أو انخراط جاد في الملف الليبي، وما زالت أوروبا منقسمة من دون سياسة مشتركة وواضحة بشأن ليبيا، فمن المرجح أن تستمر كل من تركيا وروسيا في الاضطلاع بدور محوري في الأزمة الليبية، لا سيّما إذا استمرت روسيا في زيادة نفوذها العسكري والسياسي بنفس الوتيرة القائمة الآن.

المصدر: منتدى فكرة