حفلة ذكر صوفية بمناسبة الذكرى الـ 744 لوفاة جلال الدين الرومي
حفلة ذكر صوفية بمناسبة الذكرى الـ 744 لوفاة جلال الدين الرومي

بقلم عمران سلمان/

يعتبر الحسين بن منصور الحلاج، واحدا من أشهر الصوفيين وأكثرهم إثارة للجدل عبر التاريخ. ولد في البيضاء في فارس عام 244 هـ/ 857م، ثم انتقلت أسرته إلى واسط في العراق، وقتل في بغداد عام 309 هـ/ 922م، على يد رجال الخليفة العباسي المقتدر، على نحو بشع حيث جلد وصلب وقطعت جثته وأحرقت وألقيت رفاته في نهر دجلة.

تضاربت الأسباب وراء قتله، ما بين سياسي وديني، لكن الراجح أنها تعود إلى آرائه التي كان يخرجها للناس، من دون أن يتمكنوا من فهمها وبالتالي اعتبروها "كفرا" و"زندقة" وكان أبرزها مقولته الشهيرة "أنا الحق".

ورغم انقسام المسلمين ما بين مؤيد ومعارض له، شكل الحلاج مصدر إلهام لأجيال من العرب والمسلمين على مر العصور. ولا تزال تجربته الروحانية وأفكاره الفريدة التي تجاوزت عصره، تتمتع بنفس القوة والجدة حتى اليوم.

ليس مع الله أحد

ثمة مسألتان رئيسيتان في فكر الحلاج، لا تخلو أي من أقواله أو أشعاره منهما؛ الأولى هي وحدة كل ما في الوجود، والثانية أن الطريقة الوحيدة لإدراك هذه الوحدة تتم عبر إفناء "الأنا" أو "الذات" الفردية في "الأنا" أو "الذات" الكلية، أو حسب مصطلح الحلاج "استهلاك ناسوتية الإنسان في لاهوتية الله".

شكلت رغبة الحلاج في الانعتاق من ربقة الجسد والسماح لروحه بالانطلاق مجددا، هاجسا دائما لديه، وكانت شديدة إلى درجة أنه لم يمانع في قتله

​​فالحلاج يرى أن ثمة "واحدا" فقط في الوجود ولا شيء سواه، وهو الله، وأن جميع الموجودات هي تعبيرات عن هذا "الواحد"، مثل أشعة الشمس رغم تعددها فإن مصدرها واحد. ورغم أن مصدر كل شعاع هو الشمس لكن هذه الأشعة لا تقوم مقام الشمس، وهي ليست مساوية لها، كما أنها ليست "مماسة أو ممازجة لها".

حواسنا، بما في ذلك العقل، تتعامل خطأ مع تلك الموجودات باعتبارها موجودات منفصلة وقائمة بذاتها، بينما يرى الحلاج أن ذلك مجرد وهم ناجم عن قصورنا في إدراك الحقيقة والتي يقسمها إلى ثلاثة مستويات: "ضوء المصباح علم الحقيقة، وحرارته حقيقة الحقيقة، والوصول إليه حق الحقيقة".

اقرأ للكاتب أيضا: فضيلة التعدد الثقافي وعقدة الخوف من الآخر

سأل أحدهم الحلاج: "كيف الطريق إلى الله تعالى؟ قال: الطريق بين اثنين وليس مع الله أحد".

وهو يقصد بذلك أن الله موجود في كل مكان، ولا يوجد طريق للوصول إليه، لأن الطريق يقتضي وجود اثنين وليس مع الله أحد. ولكن يمكن إدراك الله مع ذلك من خلال النظر إلى سائر المخلوقات، كما يقول "النقطة أصل كل خط، والخط كله نقط مجتمعة. فلا غنى للخط عن النقطة، ولا للنقطة عن الخط. وكل خط مستقيم أو منحرف فهو متحرك عن النقطة بعينها. وكل ما يقع عليه بصر أحد فهو نقطة بين نقطتين. وهذا دليل على تجلي الحق من كل ما يشاهد وترائيه عن كل ما يعاين. ومن هذا قلت: ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله فيه".

الرغبة في الخروج من الجسد

شكلت رغبته في الانعتاق من ربقة الجسد والسماح لروحه بالانطلاق مجددا، هاجسا دائما لدى الحلاج، وكانت شديدة إلى درجة أنه لم يمانع في قتله، بل كان يستفز الناس للإقدام على ذلك. فكان يصرح بآراء يعرف بأن ظاهرها يستفز العامة، رغم أن باطنها مختلف تماما.

ومن ذلك قوله "أنا الحق"، ففي الظاهر يفهم منها أنه يدعي الألوهية لنفسه، لكن الحقيقة أنها كانت محاولة منه لنفي نفسه وإثبات وجود الله. ففي اللغة العربية أو أية لغة أخرى، لا نستطيع أن نذكر الله من دون أن نقع في ثنائية "القائل" و"المخاطب".

فدائما هناك "أنا" و"هو"، بينما هناك "واحد" فقط.

الطريقة الوحيدة لتجاوز ذلك هي فناء الذات في الله، مثلما تعود القطرة إلى الماء. وبهذا المعنى كانت مقولة "أنا الحق" هي الطريقة الوحيدة للإشارة إلى الله من دون الوقوع في الثنائية أو "الشرك".

وتظهر معاناة الحلاج الشديدة مع الجسد في مناجاته المستمرة مع الله، بعد أن كشف له أمورا سترت عن أغلب الناس. وفي ذلك يقول:

أأنت أم أنا هذا في إلهين .. حاشاك حاشاك من إثبات اثنين

هوية لك في لائيتي أبدا .. كلي على الكل تلبيس بوجهين

فأين ذاتك عني حيث كنت أرى .. فقد تبين ذاتي حيث لا أين

وأين وجهك مقصود بناظرتي .. في باطن القلب أم في ناظر العين

بيني وبينك أنّيٌ يزاحمني .. فارفع بأنّيك أنّيي من البين

بنى الحلاج دعوته الروحانية على أسس إنسانية شاملة، من دون تعصب لدين أو جنس أو قومية بعينها

​​​

وبحسب معاصريه فقد كان متشوقا للحظة الخلاص التي طالما أرادها وتنبأ بها منذ فترة طويلة. وفي اليوم الذي قتل فيه ضحك كثيرا ودمعت عيناه، ومما قاله: "هؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصبا لدينك وتقربا إليك. فاغفر لهم، فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي لما فعلوا، ولو سترت عني ما سترت عنهم لما ابتليت بما ابتليت. فلك الحمد في ما تفعل ولك الحمد في ما تريد".

تصوف عصري

ثمة جانب آخر لدى الحلاج، جدير بالاهتمام وهو نظرته الكونية، مثله في ذلك مثل جلال الدين الرومي (604 ـ 672 هـ/ 1207 ـ 1273 م)، حيث بنى دعوته الروحانية على أسس إنسانية شاملة، من دون تعصب لدين أو جنس أو قومية بعينها.

اقرأ للكاتب أيضا: مشكلة الأديان أم مشكلة الإنسان؟

فقد سافر إلى مناطق ما وراء النهر، والهند والصين حيث تعرف على أساتذة اليوغا واطلع على علومها ومارسها عندما عاد إلى بغداد. وكان لافتا موقفه من وحدة الأديان وضرورة عدم التفرقة بينها. "يروى عن عبدالله بن طاهر الأزدي أنه قال: كنت أخاصم يهوديا في سوق بغداد وجرى على لفظي أن قلت له: يا كلب. فمر بي الحسين بن منصور، ونظر إليّ شزرا، وقال: لا تنبح كلبك، وذهب سريعا. فلما فرغت من المخاصمة، قصدته، فدخلت عليه، فأعرض عني بوجهه. فاعتذرت إليه فرضي، ثم قال: يا بني، الأديان كلها لله عز وجل، شغل بكل دين طائفة لا اختيارا فيهم بل اختيارا عليهم. فمن لام أحدا ببطلان ما هو عليه فقد حكم أنه اختار ذلك لنفسه (...) واعلم أن اليهودية والنصرانية والإسلام وغير ذلك من الأديان هي ألقاب مختلفة وأسام متغايرة، والمقصود منها لا يتغير ولا يختلف".

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A Muslim man reads the Koran in Al-Azhar mosque in Cairo, September 26, 2007. Muslims around the world abstain from eating,…

في مثل هذا اليوم قبل 147 عاما رحل عن الدنيا المفكر التنويري الكبير الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي، عن عمر ناهز 72 سنة قضاها في جلائل الأعمال الوطنية التي وضعت الأساس لنهضة بلاده في القرن التاسع عشر وظل أثرها باقيا حتى اليوم.

ولد الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي في مدينة طهطا بجنوب صعيد مصر في عام 1801، وتلقى تعليما دينيا في الكتّاب شأنه شأن أبناء عصره، ثم التحق بالأزهر حيث التقى بأستاذه المتنور الشيخ حسن العطار الذي وجهه لطريق التجديد والاجتهاد ودراسة العلوم غير التقليدية وغير المألوفة لدى الأزاهرة في ذلك العهد.

في عام 1826 سافر الطهطاوي مع 44 طالبا ضمن بعثة دراسية أرسلها محمد علي باشا إلى فرنسا، بعد أن أرسل بعثتين لإيطاليا، وكانت بعثة فرنسا أولى البعثات العلمية الكبيرة إلى أوروبا في تاريخ البعوث العلمية في ذلك الوقت، ومع أن الطهطاوي رافق تلك البعثة بصفة "إمام" وليس بصفة طالب إلا أن فضوله الكبير للتعلم وانفتاحه على شتى ميادين المعرفة جعلا منه الشخصية الأهم والاسم الأبرز في تلك البعثة.

قضى الطهطاوى خمس سنوات في باريس، تعلم خلالها اللغة الفرنسية وأنفق وقته في القراءة في مختلف العلوم (التاريخ والجغرافيا والرياضيات والهندسة والحقوق)، كما قام بترجمة العديد من الكتب وقرأ أعمال مفكري الأنوار ودخل في حوارات مع عدد من المستشرقين الفرنسيين.

النقلة الفكرية الكبرى التي عبَّر عنها الطهطاوي تمثلت في دعوته لتبني مفهوم "الوطن" في مقابل مفهوم "الأمة"

ذهب الطهطاوي إلى أوروبا بعقل مفتوح ونفسية معافاة من أمراض التعصب الديني والقومي وغيرها من العصبيات، مما ساعده على النظر بعين الإنصاف للحضارة الغربية، وهو الأمر الذي عكسه في كتابه ذائع الصيت "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" عندما كتب:

"لا ينكر منصف أن بلاد الإفرنج الآن في غاية البراعة في العلوم الحكمية وأعلاها في التبحر في ذلك، في بلاد الإنكليز، والفرنسيس، والنمسا، فإن حكماءها فاقوا الحكماء المتقدمين، كأرسطاليس وأفلاطون، وبقراط، وأمثالهم، وأتقنوا الرياضيات والطبيعيات، والإلهيات، وما وراء الطبيعيات أشد إتقان، وفلسفتهم أخلص من فلسفة المتقدمين، لما أنهم يقيمون الأدلة على وجود الله تعالى، وبقاء الأرواح والثواب والعقاب، وإذا رأيت كيفية سياستهان علمت كمال راحة الغرباء فيها وحظهم وانبساطهم مع أهلها، فالغالب عن أهلها البشاشة في وجوه الغرباء، ومراعاة خواطرهم، ولو اختلف الدين".

التطور العلمي الذي عايشه الطهطاوي في باريس جعله يلح على ضرورة الإصلاح في العالم الإسلامي حتى يتمكن المسلمون من اللحاق بركب التقدم، وفي هذا الإطار لم يتورع المثقف التنويري عن انتقاد المؤسسة التي تلقى فيها تعليمه (الأزهر) حيث عبر عن أسفه لغياب العلوم الدنيوية عن مناهجه الدراسية كما دافع عن فكرة الاجتهاد الديني الذي يُعلي من قيمة العقل داخل هذا الصرح الديني الكبير فضلا عن مطالبته بتحديث اللغة العربية حتى تصبح قادرة على التعبير عن الأفكار والعلوم الحديثة.

دافع بشدة عن حق المرأة في التعليم وقام بإنشاء المدرسة "السيوفية" لتعليم البنات كما طالب بمشاركة المرأة للرجل في الحياة العامة

كذلك عايش المفكر الكبير إتاحة مختلف الحريات وفي مقدمتها "الحرية الدينية" التي يتمتع بها أتباع الأديان المختلفة في فرنسا، وكتب يقول "في بلاد الفرنسيس يباح التعبد بسائر الأديان، فلا يعارض مسلم في بنائه مسجدا، ولا يهودي في بنائه بيعة، إلى آخره، ولعل هذا كله هو علة وسبب إرسال البعوث فيها هذه المرة الأولى أبلغ من أربعين نفسا لتعلم العلوم المفقودة، بل سائر النصارى تبعث أيضا إليها، فيأتي إليها من بلاد "أميركية" وغيرها من الممالك البعيدة".

النقلة الفكرية الكبرى التي عبَّر عنها الطهطاوي تمثلت في دعوته لتبني مفهوم "الوطن" في مقابل مفهوم "الأمة"، فهو أول مفكر يتحدث عن الوطنية المصرية في العصر الحديث ويعتبر كتابه "مناهج الألباب" الذي كتبه عام 1869 في أوج حكم إسماعيل باشا البناء الأكمل للفكرة، حيث قال بوضوح إن الانتماء الوطني يجعل أبناء الوطن الواحد أخوة في الوطنية بغض النظر عن اختلافهم في الدين وهي الفكرة الجوهرية التي ما تزال المجتمعات والدول العربية والإسلامية تعاني من غيابها حتى اليوم.

طالب الطهطاوي بضرورة الأخذ بمفهوم "المواطنة" وأن تكون للمواطن حرية كاملة في المجتمع، وقال إن انقياد المواطن "لأصول بلده يستلزم ـ ضمنا ـ ضمان وطنه له التمتع بالحقوق المدنية والتميز بالمزايا البلدية".

لم تفتأ ذات التيارات التي اتهمت المفكر التنويري الكبير بالعمالة ومحاولة تخريب الهوية الإسلامية تعمل على تكريس حالة الجمود التي ظلت تعاني منها تلك المجتمعات منذ عدة قرون

في هذا الإطار قال الطهطاوي إن "جميع ما يجب على المؤمن لأخيه المؤمن يجب على أبناء الوطن في حقوق بعضهم على بعض لما بينهم من أخوة الوطنية، فضلا عن الأخوة الدينية، فيجب أدبا لمن يجمعهم وطن واحد: التعاون على تحسين الوطن وتكميل نظامه فيما يخص شرف الوطن وإعظامه وغناءه وثروته، لأن الغنى إنما يتحصل من انتظام المعاملات وتحصيل المنافع العمومية، وهي تكون بين أهل الوطن على السوية".

من ناحية أخرى، انصب اهتمام المفكر التنويري الكبير على العملية التربوية لأنها تركز على صناعة الفرد (رجل أم امرأة) الذي هو نواة المجتمع، لذلك عرفها بأنها: "عملية نمو تعمل على تكوين اتجاهات صالحة للفرد، وتؤثر في سلوكه وتصرفاته" وهو الأمر الذي يفسر اهتمامه الكبير بدور المرأة في المجتمع حيث دافع بشدة عن حقها في التعليم وقام بإنشاء المدرسة "السيوفية" لتعليم البنات كما طالب بمشاركة المرأة للرجل في الحياة العامة.

لا شك أن مشروع الطهطاوي التنويري الذي ارتاد مجالات الترجمة ونقل العلوم والمعرفة والتربية وتعليم المرأة فضلا عن المناداة بالأخذ بمفاهيم الدولة الحديثة "المواطنة"، قد شكل أساسا للنهوض من أجل تجاوز الكبوة الحضارية ومواكبة العصر.

وفي الوقت الذي ما تزال فيه المجتمعات العربية والإسلامية تسعى لإكمال مشروع الطهطاوي النهضوي الذي أثبتت الأيام صدق توجهه، لم تفتأ ذات التيارات التي اتهمت المفكر التنويري الكبير بالعمالة ومحاولة تخريب الهوية الإسلامية تعمل على تكريس حالة الجمود التي ظلت تعاني منها تلك المجتمعات منذ عدة قرون.