نجيب محفوظ في صورة تعود للعام 1988
نجيب محفوظ في صورة تعود للعام 1988

بقلم د. عماد بوظو/

في الحادي عشر من شهر كانون الأول/ديسمبر 1911 ولد الأديب والروائي المصري والعالمي نجيب محفوظ. استمر في نشاطه الأدبي لأكثر من 70 عاما منذ ثلاثينيات القرن العشرين حتى مطلع القرن الواحد والعشرين، كان خلالها غزير الإنتاج حيث كتب عشرات الروايات يدور أغلبها حول الحياة في أحياء القاهرة الشعبية، مدينته التي قضى حياته في حاراتها ومقاهيها ولم يغادرها طوال عمره المديد.

عكست مؤلفاته الحياة الاجتماعية والسياسية في مصر، ومنها خرجت روائع الأعمال السينمائية والتلفزيونية التي طبعت ثقافة أجيال كاملة من الناطقين باللغة العربية في مصر وخارجها مثل اللص والكلاب، وزقاق المدق، وبين القصرين، والقاهرة 30، وخان الخليلي، وقصر الشوق، والسمان والخريف، وميرامار، وثرثرة فوق النيل، والسكرية، والكرنك، وأهل القمة، ووكالة البلح، وقشتمر، وعشرات الأعمال الأخرى.

نال على كتبه العديد من الجوائز توّجت بجائزة نوبل للآداب عام 1988، وهي أرفع جائزة في مجال الإنجاز الأدبي في العالم؛ وهو الأديب العربي الوحيد الذي حصل على هذه الجائزة منذ تأسيسها عام 1901. وقالت مؤسسة نوبل عند تنويهها بالكاتب إن "إنجاز نجيب محفوظ العظيم والحاسم يكمن في إبداعه في مضمار الروايات والقصص القصيرة، ونتج عن إنتاجه ازدهار للرواية كنوع أدبي كما أسهم في تطور اللغة الأدبية في الأوساط الثقافية في العالم الناطق بالعربية، ولكن إنتاجه أوسع وأغنى بكثير ذلك أن أعماله تخاطبنا جميعا، كما أن إنتاج نجيب محفوظ أعطى دفعة كبرى للقصة كمذهب أدبي يتخذ من الحياة اليومية مادة له".

كانت الحملة على نجيب محفوظ عام 1959 مصرية صرفة ابتداء من الذين هاجموه إلى الذين اتهموه بالكفر إلى من أهدروا دمه وحاولوا اغتياله

​​مرّ نجيب محفوظ بمراحل عديدة في كتاباته؛ من المرحلة التي ركز فيها على التاريخ الفرعوني ودلالات الانتقال من تعدد الآلهة إلى التوحيد وعلاقات الحاكم بالرعية، إلى المرحلة التالية التي انتقل فيها إلى الواقعية الاجتماعية لمصر بين الحربين والنضال المصري في سبيل الاستقلال وتأثير العامل الاقتصادي على العلاقات الإنسانية وعلى المرأة تحديدا، ثم دخل مرحلة جديدة من الواقعية من خلال الملاحم في ثلاثيته "بين القصرين، قصر الشوق والسكرية" والتي اعتبرها اتحاد الكتاب العرب أفضل رواية في تاريخ الأدب العربي، كما علّق عليها طه حسين: "أتاح ‘نجيب محفوظ’ للقصة أن تبلغ من الإتقان والروعة ومن العمق والدقة ومن التأثير الذي يشبه السحر ما لم يصل إليه كاتب مصري قبله". أعقبها برواية أولاد حارتنا ثم ملحمة الحرافيش، التي عملت على نقل الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي في مصر لعدة أجيال، وفي المرحلة الأخيرة انتقل إلى الرمزية التي عكست رؤيته الفلسفية أو رحلته في البحث عن معنى للوجود.

اقرأ للكاتب أيضا: رائد فارس، حكاية ثورة

في كل مراحله حافظ على انتقاده للسلطة والقمع. يقولون كلما غاص الكاتب عميقا في النفس البشرية كلما وصل إلى القواسم الإنسانية المشتركة بين مختلف الشعوب وانتقل أدبه إلى العالمية وصار من الممكن قراءته عند مختلف الشعوب، وفي كل اللغات وهذا ينطبق تماما على نجيب محفوظ.

في رواية أولاد حارتنا التي كتبها نجيب محفوظ بعد توقف خمس سنوات عقب ثورة يوليو/تموز 1952 انتهج أسلوبا رمزيا مختلفا عن رواياته السابقة. تدور أحداثها حول الأب الكبير الجبلاوي مالك الحارة وصاحب الكلمة العليا فيها، والذي كان الانطباع بأنه يرمز إلى الله، مع أولاده: أدهم هو تمثيل لشخصية آدم وإدريس هو إبليس، وجبل في دور موسى ورفاعة كتمثيل لشخصية عيسى والقاسم يرمز لمحمد، وفي الفصول الأخيرة للرواية يموت الجبلاوي حزنا نتيجة تمرد أبنائه عليه بمساعدة عرفة الذي يرمز للمعرفة. اعتبر خصوم محفوظ موت الجبلاوي دليلا على عدم إيمانه عندما أقدم في روايته على قتل الإله، بينما اعتبر مؤيدوه أن هذا دليل براءته وأن الإسقاطات الرمزية في الروايات لا تعني تقمص كامل الشخصية، واستدلّوا على ذلك من قيام قدري الناظر الذي يرمز للشر بقتل عرفة عندما حاول الهرب منه، وقالوا كيف يمكن قتل العلم أو المعرفة حسب الذين يريدون قراءة النص حرفيا.

نشرت الرواية على شكل سلسلة في جريدة الأهرام عام 1959، ومع تطورات أحداثها بدأت اعتراضات رجال الدين على محتواها. فالشيخ محمد الغزالي، الإخواني السابق والذي يصنف باعتباره معتدلا ومناهضا للتشدد والغلو، قال عن الرواية إنها إلحاد وعبث بتاريخ الديانات وإنها تقول إن الله خرافة وطالب بمصادرتها. وألف الشيخ عبد الحميد كشك كتابا يهاجم فيه الرواية لأنها نزعت القداسة عن الأنبياء وجعلتهم مصلحين اجتماعيين، كما هاجم القائمين على جائزة نوبل لأنهم كرّموا نجيب محفوظ "لما يحملون من حقد دفين على الإسلام".

ومن بين الفتاوي العديدة التي اتهمت نجيب محفوظ بالكفر والإلحاد والزندقة قال العالم الأزهري والزعيم الروحي للجماعة الإسلامية عمر عبد الرحمن إن الكاتب مرتد، وكل مرتد وكل من يذكر الإسلام بسوء لا بد أن يقتل.

ونتيجة الحملة المنظمة على هذه الرواية وعلى نجيب محفوظ، أقدم شابان على طعنه في رقبته عام 1994 وأصابوه بجروح بليغة عندما كان في الثالثة والثمانين من عمره.

ورغم عدم صدور موقف حكومي رسمي بمنع نشر الرواية، غير أن نجيب محفوظ قرر نتيجة اتفاق بينه وبين حسن صبري الخولي الممثل الشخصي للرئيس جمال عبد الناصر عدم نشر الرواية حتى يأخذ موافقة الأزهر عليها. ولم تأت هذه الموافقة أبدا، وبقي نجيب محفوظ ملتزما بوعده نتيجة طبيعته المسالمة، لكن الرواية نشرت في بيروت عام 1962 بدون موافقة كاتبها، وصدر قرار في 12 أيار/مايو 1968 عن أمين مجمع البحوث الإسلامية بمنع دخول الرواية إلى مصر، ولم تطبع في مصر حتى أواخر عام 2006 أي بعد 48 عاما من كتابتها وبعد وفاة مؤلفها!

كانت الحملة على نجيب محفوظ عام 1959 مصرية صرفة ابتداء من الذين هاجموه إلى الذين اتهموه بالكفر إلى من أهدروا دمه وحاولوا اغتياله؛ أي لا يستطيع المثقفون المصريون إلقاء مسؤولية ذلك على تغلغل الفكر الوهابي الصحراوي في البيئة المصرية المعتدلة كما يرددون هذه الأيام، ففائض الثروة الخليجي لم يكن قد ظهر بعد، والعلاقات السعودية ـ المصرية كانت بأسوأ أحوالها بل تحولت إلى صراع عسكري في اليمن عام 1962. بالتالي، من الأجدى البحث عن جذور التطرف داخل المجتمع المصري والعمل على معالجتها.

لم ينته تحامل الإسلاميين على نجيب محفوظ حتى اليوم، ويظهر ذلك إلى العلن كلما سنحت الفرصة

​​كما أثارت تلك القضية شكوكا حول وجود إصلاحيين أو متنورين في الجماعات أو المؤسسات الدينية المصرية، إذ لم يدافع عن نجيب محفوظ أو عن حريته في التعبير أحد منهم. والأهم من كل ذلك، أن قصة نجيب محفوظ قد كشفت عن تودد السلطة السياسية متمثلة وقتها بحكم جمال عبد الناصر لمؤسسة الأزهر مقابل استخدام السلطة لهذه المؤسسة في مواجهة حركات الإسلام السياسي وخاصة الإخوان المسلمين، وما ترتب على ذلك من السماح للأزهر بفرض شكل من أشكال الرقابة على المجتمع المصري من النواحي الثقافية والاجتماعية مقابل انفراد مؤسسة الرئاسة بالسلطة السياسية المطلقة. وهو ما شكل اتفاقا بين طرفين على حساب حرية الشعب المصري السياسية والثقافية والاجتماعية. وكان تقاسم الأدوار هذا بين السلطة السياسية ورجال الدين سابقة في مصر الحديثة، إذ مثلا عندما صدر كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" في منتصف عشرينيات القرن الماضي قامت حملة قوية ضدّه بقيادة الأزهر لكن القاضي محمد نور رئيس نيابة مصر لم يخضع لضغوط الإسلاميين وحكم ببراءة طه حسين وأمر بحفظ أوراق القضية إداريا، قائلا هذا رأي أكاديمي لبروفيسور في الجامعة وليس من المفروض اتخاذ أي إجراء قانوني ضده لعدم توفر القصد الجنائي.

اقرأ للكاتب أيضا: ما هو الفرق بين الزوجة والجارية عند رجال الدين؟

لم ينته تحامل الإسلاميين على نجيب محفوظ حتى اليوم، ويظهر ذلك إلى العلن كلما سنحت الفرصة؛ فعندما قرر محافظ الجيزة وضع تمثال لنجيب محفوظ تقديرا لأعماله على كورنيش النيل أمام منزله اعترض إسلاميون بحجة وجود مسجد وجمعية شرعية في المنطقة وكأن التمثال يسيء لهما. وكالعادة تراجعت الدولة أمام هؤلاء كما اعتادت طوال العقود الماضية ووضعته في مكان آخر. وليس من المستغرب أن يكون منهم من ينتظر الفرصة التي يستطيع فيها تحطيم هذا التمثال باعتباره صنما.

لم تتوقف حملة الإسلاميين على التفكير الحر والنقدي بل يزداد يوميا تمدد الدور الذي يأخذه رجال الدين في مراقبة الحياة الثقافية والاجتماعية المصرية عبر ملاحقة ما يكتبه الصحافيون وما يصرح به المثقفون وما يرتديه الفنانون، لأن الاتفاق بين السلطة السياسية في مصر ورجال الدين الذي أبرم بعد قضية كتاب أولاد حارتنا يبدو أنه ما زال ساري المفعول حتى اليوم.

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!