جورج بوش الأب مع جنود كويتيين عقب مناورات عسكرية أميركية-كويتية في الصحراء في 25 فبراير 2001 بعد عقد على تحرير الكويت
جورج بوش الأب مع جنود كويتيين عقب مناورات عسكرية أميركية-كويتية في الصحراء في 25 فبراير 2001 بعد عقد على تحرير الكويت

بقلم حسين عبد الحسين/

مات رئيس الولايات المتحدة الحادي والاربعون، جورج بوش (الأب)، عن أربعة وتسعين عاما، كانت حافلة بخدمته الطويلة للوطن. كان أول من سارع إلى نعيه الرئيس السابق باراك أوباما، اذ على الرغم من انتماء كل منهما لحزب يعارض الآخر، بوش للجمهوري وأوباما للديموقراطي، إلا أن أميركا ما زالت تنحني أمام الموت، فلا يهجي الخصم خصمه، ولا يسعى إلى تلطيخ صورته ومحو تاريخه، بل يغدق على ذكراه المديح والكلمات الطيبة.

ورثاء أوباما لبوش الأب لم يكن نفاقا سياسيا، بل أن الرئيس السابق حاول أن يفي سلفه الراحل بعض حقه، فبوش الأب، على الرغم من فشله في الفوز بولاية ثانية، تمتع باحترام واسع بين الأميركيين من الحزبين، منذ عمله طيارا حربيا للقضاء على النازية، إلى توليه مناصب تراوحت بين موفد بلاده إلى الأمم المتحدة والصين، ومدير ”وكالة الاستخبارات المركزية“ (سي آي اي)، ونائب الرئيس الراحل رونالد ريغان، حتى انتخابه رئيسا للبلاد.

لم تكن الكويت لتعود لأصحابها على أيدي أصحاب القضية وشعارات العروبة، ولم يكن تحريرها ممكنا لولا بوش الأب

أما أبرز إنجازات بوش الأب، عربيا، فتجلّت في قيادته التحالف الدولي الذي حرر الكويت من احتلال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين لها. تلك الحرب لم تكن تسمح، أخلاقيا، بالاختيار بين الغازي صدام وضحاياه الكويتيين. مع ذلك، اختار بعض العرب الوقوف مع صدام، الغازي المحتل، وقدموا أسبابا واهية، كررها البعض بعد شيوع خبر وفاة بوش الأب.

في العام 1990، وصف العرب أصحاب ”الخطاب الخشبي“ الكويتيين بأنهم ”يهود الخليج“ (وكأن كلمة يهودي شتيمة)، واتهموا الكويتيين بأنهم بخلاء لم ينفقوا على قضايا العرب، وخصوصا فلسطين، مع ان ”حركة تحرير فلسطين“ (فتح) نفسها أبصرت النور في الكويت، برعاية الكويتيين وتمويلهم، يوم كان محمد القدوة، ياسر عرفات لاحقا، واحدا من عشرات آلاف الفلسطينيين المقيمين في الكويت والمتنعمين بوظائفها.

اقرأ للكاتب أيضا: المؤامرة الأميركية الكبرى!

ومن الأسباب التي ساقها العروبيون أصحاب ”القضية“ لتبرير اجتياح صدام للكويت كان اعتبار أن الكويت ”صنيعة الاستعمار“، وكأن فلسطين — كما العراق وسورية والأردن ولبنان — لم يرسمها السيدان سايكس وبيكو.

لو أن الإدارات الأميركية اللاحقة التزمت أسلوب بوش الأب، لناحية تحريك المجتمع الدولي إنسانيا، ثم التزامها بحدود القرارات الدولية، لكان العالم اليوم في وضع أفضل بكثير

كان اجتياح صدام حسين الكويت أكثر الاجتياحات بربرية في التاريخ المعاصر. نهب العراقيون البنوك الكويتية واقبيتها، وأفرغوها من احتياطات النقد والذهب. كما نهب جيش صدام المحال الكويتية الفاخرة، وصار سعر ساعة الرولكس فلوسا قليلة في الأسواق العراقية. وخطف العراقيون عددا من الكويتيين، وهؤلاء مايزال مصيرهم مجهولا حتى اليوم. وقبيل هزيمته وانسحابه، أضرم صدام النار في آبار النفط الكويتية، في واحدة من أكبر الكوارث البيئية المعاصرة.

أثناء كل بربرية صدام هذه، وقف عرفات إلى جانب رئيس العراق الراحل، في بغداد، يستعرضان الجيوش العراقية، وهلل عرب كثيرون في الشوارع وهم يهتفون ”يا صدام وياحبيب، دمّر دمّر تل ابيب“، يوم تساقطت بعض صواريخ السكود العراقية على رؤوس الإسرائيليين.

لم تكن الكويت لتعود لأصحابها على أيدي أصحاب القضية وشعارات العروبة، ولم يكن تحريرها ممكنا لولا بوش الأب، الذي قاد حربا يمكن تدريسها في كتب الديبلوماسية والعلاقات الخارجية، إذ على الرغم من القوة الجبارة التي كانت أميركا تنفرد بها وقتذاك، حرص بوش الأب على بناء تحالف دولي، وحرص على الالتزام بتفويض الأمم المتحدة، فأنهى العمل العسكري فور التحرير، ومن دون اجتياح العراق للاقتصاص من الأرعن صدام.

ولو أن الإدارات الأميركية اللاحقة التزمت أسلوب بوش الأب، لناحية تحريك المجتمع الدولي إنسانيا، ثم التزامها بحدود القرارات الدولية، لكان العالم اليوم في وضع أفضل بكثير. عوضا عن ذلك، غرقت أميركا لاحقا في حرب أحادية في العراق، وتجاهلت كارثة سورية الإنسانية التي ارتكبها الرئيس بشار الأسد.

لو لم يحرر بوش الأب الكويت، لكانت اليوم لا تزال المحافظة العراقية التاسعة عشرة، ولكانت على شكل العراق، غارقة في فساد، بلا كهرباء، ولا مال، ولا وظائف، ولا أمل. أما الكويت اليوم، فتعيش في بحبوحة، ورخاء، ونظام، وبرلمان منتخب، وصحافة حرة.

اقرأ للكاتب أيضا: من أحرق الشرق الأوسط؟

لم ينس الكويتيون يوما فضل بوش الأب عليهم. في أكتوبر العام الماضي، زار وفد كويتي بزعامة رئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم الرئيس الراحل جورج بوش الأب، ونقل إليه أنه، بعد كل السنوات، لا يزال الكويتيون يحفظون جميله.

أما بعض جيران الكويت من العراقيين، ممن وصلوا الحكم في بغداد على ظهور الدبابات الأميركية، فاستداروا على أميركا في العراق، وراحوا يصرخون ضد أي تدخل أميركي ينقذ جيرانهم السوريين من دموية بعث الأسد، على غرار إنقاذ أميركا لهم من دموية بعث صدام.

في بعض العقل العربي، يرتبط اسم بوش الأب بحرب إمبريالية مزعومة على العراق، لكن الواقع أن اسم الراحل بوش يرتبط ببقاء الكويت اليوم واحة رخاء، بدلا من غرقها في بؤرة البؤس العراقي، وهو إنجاز، وحده، كفيل باسكات ”الخطاب الخشبي“ وأصحابه.

-----------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.