دورية للقوات الدولية (اليونيفيل) عند الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية بالقرب من بلدة كفركلا
دورية للقوات الدولية (اليونيفيل) عند الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية بالقرب من بلدة كفركلا

بقلم فارس خشّان/

ما إن دخلت صفة "القوة" إلى القاموس السلطوي اللبناني، حتى ظهرت الدولة اللبنانية في أضعف حالاتها.

هذا الضعف ليس جديدا بطبيعة الأمر، ولكن "الضد يظهر حسنة الضد"، كما أن البعض لم يلجأ إلى توسّل شعار "القوة"، لو لم يكن ضعف الدولة من مسببات "الأنين" اللبناني.

ولكن ما حاول "شعاريو" القوة تجاوزه، يكمن في معرفتهم الدقيقة بأن المسبّب الرئيس لضعف الدولة هو بالذات "ولي نعمتهم".

وبهذا المعنى، وعلى سبيل المثال لا الحصر، لم يكن العماد ميشال عون ليصل إلى رئاسة الجمهورية ويطلق على نفسه لقب "الرئيس القوي"، لولا إصرار "حزب الله" على إدراجه مرشحا وحيدا على الأجندة اللبنانية، وافتعال الحزب فراغا دستوريا مديدا حتى يتمكّن من فرضه فرضا على سائر المكوّنات الوطنية.

منذ انتقال عون من الرابية إلى بعبدا، أخذ "حزب الله" كامل راحته في البلاد، حتى أصبح المرجعية الأمنية الحاسمة في البلاد

​​و"حزب الله" لم يعتمد خيار عون لأنّ برنامجه للرئاسة القوية سحره، بل لإدراكه، بالتجربة، أن "الجنرال" الذي يملك ما يعينه من مشروعية شعبية يحتاج إلى ما يكفي من شرعية دستورية، حتى يساعده على بسط هيمنته على ما تبقى "متحرّرا" في الدولة.

اقرأ للكاتب أيضا: 'السترات الصفراء'... العربية

وبالفعل، ومنذ انتقال عون من الرابية إلى بعبدا، أخذ "حزب الله" كامل راحته، حتى أصبح المرجعية الأمنية الحاسمة في البلاد.

وبناء عليه، فإنّ "حزب الله" الذي يشارك، مرتاحا إلى التغطية الرسمية، في الحروب العابرة للحدود وفق ما ترغب به إيران، هو الذي يشرف على إيجاد كل ما يلزم من حلول لمخيّمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، كما حصل مؤخرا في مخيم "المية ومية"، وهو الذي رسم خطا أحمر حول "زلمته" وئام وهاب عندما تحرك القضاء اللبناني والضابطة العدلية ضده، بعيد اتهامه بارتكاب جرائم من شأنها المس بالسلم الأهلي، وهو الذي فرض معادلة تحول دون أو تتيح، انجرار "الجبل الدرزي" إلى البقع المضطربة.

باختصار، فإن "حزب الله"، وفي ظل تنسيب صفة "القوة" لفظيا إلى الدولة، دخل ظافرا فعليا إلى دائرة "صانع الاستقرار".

وتكريس "حزب الله" لموقعه هذا على حساب الدولة المشلولة مؤسساتيا بسبب شروط وضعها الحزب نفسه وحالت دون تشكيل الحكومة، يأتي في توقيت استراتيجي إسرائيليا وأميركيا وأمميا.

 على المستوى الإسرائيلي، تستجمع تل أبيب أوراقها ضد لبنان، تارة باسم معلومات عن مصانع صواريخ أنشأتها إيران للحزب في محيط المرافق العامة الحيوية، وتارة باسم أنفاق شقها الحزب تمكّنه من الدخول إلى الجليل، بما يشكل خرقا كبيرا للقرار 1701 الذي يرعى الواقع الحدودي، منذ انتهاء حرب تموز/يوليو 2006.

وعلى المستوى الأميركي، تستكمل واشنطن عدّتها القانونية لفرض مزيد من العقوبات على "حزب الله" المصنّف منظمة إجرامية عابرة للحدود.

أمسك "حزب الله" كليا بالقرار اللبناني وبالمصير الوطني، وبات هو من يضع المعايير ومن يفرض الشروط ومن يتحكّم بدفة الأمور

​​أما على المستوى الأممي، فيواصل قضاة الغرفة الأولى في "المحكمة الخاصة بلبنان" مذاكراتهم السريّة في ملف المتهمين ـ وهم من "حزب الله" ـ باغتيال الرئيس رفيق الحريري، تمهيدا لإصدار حكم بحقهم، يرجّح أن يكون موعده في شباط/ فبراير المقبل.

وفي كل هذه الملفات، ثمة حاجة إلى مرجعية لبنانية حاسمة للتعاطي، وفق ما تفترضه القوانين والمعاهدات الدولية، مع التحديات الإقليمية والدولية.

وقد بيّن "حزب الله" في التطورات المتلاحقة لبنانيا أنه هو "الآمر الناهي" وأن أي مرجعية لبنانية تتخطى إرادته وشروطه هي مرجعية عاجزة، ومهددة.

اقرأ للكاتب أيضا: أنين 'الاستقلال' اللبناني

وهذا يفيد بأنّ "حزب الله" أمسك كليا بالقرار اللبناني كما بالمصير الوطني، وبات هو من يضع المعايير ومن يفرض الشروط ومن يتحكّم بدفة الأمور.

وتأسيسا عليه، فإن من يتغنّون بصفة "القوة" إنما يصرفون وقتهم في لعبة بروتوكولية تضمن بعض المنافع الخاصة، فيما "حزب الله" الذي "يهبهم" المراكز يستجمع كل عوامل القوة ليحمي أهدافه، في صراع إقليمي كبير قد يطيح مفهوم الدولة الذي عرفها اللبنانيون منذ العام 1943.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.