متظاهرة من أصحاب "السترات الصفراء"، وقد كتب على ظهرها: "ماكرون خائن، الناس جائعون"
متظاهرة من أصحاب "السترات الصفراء"، وقد كتب على ظهرها: "ماكرون خائن، الناس جائعون"

بقلم نضال منصور/

المشهد الأول من باريس؛ وهنا لا أتحدث عن برج إيفل بإضاءته المبهرة، ولا شارع الشانزليزيه بمقاهيه، ولا قوس النصر الذي يروي حكاية الثورة، بل سأتحدث عن مصادمات لم تعهدها فرنسا منذ سنوات، وعن جماهير غاضبة ترتدي سترات صفراء ولا تخشى رجال الشرطة، ولا تتورع عن إحراق السيارات وتحطيمها وإشعالها.

هنا لا أتحدث عن مقاهي باريس التي يرتادها العشاق فلا يتوقفون عن البوح وهم يحتسون النبيذ، وإنما عن مدينة تشتعل وتتمرد على السلطة، ولا تتذكر للحظة واحدة رئيسها الشاب الذي وضعته على رأس الهرم وهو الآتي من خارج نادي الأحزاب الرئيسية في البلاد.

لا يأبه أصحاب "السترات الصفراء" للرئيس ماكرون ولا ينصاعون لتهديداته، ولا يتسابقون لقبول تنازلاته حفاظا على "وحدة الأمة الفرنسية"؛ يصرون على حقوقهم، ويرفضون دفع الضريبة التي أقرت على الوقود أو الزيادة على أسعار الغاز والكهرباء.

أصحاب "السترات الصفراء" لا يُتهمون بالخيانة ... ومعتصمو الرابع بعمان يُسألون من يقف وراءهم!

​​هم مزيج من المتقاعدين والحرفيين والطلبة والسائقين وعامة الناس. هم أكثر من 300 ألف غاضب يمثلون فرنسا، ويريدون أن يفرضوا مطالبهم وينتزعوها "بالقوة"، ويستذكروا ثورتهم التي بالتأكيد لم يعشها جل المتظاهرين بالشوارع.

سبت أسود؛ التسمية التي أطلقتها الحكومة الفرنسية على يوم التظاهرات العارمة. يهرول ماكرون بعد عودته من الأرجنتين لتفقد "قوس النصر"، ويخاطب الفرنسيين بالقول بأنه يتفهم غضبهم، ورئيس وزرائه يجاهر بالقول "سنكون مصابين بالصمم إذا لم نستمع لغضب الشعب".

اقرأ للكاتب أيضا: 'كرت أحمر' بوجه حكومة الرزاز؟

لا يغلق هذا المشهد في فرنسا، رغم مظاهر العنف، بـ"تخوين الناس" أو إنكار حقهم في الاحتجاج ورفض السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بل بالانحناء لمطالب الناس الغاضبة والتي تشعر أن دخلها لم يعد يفي متطلبات الحياة الكريمة.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

المشهد الثاني من عمان؛ المدينة التي لم تهدأ وتقف دائما على الحافة، فالأزمات السياسية والاقتصادية تلاحقها، والأصدقاء قبل الخصوم يديرون ظهرهم لها. وإن كانت الأزمة الاقتصادية ومشروع قانون ضريبة الدخل قد أطاحت بحكومة هاني الملقي منذ أشهر قليلة بعد احتجاجات شعبية، فإن حكومة الرئيس عمر الرزاز لم تهنأ حتى الآن على كرسي الحكم وتلاحقها الأزمات، ولا تكاد تطفئ حريقا حتى يشتعل آخر.

أنجزت حكومة الرزاز قانون ضريبة الدخل بعد تحسينات ساهم بها مجلس النواب، وبكل الأحوال لم تحظ الصيغة النهائية للقانون الذي مر بكل مراحله الدستورية ونُشر بالجريدة الرسمية، وأصبح نافذا برضى شعبي، وكان السبب للدعوة لاعتصامات جديدة تحت مسمى "جمعة معناش" في إشارة صريحة إلى أن الأردنيين لم يعد بإمكانهم سداد الضرائب وكلف الحياة.

بالتأكيد، لم يتمكن المعتصمون من الوصول إلى دار رئاسة الوزراء على الدوار الرابع، ومنعهم الأمن من التقدم وحاصرهم في ساحة واسعة مخصصة لاصطفاف السيارات، ولكن الأدهى وما تسبب في حالة تندر أن المعتصمين وجدوا أن أرصفة الساحة والحواجز الإسمنتية التي تحيطها ملطخة بالإسفلت السائل أي ما يطلق عليه شعبياً "الزفتة" وهو ما دفع الناشطين لتغريدات ساخرة، أبرزها إن كان الرئيس يعرف من فعل ذلك، وتساؤلات عن "الكاميرات" الموجودة في المنطقة والتي من المفروض أن تستخدمها الحكومة للكشف عن مرتكبي هذه الأفعال، وانتهى الأمر بإرسال "الأمانة" لعشرات من عمال التنظيف لطلاء "الزفتة".

لم يحظ اعتصام الرابع الاحتجاجي هذه المرة باهتمام الإعلام، وبدى أن هناك تعليمات لتجاهله، واشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي بأسئلة عمن يقف خلفه، ومن هي الجهات أو الأشخاص الذين يتبنون صفحات وسائل التواصل الاجتماعي تحت اسم "فرقة الأحرار" أو "معناش".

لم يظهر كثير من الوجوه الشبابية التي تصدرت المشهد إبان الاحتجاجات ضد حكومة الملقي. وتدور نقاشات في أوساط العديد من الناشطين الحقوقيين بأن هذه الاحتجاجات هدفها إضعاف الرئيس الرزاز، وهم ما زالوا يتعاطفون معه، ويعتقدون أنه يستحق أن يُمنح وقتا وفرصا أكثر لتصويب ومعالجة الاختلالات واستعادة الولاية العامة التي يدركون أنه لا يملكها كلها حتى الآن.

ينبئ الاعتصام ضد حكومة الرزاز، رغم اختلاف التقديرات لأعداد المشاركين فيه وتسريب معلومات بأنهم لم يتعدوا المئات، بتآكل في الرصيد الشعبي للحكومة. تتعدى الشعارات المرفوعة تتعدى قانون ضريبة الدخل الذي أقر وأصبح واقع حال، إلى رفض القانون المعدل للجرائم الإلكترونية الذي يحظى باهتمام ورفض شعبي واسع، والإفراج عن معتقلي الرأي، والمطالبة بالعفو العام، وهذا يؤكد أن حركة الاحتجاج ضد الحكومة بدأت تتوسع في مطالبها، ولا يعرف مآلات هذه التحركات وتأثيرها.

راقب الأردنيون المشهد ما بين باريس وعمان باهتمام؛ فالاحتجاجات في العاصمتين سببهما واحد تقريبا، ولكن التعامل مختلف جدا، ولهذا علق أحد النشطاء الأردنيين على تويتر قائلا "سجل يا تاريخ... لم يقم الشعب الفرنسي بتسجيل أغنية موطني، ولم يبحث عن دراما في المشهد، ولم يهتف سلمية، ولم يلوح بالعلم الفرنسي أمام الشرطة حتى يقنعه بأنه "ابن البلد" وبأنه لا يحمل أجندة خارجية، ولم يقل الوطن أغلى ما نملك، لأنه يعلم أنه هو الوطن فلا داعي لأن يبرر خروجه من أجل نفسه.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

في المشهد الثالث من عمان يلتقي الرئيس الرزاز بآخر حلفائه "مؤسسات المجتمع المدني" ليناقشهم في المشاكل التي تعترض عملهم، وفي رؤيته للمستقبل ومشروع النهضة الذي يقدمه ويدافع عنه.

يسعى الرزاز لحشد المجتمع المدني معه ... وقادته يشعرون أن "أوراق اللعبة" ليست كلها بيده

​​يجول الرزاز مع قادة المجتمع المدني في محطات كثيرة، ويعيد تصنيف اتجاهات القوى السياسية في المجتمع، ويتحدث عن حالة الاحتراب الفكري والسياسي التي يعيشها الأردن، وعن القوى الاقصائية التي تخشى التغيير، وتلك القوى الأيدولوجية التي لا يؤمن بعضها بالتعددية، وعن الشيطنة والتخوين، والذين فقدوا الأمل ويعيشون حالة التشاؤم مستدركا بأنه لا يلومهم، وعن القوى التي لم تفقد الأمل ومصرة على المضي وإكمال المسيرة.

يحاول الرزاز أن يحشد مناصرين حوله، وهو يعلم بصعوبة ومشقة هذه المهمة، ليس لأن الشارع لا يثق بشخصه وبنقاء سيرته ونظافة يده، وإنما لأنه بات يشعر أن "أوراق اللعبة" ليست كلها بيديه.

اقرأ للكاتب أيضا: هل مسرحية اختطاف قنديل تهديد للسلم الأهلي؟

كثيرة هي القصص والأمثلة الحية، والضغوط والمشكال التي عرضها ممثلو منظمات المجتمع المدني أمام رئيس الحكومة لأنهم يريدون من المسؤول الأول في الدولة أن ينتصر لهم، وأن يجد حلولا بعد أو وصلوا في كثير من الأحيان لأبواب مسدودة.

وضعوا الكرة في ملعبه ولا يتمنون للحظة أن يخسروا الرهان، لأنهم يرون في الرزاز حليفهم، وهم آخر حلفائهم.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

قلت للرئيس الرزاز خلال لقاء المجتمع المدني "دولة الرئيس أنا لست متشائما، ولست متفائلا، أنا متشائل كما قال الروائي العظيم إميل حبيبي".

باختصار، لا يعرف الجميع ماذا يخبئ لنا المشهد الرابع، رغم كثرة الأصوات التي تدعو الملك للتدخل لإنقاذ الوضع المستعصي. بعضهم يُذكر بأن المشكلة في الإرادة السياسية، وآخرون يريدون قانون انتخاب جديد لحل الأزمة وتجاوزها، ومن قريب وبعيد تعلو أصوات تطالب بحكومة إنقاذ وطنية.

المؤكد أن "المشهد الرابع" لم يُكتب نصه حتى الآن، وأبطاله لم يُعرفوا بعد!

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.