الممثل الأميركي مايكل ب. جوردان خلال العرض الافتتاحي لفيلم كريد 2 في أوروبا
الممثل الأميركي مايكل ب. جوردان خلال العرض الافتتاحي لفيلم كريد 2 في أوروبا

بقلم رياض عصمت/

عجيب أمر نبوءات هوليوود! يصعب أن يتصور أحد كيف توازى قيام سفن حربية روسية بإطلاق النار على ثلاث سفن أوكرانية قبالة ساحل شبه جزيرة القرم واعتقال 24 من بحارتها مع انطلاق عروض فيلم يتنافس فيه بطل الملاكمة الأميركي الأسود كريد، الذي يدربه بطل العالم الأميركي السابق روكي، مع ملاكم روسي عملاق هاجر مع والده من موسكو إلى أوكرانيا واستقرا فيها عقب هزيمة روكي للملاكم الأب في موسكو.

نادرا ما يتفوق جزء ثان من سلسلة على الفيلم الأول الأصيل، ويظل "روكي" (1978) الأعلى تقييما بين جميع أجزاء السلسلة، لكن "كريد 2" (2018) استطاع التفوق على "كريد" (2015) بأكثر من ميزة، وفي طليعتها أنه استقرأ المستقبل جيدا، ونقل الحرب الباردة الناجمة عن محاولات روسيا استعراض عضلاتها في أماكن شتى من العالم إلى نزال رمزي في حلبة الملاكمة على بطولة العالم.

كما هو متوقع، تبادل الرئيسان الروسي بوتين والأوكراني بوروشينكو الاتهامات عقب الحادث المشار إليه. اتهم الأول نظيره بمحاولة تلميع صورته قبل انتخابات العام المقبل، في حين أصدر الثاني قرارا بفرض الأحكام العرفية في 10 مناطق حدودية لمدة 30 يوما بسبب الاعتداء على قطع بلاده البحرية الثلاث وأسر عدد من بحارتها.

ما زال العالم مندهشا من صدق عديد من تنبؤات مواسم المسلسل التلفزيوني الشهير "24" من بطولة كيفر ساذرلند

​​سرعان ما بث جهاز المخابرات الروسي تصريحات نسبت إلى ثلاثة من أولئك البحارة بأنهم كانوا على علم بـما أسموه "الطبيعة الاستفزازية" للتصرف الأوكراني، بينما قائد سلاح البحرية الأوكراني سارع للرد قائلا إن الرجال الثلاثة أجبروا على الكذب تحت وطأة التهديد.

هكذا، بعد أربع سنوات من استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم، غير أبهة باستنكار عدة دول غربية والعقوبات التي فرضت عليها، يعتبر التوتر الحالي الناشب بين البلدين تصعيدا لافتتاح الروس في وقت سابق جسرا يربط البر الروسي بشبه جزيرة القرم عبر مضيق كيرش الذي يؤدي إلى بحر آزوف، لأن أوكرانيا تملك مينائين رئيسيين يقعان على الساحل الشمالي لذلك البحر، الذي تنص معاهدة وقعت عام 2003 بأن للبلدين حق الملاحة الحرة فيه.

اقرأ للكاتب أيضا: هل شكسبير معارض لقانون الهجرة؟

بالتالي، كان من الطبيعي أن يلغي الرئيس ترامب لقاءه المقرر مع الرئيس بوتين على هامش قمة الأرجنتين نتيجة هذا التوتر. أما الكرملين فأبدى أسفه لقرار الرئيس الأميركي، مؤكدا أن الرئيس الروسي لا يزال مستعدا لإجراء اتصالات مع نظيره الأميركي. السؤال المشروع: كيف استطاع خيال صانعي فيلم "كريد 2" التنبؤ بمستقبل الأزمة الحالية قبل عام أو أكثر أثناء إنتاج الفيلم؟

في الواقع، ما زال العالم مندهشا من صدق عديد من تنبؤات مواسم المسلسل التلفزيوني الشهير "24" من بطولة كيفر ساذرلند. ولا أستطيع تأكيد مدى صحة ما تداولته وسائل التواصل الاجتماعي من تنبؤات مذهلة في بعض حلقات مسلسل الكارتون الشهير "سيمبسون" عن حدوث 9/11 وإظهار رموز تشير إلى بعض ثورات الربيع العربي! يبدو لي أن بعض الإنتاجات الدرامية الهوليوودية فاقت تنبؤات العراف الشهير نوستراداموس، بحيث جعلت خيال الجمهور يستعيد "نظرية المؤامرة".

ينطلق "كريد 2" من قصة قديمة تعود إلى نهاية فيلم "روكي 4" (1985)، التي يثأر فيها بطل العالم لمقتل صديقه ومدربه الراحل أبولو كريد على يدي ملاكم روسي جبار بهزيمته في عقر داره موسكو وانتزاع إعجاب الجمهور الروسي الذي بدأ المباراة بمناصبته العداء.

تنتهي أحداث "روكي 4" قبل 33 سنة من يومنا الراهن بخطاب لاهب من بطل الملاكمة الفائز روكي يحث فيه الجمهور الروسي في عهد غورباتشوف على بناء جسر من التفاهم مع الغرب وإزالة ركام من الشك والريبة.

أما اليوم، فاختار كاتب السيناريو والممثل المساعد في الفيلم الجديد سيلفستر ستالون ألا يضمن الفيلم مثل هذا الخطاب، لأن التصرفات الروسية الراهنة جعلت عديدا من عوامل عدم الثقة تعود لتتنامى وتهز أسس التعاون بين البلدين لضمان أمن واستقرار العالم.

يكفي أن نتذكر أن افتتاح فيلم "كريد 2" وازى أيضا ما ذكرته مجلة نيوزويك الأميركية عن أن المحامي ألان ديرشوفيتز، أستاذ القانون الجنائي السابق في جامعة "هارفارد"، صرح في مقابلة تلفزيونية مع شبكة ABC قائلا: "إن فريق ترامب القانوني بدأ يتأهب بالفعل للرد على نتائج التحقيق في مزاعم تدخل روسيا في انتخابات الرئاسة الأميركية التي جرت عام 2016"، وهو الأمر المتوقف على ما سيخلص إليه تقرير المحقق روبرت مولر.

يتابع فيلم "كريد 2"، إذن، أحداث "روكي 4" القديمة بمقاربة مختلفة تناسب إسقاطاتها السياسية الأوضاع الراهنة. نتيجة تلك الهزيمة المذلة في عام 1985، يخسر الملاكم الروسي كل شيء دفعة واحدة، فتنحسر أضواء المجد والرعاية عنه، بل تتخلى زوجته عنه وعن ابنهما لتقترن بمسؤول دبلوماسي، فلا يبقى له في الحياة سوى أمل وحيد هو تدريب ابنه الجبار ليهزم ربيب روكي، وابن ضحيته أبولو، وينتزع حزام بطولة العالم في موسكو، مدينته التي يحلم بأن يرد الاعتبار له فيها.

هكذا، يرتب خصم روكي القديم (دولف لاندرغرين) مع متعهد رياضي أسود استفزاز أدونيس كريد (مايكل ب. جوردان) للعب مباراة على اللقب في فيلادلفيا مع ابنه الشاب واضح القسوة والجبروت. يرفض روكي تدريب كريد الابن، لاعتقاده أن الملاكم الروسي "خطر"، لكن البطل الشاب يقرر خوض المباراة بمساعدة مدربين آخرين إصرارا منه على الانتقام من ابن قاتل أبيه.

بالطبع، يلحق به الملاكم الروسي هزيمة قاسية، بل يكاد أن يقتله على الحلبة كما سبق أن فعل والده الروسي بأبولو كريد، إلا أنه يحرم من نيل حزام البطولة لارتكابه مخالفة قانونية. يخضع كريد الابن للعلاج من إصاباته الشديدة برعاية من زوجته الحامل ووالدته.

هنا، يقتنع روكي (سيلفستر ستالون) بضرورة العودة لتدريبه، فيأخذه إلى معسكر ناء في عمق الصحراء حيث يخضعه إلى أقسى التمارين البدائية ليصبح قادرا على احتمال ضربات خصمه القوي.

يعلن مكان النزال، فإذا به موسكو مرة أخرى. هناك، عبر مشاهد رائعة من تصوير كرامر مورجنثاو يشعر المشاهد أنه داخل الحلبة مع الملاكمين، يتغلب كريد الابن على دراغو الابن، وينتزع إعجاب الجمهور الروسي ـ كما سبق أن فعل روكي ـ ويتصاعد اللحن الموسيقي الشهير للسلسة من ألحان لودفيغ كورانسون فيلهب مشاعر المشاهدين.

أذكر أن قريبة مسنة ماركسية الفكر ومؤيدة للاتحاد السوفييتي جلست معنا ذات يوم ـ رحمها الله ـ تتفرج على فيلم "روكي 4"، فدبَّ فيها الحماس، وتعاطفت بشدة مشجعة البطل الأميركي ضد البطل الروسي. عندما انتهى الفيلم، صحت إلى نفسها، وصاحت: "العمى على هوليوود! جعلوني أنسى نفسي وأقف ضد الشيوعيين!".

لم يغفل السيناريو البارع لفيلم "كريد 2"، الذي أبدعه سيلفستر ستالون بالتعاون مع جويل تايلورعن شخصيات رايان كوغلر (كاتب ومخرج الجزء الأول)، أن يضمن ثلاثة مشاهد إنسانية ذات أهمية وتأثير عميقين.

إحياء أمجاد الماضي ورد الاعتبار لا يتمان باستعراض القوة، ولا بالرغبة في الانتقام، بل بإحقاق الحق وإزكاء التفاهم

​​أولها، أن روكي يزور قبر رفيقة عمره أدريان، ويبثها همومه كأنها ما تزال حية ترزق، ثم يقرر الذهاب ليدق باب منزل ابنه الشاب ويقابل حفيده كي يصل ما انقطع من صلة عائلية.

ثانيها، أن كريد الابن يزور مع طفلته الرضيعة قبر والده الراحل عقب الانتصار الذي حافظ به على إرثه وحقق به ذاته.

أما المشهد الثالث الرائع فهو تأثر الملاكم الروسي الأب بمعاناة ابنه في الحلبة، بحيث يرمي، بالرغم من جبروته، المنشفة في الحلبة لينقذه من الألم وينهي المباراة بالاستسلام. هذا مشهد ذو دلالة رمزية، فإضافة إلى قيمته الإنسانية، يلخص بذكاء فكرة الفيلم بأن إحياء أمجاد الماضي ورد الاعتبار لا يتمان باستعراض القوة، ولا بالرغبة في الانتقام، بل بإحقاق الحق وإزكاء التفاهم.

اقرأ للكاتب أيضا: ملاك الموت يحوم حول الطفولة

لا يقتصر هذا على دولة بعينها، بل هو مبدأ عام يفترض أن يحترم ويسري على علاقات جميع الدول مع بعضها. بالتالي، لا يجوز الكيل بمعيارين وغض النظر عن احتلال أراضي الغير، أو استخدام القوة المسلحة للعدوان، أو استفزاز دولة لجرها إلى حرب، أو فرض السلطة بواسطة استخدام القوة المفرطة. كل واحدة من هذه السلوكيات هي بمصطلح الملاكمة "ضرب تحت الحزام"، أي أنها مخالفة قانونية تكبد صاحبها فقدان اللقب.

للأسف الشديد، ما زالت أحداث السياسة المعاصرة، وفي أكثر من زمان ومكان، تؤكد الأمثولة القائلة إن أحدهم سأل فرعون: "يا فرعون، من فرعنك؟" أجاب: "لم يردني أحد".

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!