تونسيات يطالبت بتحسين أوضاعهن
تونسيات خلال مظاهرة في العاصمة

بقلم ابتهال الخطيب/

لا تتغير الظروف ومعطيات الحياة ومستجدات العلم التي تحول الأيام عن مسارها المتوقع فقط، ولكن التغيير يصيب الأفكار والمعتقدات وحتى المبادئ والمثل كذلك، ومعها تتغير منظومات لطالما اعتقدها الإنسان ثابتة راسخة عميقة الجذور.

كانت القناعة كنزا لا يفنى ذات يوم، فأصبح الطموح هو كنز هذه الأيام. كان الكرم مصدر فخر ذات يوم، فأصبح الترشيد والقدرة على جمع المال هما مصدر الفخر هذه الأيام. كان الامتداد العرقي هو الأهم ذات يوم، فأصبح الإنجاز الشخصي هو المتصدر هذه الأيام. التغيير بطيء، نعم، ولا يصيب كل البشرية في ذات الوقت، حقيقة، لكنه مصيبها ولابد. هو قدر البشرية أن يصيب التغيير حتى أشد أسسها صلابة، ليست الأسس الأخلاقية والنفسية فقط، ولكن حتى الجسدية الجينية كذلك والتي تطورت وتغيرت، ولا تزال، عبر مراحل تكون الإنسان منذ أن ترك جده الأول الأشجار ونزل الى الأرض لينمو ويتطور مخه، وصولا إلى هذا الكائن البدائي المغرور الذي هو نحن اليوم.

تونس تفهم ذلك، تونس تعلم أن لكل "زمن" مقالا، تونس ترى بعينيها الخضراوين أن التغيير ملزم لحفظ حقوق مواطنيها، فمن غير المعقول، تقول تونس بقراراتها، أن تتحول هي الى دولة دستورية مدنية، وتبقى قوانينها قبلية أو دينية. منذ سنوات طويلة ونحن نسمع حوارا خلابا يدور في تونس. فعلى سبيل المثال، حين أصرت تونس على إلغاء قانون تعدد الزوجات في نهايات الخمسينيات من القرن الماض، قالت، من خلال مشرعيها ومن خلال أصوات شعبها الذي خرج متظاهرا من أجل حقوق المرأة، في عارض ردها على المعترضين دينيا والذي ساقوا حجة أن منع التعدد سيوقع كثيرا من

لا يخدعكن، سيداتي النساء، القائلون أن مسؤولية الرجل المالية هي إشارة تدليل وتغنيج للمرأة، مسؤولية الرجل المالية عن المرأة تضعها مباشرة في الصف الثاني من الهرم الإنساني

​​الرجال في الحرام، أن تونس الدولة المدنية ليست مسؤولة عن إيصال رجالها ونسائها إلى الجنة، فليذهب إلى الجحيم كل من هو غير قادر على التحكم في شهواته، تلك ليست قضية أو مشكلة تونس، إنما تونس الدولة المدنية هي مسؤولة عن حفظ حقوق مواطنيها الدنيوية وضمان مساواتهم والعدل في قضاياهم. وكذا كان رد تونس حين دار النقاش حول موضوع المساواة في الإرث، والذي طالما كان موضوعا بالغ الصعوبة والحساسية في التعامل معه لما له من دلالات جندرية خطرة في مجتمعاتنا المستغرقة في أبويتها ونتائج وخيمة ماليا على "الذكور" الذين لن يفقدوا فقط مميزات مالية عالية ضُمنت لهم لقرون عدة ولكن كذلك سيفقدون مميزات القوامة التي وضعتهم دوما وبلا منازع في المقام الأعلى والأقوى اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. قالت تونس على لسان مشرعيها أن أحكام المواريث استندت إلى نظام قبلي قديم اعتمد الذَكر المصدر الرئيسي لامتداد القبيلة، في حين أن الأنثى هي موقع ضعف تُخترق من خلاله قوى القبيلة إجتماعيا واقتصاديا من حيث انتقال الأموال معها إلى قبيلة أو أسرة أخرى كما هو الحال مع انتماء أبنائها، الذي يرفع من عدد القبيلة الأخرى لا قبيلتها الأصلية (للمزيد يمكن قراءة مقال وجدان بوعبدالله "للذكر مثل حظ الأنثى . . . فعلتها تونس" والمنشور على موقع رصيف22 في يوم 24 نوفمبر الماضي). وهكذا تستمر تونس في سلسلة إصلاحاتها لمجلة (أي قانون) الأحوال الشخصية، والذي يبدو أن مشرعيه يستلهمون إصلاحاته من الاقتراحات الجريئة، وعظيمة الحس الإنساني الواردة في تقرير "لجنة الحريات والمساواة" التي أطلقها الرئيس الباجي السبسي للبدء بسلسلة من التحصينات الإنسانية للشعب التونسي وللدفع بتونس إلى أعلى هرم المدنية والعدالة الاجتماعية.

اقرأ أيضا للكاتبة: طوق

بعد تصديق مجلس الوزراء التونسي على هذا القانون يتبقى تصويت مجلس النواب عليه ليتم تمرير القانون وليدخل حيز التنفيذ، وتلك ستكون خطوة عصية، الا إنها قادمة بلا شك، الآن أو بعد حين. اليوم لم تعد النساء مَعيلات، لم يعدن رعية، بل هن راعيات مُعيلات عاملات، يشاركن في مدخول الأسرة وتغطية مصروفاتها. اليوم لم يعد مطبقا التزام الرجال بإعالة نساء العائلة، فهذا زمن "يالله نفسي" الذي أصبح فيه الفرد كيانا منفصلا تحت الأنظمة المدنية لمعظم دول العالم، كما لم يعد مقبولا إلزام الرجل بهذه المسؤولية المالية لما يبنى عليها من حقوق ذكورية تمييزية عديدة ليس أقلها القوامة والطاعة وغيرها. لا يخدعنكم، سيداتي النساء، القائلون أن مسؤولية الرجل المالية هي إشارة تدليل وتغنيج للمرأة، إنما تأتي مع المسؤوليات المالية على الرجل حقوق عظيمة له تضع المرأة مباشرة في الصف الثاني من الهرم الإنساني. ولا ننس، المسؤول عن التكلفة الإقتصادية هو دوما صاحب القرار النهائي. هذا هو قانون الحياة والذي تود أن تفرضه القراءات والتفسيرات الدينية القديمة على الموازنة الإنسانية الجندرية. علينا اليوم كنساء أن نتخلى عن ظاهر الراحة ومزيف الدلال، علينا أن نتحمل المسؤوليات الكاملات وأن نكون على قدر الحقوق التي نطالب بها. مطلبنا لا يجب أن يكون راحتنا، المطلب هو مساواتنا الإنسانية (مع التحفظ على

مطلبنا نحن النساء لا يجب أن يكون راحتنا، المطلب هو مساواتنا الإنسانية وحفظ كراماتنا وحقوقنا المواطنية والمدنية، حتى لو كان ثمن هذه المساواة هو المعاناة

​​لفظة مساواة التي تصنع من الرجل مقياسا للحقوق) وحفظ كراماتنا وحقوقنا المواطنية والمدنية، ونعم حتى لو كان ثمن هذه المساواة هو المعاناة، فالعدالة، كما تقول سيمون دي بوفوار، لا السعادة، هي الهدف النهائي، وهذا موضوع لمقال آخر.

تونس التي لا تلبث أن تزداد اخضرارا، تونس الربيع العربي الحقيقي الأوحد في المنطقة، شكرا لك أن فتحت باب العاصفة ونبشت عش الدبابير. لربما تضعنا العاصفة أمام صورة أوضح، لربما تزودنا لسعات الدبابير بالأمصال المطلوبة لأجسادنا وعقولنا لكي نحدث التغيير قبل أن نتسمم جميعا بانتهاء صلاحية أفكارنا ومقاييسنا ومفاهيمنا الاجتماعية. لربما تصنع تونس المعجزة، فتتروض الدبابير، وتهدأ العاصفة، لنخطو كلنا إلى القرن الواحد والعشرين.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

FILE PHOTO: Military vehicles of the Libyan internationally recognised government forces head out to the front line from…

في بيان قوي وغير اعتيادي، اتّهمت وزارة الدفاع الأميركية موسكو يوم الثلاثاء بإرسال مقاتلات إلى ليبيا لتعزيز المرتزقة المرتبطين بالكرملين بهدف دعم قائد "الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر في شرق البلاد. وتمثّل هذه الخطوة تصعيدا كبيرا في دور روسيا في الصراع الليبي، وتثير تساؤلات عمّا تأمل روسيا تحقيقه من خلال نشاطها المتزايد في ليبيا.

في الأشهر السابقة، أدى تدخل تركيا في ليبيا إلى تحويل مسار الحرب لصالح "حكومة الوفاق الوطني" في طرابلس والمعترف بها من قبل الأمم المتحدة. ومن الجدير بالذكر أن التدخل التركي المباشر لصالح حكومة الوفاق يترتب عليه تغيير في الدور الذي تلعبه القوى الداعمة للطرف الآخر في هذا البلد الذي مزّقته الحرب. 

وبسبب الانتكاسات العسكرية التي عانى منها حليف الإمارات خليفة حفتر في الفترة الماضية، تستعد روسيا لاغتنام الفرصة ولعب دور أكبر في شرق ليبيا. وقد تمثّلت الاستراتيجية الدبلوماسية لموسكو في ليبيا على مدى السنوات القليلة الماضية بالانخراط مع جميع أطراف الصراع الليبي، لكن مع المحافظة على الانخراط العسكري فقط إلى جانب حفتر كقائد لـ "الجيش الوطني الليبي".

ومع ذلك، فقد أصدر حفتر نفسه سلسلة من التصريحات الجريئة ردا على الضغوط التركية، التي ربما تجعل موسكو تعيد حساباتها، منها إعلانه بتاريخ 27 أبريل، أن الاتفاق السياسي الليبي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة ـ والموقَّع في ديسمبر 2015 ـ أصبح لاغيا. كما أعلن عن نيته السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي. وقد تم تفسير ذلك على أنه محاولة انقلاب ضد حلفائه في شرق ليبيا الذين دعموه منذ إطلاق عمليته العسكرية، التي سُمِّيت "عملية الكرامة"، في مايو 2014.

يشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته

من أجل فهم إعلان حفتر الأخير، من المفيد فهم الدوافع التي تحرّكه. فمن المرجّح أن حفتر يتصرف الآن بدافع الضعف والخوف، إذ أدى تدخل تركيا المباشر هذا العام ضد قواته وخطوط الإمداد في غرب ليبيا إلى إضعاف التفوق العسكري المطلَق الذي كان يتمتع به. وبالتالي، يواجه حفتر تداعيات هزيمة عسكرية محتملة في طرابلس، بما في ذلك التأثير الذي يمكن أن تخلّفه تلك الهزيمة على قاعدته الشعبية في شرق ليبيا.

هذا ويشعر حفتر بالقلق من إمكانية دخول حلفائه الشرقيين ـ أي مجلس النواب المعترف به دوليا في شرق ليبيا ورئيسه عقيلة صالح ـ في مفاوضات سياسية وحوار مع طرابلس تحت رعاية الأمم المتحدة بدون موافقته، من أجل إبرام اتفاق سياسي جديد. يمكن لمثل هذه الخطوة أن تهمّش حفتر وتضع حدا لخططه للسيطرة على طرابلس عسكريا.

في الواقع، جاء إعلان حفتر بعد أيام قليلة من تقديم صالح مبادرة سياسية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق سياسي يدعو لإنهاء القتال في طرابلس. غير أن هذا الإعلان لم يرضِ حفتر، ودفعه إلى اتخاذ خطوته الأخيرة محاولا إنقاذ مشروعه الطموح لحكم ليبيا من الانهيار.

الآن، يواجه حفتر تحدي تأرجح الموقف الدولي من الحرب في طرابلس. لقد شن حفتر هجومه على طرابلس ـ والذي كان من المفترض أن يستمر لبضعة أسابيع فقط ـ قبل أكثر من عام. إلا أن التدخل التركي المباشر مؤخرا لمؤازرة "حكومة الوفاق الوطني" المدعومة من الأمم المتحدة قد قلب ميزان القوى في طرابلس ضد حفتر، ما جعل الاستيلاء على طرابلس أكثر فأكثر أمرا عديم الجدوى في نظر أغلب مؤيدي حفتر الخارجيين. وقد برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كاستثناء على ذلك، وهي الآن منخرطة في حرب مفتوحة ضد تركيا وحلفائها الإسلاميين في المنطقة والذين يتمتعون بنفوذ مهم داخل حكومة طرابلس.

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا أو تفوقها من الناحية العسكرية. وإذا لم تتمكن أبوظبي من تقديم الدعم الكافي لإعادة ميزان القوى لصالح حفتر، فمن المحتمل أن يحاول حفتر البحث عن الدعم في مكان آخر.

ولهذا يأتي تدخل روسيا المتزايد في ليبيا في وقت مفصلي في الصراع. قد تكون روسيا مرشّحة للعب دور أكثر نشاطا في الملف الليبي باعتبار أن العلاقة بين حفتر وموسكو قائمة أصلا. 

من ناحية أخرى، قد ترى موسكو أنه من مصلحتها الاستفادة من حالة الضعف والتراجع لدى حفتر بسبب التدخل التركي حتى تتمكن من إملاء بعض من شروطها عليه. 

في الواقع، قد تفرض روسيا صالح كشريك سياسي لموسكو في المرحلة القادمة من انخراطها في شرق ليبيا. لن تكون هذه المرة الأولى التي تحقق فيها روسيا تدخلا ناجحا، إذ ساعد انخراطها في سوريا في إنقاذ نظام الأسد من الانهيار الكامل عام 2015، ما يشير إلى أن تدخلا مستقبليا قد يكون بنفس الفعالية.

قد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية

لا تزال موسكو تنظر إلى حفتر و"الجيش الوطني الليبي" باعتبارهما الشريك العسكري الوحيد في ليبيا اليوم، ولن يكون أمامها تقريبا أي مجال سوى الاستمرار في تزويد "الجيش الوطني الليبي" بالدعم العسكري الكافي من خلال المرتزقة المرتبطين بالكرملين، ومن خلال تعزيز العلاقة بين دمشق وبنغازي. من شأن هذا الدعم أن يضمن عدم تحقيق تركيا و"حكومة الوفاق الوطني" انتصارا حاسما ضد "الجيش الوطني الليبي" في غرب ليبيا وجنوبها، والذي بدوره قد يضع نهاية لطموحات روسيا في ليبيا.

ومع ذلك، يبدو أن الروس يفهمون قيمة الاعتراف الدولي الذي يتمتع به صالح كرئيس لمجلس النواب في الشرق. تجدر الإشارة إلى أنّ مجلس النواب منتخب ديمقراطيا وهو أيضا أحد الأجسام المنبثقة عن "الاتفاق السياسي الليبي"، وهو السلطة التشريعية وفقا لذلك الاتفاق. 

وعلى هذا النحو، فإن موسكو قد بدأت بشكل متزايد في التأكيد على أهمية الدور الذي يلعبه صالح، وذلك على الرغم من إعلان حفتر الأخير السيطرة على الحكم من خلال التفويض الشعبي.

حتى الآن، اتخذت روسيا خطوات جادة في هذا الاتجاه. وتساعد موسكو في تنسيق عودة الشخصيات الرئيسية في نظام القذافي إلى شرق ليبيا. حيث انضم العديد من أنصار النظام السابق لصفوف "الجيش الوطني الليبي" وهم بمثابة حلقة وصل مهمة بالنسبة لروسيا، إذ لطالما شكّكت موسكو في ماضي حفتر وعلاقاته بـ "وكالة الاستخبارات المركزية".

وزعم صالح أيضا في 29 أبريل أن روسيا شجّعت قراره بالسعي إلى التفاوض مع طرابلس والخروج بمبادرته السياسية. وخلال تجمّع قبلي في مسقط رأسه في القبة، شرق ليبيا، قرأ صالح مقتطفات من رسائل ادعى أنه تلقاها من مسؤولين روس يحثّونه وينصحونه بالإعلان عن مبادرة سياسية جديدة من شأنها أن تساعد في إنهاء "حكومة الوفاق الوطني" المتمركزة في طرابلس. 

وفي المقابل، لعبت أبوظبي دورا مباشرا في دعم إعلان حفتر بإلغاء "الاتفاق السياسي الليبي"، وإعلان سيطرته على الحكم في شرق ليبيا.

في 19 مايو، شدّد المندوب الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة على أهمية مبادرة صالح لوقف إطلاق النار، حيث اقترحت المبادرة إنشاء مجلس رئاسي جديد يتألف من ثلاثة أعضاء ليحل محل المجلس الحالي في طرابلس، وتشكيل حكومة وفاق جديدة، حيث يمثّل المجلس الجديد المناطق التاريخية الثلاث في ليبيا، ويشرف على صياغة دستور جديد وانتخابات جديدة. وفي 26 مايو، تحدث وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، مطولا مع صالح لتبادل وجهات النظر حول التطورات العسكرية والسياسية في ليبيا، حيث أعرب الأول عن دعمه لمبادرة صالح السياسية.

وفي هذا السياق، يبدو أن موسكو تحاول الاستفادة من الاعتراف الدولي الذي يحظى به صالح واستخدامه كمبرر لانخراطها السياسي والعسكري المتزايدة في شرق ليبيا. وهذه هي المقاربة ذاتها التي تتبعها أنقرة مع "حكومة الوفاق الوطني" المعترف بها دوليا والمتمركزة في طرابلس. 

وقد تسعى روسيا حتى إلى توقيع اتفاق مع مجلس النواب المتمركز في الشرق مماثل لذلك الذي وقّعته تركيا مع "حكومة الوفاق الوطني" والذي قد تستخدمه روسيا كغطاء قانوني لتدخلها على الأرض في الفترة القادمة.

ولكن إذا اختارت موسكو أن تتبع هذا المسار، فسيتعين عليها أولا أن تضمن اعتماد كل من حفتر وصالح على دعمها العسكري والسياسي للصمود والبقاء في ظل التغول التركي، والتأكيد على أن الدور الروسي لا يمكن مطابقته من قبل أي من القوى الإقليمية الأخرى الداعمة للرجلين. 

على الرغم من أن أبوظبي لن تتراجع على الأرجح، ليس واضحا ما إذا كانت قادرة أن تستمر في هذا المسار من دون الحصول على دعم قوة عسكرية متطورة يمكن أن تضاهي قوة تركيا

ومن الجدير بالذكر هنا أن روسيا لا تحب المنافسة القوية خاصة إذا ما تعلق الأمر بنفوذها السياسي في مناطق سيطرتها. فحتى الآن، سمح الدعم الأجنبي المتنوع الذي يحظى به حفتر في تمكينه من التلاعب بمؤيديه الخارجيين بقدر كبير من الفعالية، حتى أنه أحرج الدبلوماسية الروسية والرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق من هذا العام عندما انسحب من دون التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة كل من الرئيس بوتين وإردوغان. وقد اتُّهِمت الإمارات بعرقلة توقيع هذا الاتفاق.

بالإضافة للديناميكيات المعقّدة للصراع الليبي، هناك أيضا ديناميكية غريبة بين تركيا وروسيا والتي من المرجح أن تلعب دورا محوريا في علاقة الدولتين في ما يخص الملف الليبي. إذ أن روسيا وتركيا منخرطتان في تنافس وصراع إقليمي متعدد الأوجه والمستويات، ربما أبرزها في سوريا. ورغم ذلك، فقد أظهرت موسكو وأنقرة أيضا قدرة ومهارة عالية في إدارة خصومتهما الراهنة في ظل خلفية شراكتهما الاستراتيجية طويلة الأجل.

ومن شأن أي جهود جديدة لوقف إطلاق النار في ليبيا أن تقدم فرصة أخرى لإردوغان وبوتين للعمل معا وتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في المنطقة. وفي الواقع، حاول الزعيمان الاستيلاء على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال الإعلان عن مبادرة لوقف إطلاق النار أثناء مؤتمرهما الصحفي المشترك في اسطنبول في يناير 2020، بعد افتتاح خط أنابيب جديد لنقل الغاز إلى أوروبا.

وفيما تسعى موسكو إلى تعزيز علاقاتها مع الكتلة الشرقية في ليبيا، وتبني أنقرة وجودها العسكري ونفوذها في طرابلس، فقد يحاول كل من إردوغان وبوتين الاستيلاء من جديد على الدبلوماسية الدولية المعنيّة بليبيا من خلال عملية شبيهة بعملية أستانا، وتطغى بذلك المصالح التركية والروسية على المصالح الليبية. 

وإذا لم يحدث تحوّل كبير في واقع الصراع الليبي، فإن هذين البلدين سيحددان مستقبل ليبيا. حتى الآن، وبينما تستمر الولايات المتحدة في إظهار قلّة اهتمام أو انخراط جاد في الملف الليبي، وما زالت أوروبا منقسمة من دون سياسة مشتركة وواضحة بشأن ليبيا، فمن المرجح أن تستمر كل من تركيا وروسيا في الاضطلاع بدور محوري في الأزمة الليبية، لا سيّما إذا استمرت روسيا في زيادة نفوذها العسكري والسياسي بنفس الوتيرة القائمة الآن.

المصدر: منتدى فكرة