محمود عباس يرأس اجتماعا لمنظمة التحرير الفلسطينية
محمود عباس يرأس اجتماعا لمنظمة التحرير الفلسطينية

بقلم داود كتّاب/

يحتفل العالم في 29 من شهر تشرين الثاني/نوفمبر من كل عام باليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني في لفتة دولية أقرتها الجمعية العامة في 2 كانون الأول/ ديسمبر 1977.

وفي مجال التضامن العالمي مع فلسطين، لا بد من الإشارة أولا إلى حقيقة تجاوز إسرائيل عند قيام دولتها بالحدود المخصصة لدولتها في قرارات التقسيم، والأهم قيامها في حزيران/يونيو 1967 باحتلال الجزء المخصص للدولة الفلسطينية وضم القدس الشرقية والتي تم توسيعها من طرف واحد والبناء غير القانوني للمستوطنات في كافة المناطق المحتلة في إجراء مخالف للقانون الدولي. وقد اعتبر الخبراء في القانون الدولي أن عملية الاستيطان المستمرة والمخالفة لاتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بكيفية التعامل مع احتلال طويل الأمد.

إضافة إلى ذلك ونتيجة لحربي 1948 و1967 اللتين تسببتا بتشريد مئات الآلاف من الفلسطينيين آنذاك فإن رفض إسرائيل الاعتراف بمسؤوليتها القانونية والأخلاقية عن اللجوء الفلسطيني يسبب مأساة مستمرة للفلسطينيين المشردين.

يجب أن لا تكون عملية التضامن مع الشعب الفلسطيني مناسبة للخطابات الرنانة وقراءة القصائد المؤثرة أو عرض أفلام ونشاطات فولكلورية، فالتضامن الحقيقي هو العمل على خلق خارطة طريق ناجعة تصل إلى تحقيق حل نهائي يوفر للشعب الفلسطيني فرصة للعيش الكريم في أرضة وبسيادته والاستفادة مما هو تحت الأرض وفي أجوائها ومياهها.

اقرأ للكاتب أيضا: الفلسطينيون والسعودية والمادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

طبعا لا بد من التعامل مع الواقع مهما كان أليما، ليس من منطلق الاستلام له بل من منطلق إطلاق قطار الاستقلال بصورة حقيقية.

يقول البعض إن موضوع قضية فلسطين قد انتهى وإن العالم، بما فيه العالم العربي والإسلامي، قد نسي فلسطين. ويؤشر هؤلاء إلى زيارات كبار المسؤولين الإسرائيليين إلى بعض دول الخليج كإثبات على هذا التراجع. كما يؤكد آخرون على عدم إمكانية التضامن مع الشعب الفلسطيني وهو شعب ممزق ومنقسم بين الضفة الغربية وقطاع غزة وبين حركتي "حماس" وفتح.

ورغم صحة هذه التعليقات إلا أنها لا تبرئ العالم من ضرورة العمل على إيجاد حل للقضية الفلسطينية التي، كما تشير المناسبة المرتبطة به ـ أي قرار الأمم المتحدة ـ ترتبط بالدور الأممي الذي شكل الأساس الرئيسي في خلق القضية الفلسطينية.

إن ما هو ضروري من العالم بأسره هو قول كلمة حق ومتابعة تلك الكلمة بتنفيذ أمين وضغوطات حقيقية لإجبار إسرائيل على إنهاء الاحتلال والاحتكام إلى الشرعية الدولية.

ولكن ومع ضرورة التضامن العالمي مع القضية التي خلقها المجتمع الدولي، إلا أن الشعب الفلسطيني مطالب بالعمل على تحقيق الوحدة الوطنية وتطبيق مقررات المجالس الوطنية الفلسطينية بغض النظر إن كانت تلك القرارات تعتبر انتحارا سياسيا وأمنيا للرئيس محمود عباس أم لا. فاحترام الشعب يتطلب تنفيذ مطالبه أو الاستقالة والخروج من اللعبة السياسية.

لقد ضحى الشعب الفلسطيني بالكثير، لذلك فهو يستحق الاحترام مما يعني أن ضرورة تغيير الوجوه قد تكون أهم من تغيير السياسات. فالجميع يعرف ما هو المطلوب فلسطينيا ولكن المواقف المتحجرة وعدم الاستعداد لقبول الأمر الواقع السياسي يعني التصلب غير المنطقي.

طبعا هذا في ما يتعلق بالشأن الداخلي، أما ما يتعلق بالشأن الخارجي، فلا شك أن الموقف الفلسطيني كان مناسبا للحدث الكبير في نقل السفارة الأميركية ووقف دعم الأونروا، إلا أن هذا الموقف الشجاع بحاجة إلى حوار داخلي وعميق للخروج بخطة مواجهة يشارك فيها الجميع ولا تتحمل القيادة الفلسطينية وحدها ضريبة التصدي لترامب وتحمل موقفها الصلب منه.

اقرأ للكاتب أيضا: الإدارة المشتركة لغزة.. ضرورية

رغم مرور عقود طويلة إلا أن أساس التضامن مع الشعب الفلسطيني اليوم هو العمل المتوازي من الخارج في دعم المطالب الفلسطينية العادلة ومن الداخل إعادة اللحمة الوطنية بأي ثمن من أجل الخروج بخطة تحرير متفق عليها ومن الممكن أن يلتقي حولها الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني.

إن اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني هو يوم تذكير العالم بضرورة توفير الحماية للشعب الفلسطيني ووضع خطة محكمة للاستقلال والحرية، ولكن في المقابل فإن القيادة الفلسطينية وطنية كانت أم إسلامية مطالبة أيضا بتحمل مسؤولياتها بحماية حقوق أبنائها وبناتها من الشعب الفلسطيني وتوفير لقمة العيش والكرامة في الحياة لغاية تحقيق الاستقلال، وإعادة تقييم تجربتها وما شابها من أخطاء والعمل على تجاوزها.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!