يقرأون وثيقة تاريخية
يقرأون وثيقة تاريخية

بقلم محمد المحمود/

إذا كان الفيلسوف الإيطالي الكبير بنديتو كروتشه يقول: "كل التاريخ تاريخ معاصر"، فمن البديهي أنه لا يقصد بذلك حضور التاريخ بوقائعه في الحاضر، كما لا يقصد ـ بالدرجة الأولى ـ أن أحكام التاريخ تسري على الحاضر؛ من حيث هو/ الحاضر نتاج وقائع ذلك التاريخ بصورة ما، وإنما يقصد أن التاريخ (من حيث هو منتج ثقافي يُشكّله المؤرخون في سردياتهم) مكتوب بهموم الحاضر، وعلى ضوء المعاناة الراهنة الخاصة بشخص ما/ المؤرخ، في زمن ما/ زمن المؤرخ، وفق الشرط الثقافي/ ثقافة المؤرخ، المشروطة بأفق الوعي العام المتشكّل بحدود الزمان والمكان.

وبما أن التاريخ علم، أو هذا هو مطمحه الذي لا يريد التنازل عنه؛ رغم الشغب المستمر على هذا الطموح، فإن كثيرا من المؤرخين، بمن فيهم فلاسفة التاريخ، أرادوا الوفاء لأهم وأوثق شروط العلم: شرط الحياد. ومقتضى هذا الشرط ـ كما يعتقدون ـ أن على المؤرخ أن يتجنّب كل حكم أخلاقي؛ مكتفيا بتوثيق الوقائع وتفسيرها وتعليلها؛ دون أن يتخذ منها أي موقف قيمي، فلا ينزلق إلى إصدار الأحكام على الأشخاص والجماعات، أو حتى الوقائع؛ لأنه بمثل هذه الأحكام سينتقل من موقف العالم الراصد والمفسر الموضوعي الذي يتناول مادته البحثية بحياد، إلى موقف يكون فيه قاضيا، بل وربما يبدو وكأنه أحد أطراف الصراع.

إن المؤرخ إذا حَكَم فإنه لا يحكم على "غيب"؛ كما يزعم بعض مناصري فكرة الحياد الموهومة

​​يذكر أحمد محمود صبحي في كتابه "في فلسفة التاريخ" اعتراض بعض فلاسفة التاريخ على وضع المؤرخين أنفسهم قضاة يصدرون الأحكام من أعلى محكمة/ محكمة التاريخ، ويذكر على وجه التحديد قول كروتشه: إن إدانة المؤرخين للشخصيات التاريخية فيه تجاهل لأصول القضاء، إذ أننا في محاكمنا العادية نحاكم متهمين أحياء؛ فلا يصح أن يُسْتدعَى من أصبحوا في ذمة التاريخ للمحاكمة، لأنه لا يمكن أن يُحاكموا مرتين، في حياتهم وبعد مماتهم، حسبهم أن يكونوا موضع دراسة المؤرخ بعد أن أصبحوا من الماضي، أما الذين يُنصّبون أنفسهم قضاة يُدِينون هذا ويُبرّئون ذاك، ويعتقدون أن هذه هي وظيفة التاريخ فإنهم يتصفون بخلوهم من الحماسة التاريخية "في فلسفة التاريخ، ص100".

اقرأ للكاتب أيضا: المرأة العربية بين المتن والهامش

يرى صبحي أن كروتشه هنا قد تجاهل اعتبارين:

الأول: أن الشخص التاريخي ما دام قد مات وهو على كرسي الحكم ـ وهذا هو الأغلب ـ فإنه لم يحاكم في حياته؛ لأن لا أحد يجرؤ على نقد أفعاله، ويضرب مثلا بـ"كروتشه" نفسه الذي جرب مثل هذا الوضع في عهد موسوليني.

الثاني: أن الحكم على من أصبحوا في ذمة التاريخ، لا سيما إن مرّ على وفاتهم زمن طويل، أكثر موضوعية من الحكم عليهم في حياتهم، إذ إن مرجل الأحداث لا زال يغلي، فلا تتضح الرؤية، فضلا عن كون ضحايا الظالم لا يزالون على قيد الحياة، ومن ثم فإنهم يؤثرون عاطفيا على حكم المؤرخ، بخلاف من أصبح هو وضحاياه في حكم التاريخ، مثل شرلمان أو نابليون.

ويعضد صبحي رده الموجز هذا، بتأكيده على أن الحكم التاريخي لا يتعلق بالسيرة الذاتية للشخصية التاريخية؛ ما دامت لا ترتبط هذه السيرة بأعماله العامة التي هي موضوع دارسة المؤرخ. بل الأمر على العكس؛ حيث إن كثيرا من مؤسسي الدول اتسمت حياتهم الخاصة بدرجة عالية من الاستقامة، عكس حياتهم العامة التي تنطوي على كثير من الظلم، كما هو حال مؤسسي الدولة العباسية: السفاح والمنصور (في فلسفة التاريخ، ص101).

طبعا، هناك حجج كثيرة لدعاة الموضوعية/ الحياد، ذلك الحياد الذي يقتضي ـ في نظرهم ـ عدم إطلاق الأحكام على شخصيات التاريخ. فهم أحيانا يجادلون بأن ميل الإنسان إلى تشخيص ما هو عام يجعل من الكوارث الكبرى مسؤولية شخص واحد، أو بضعة أشخاص على الأكثر، كما هو الحال في تحميل هتلر مسؤولية كل كوارث الحرب العالمية الثانية، بينما شارك في بلورة الرؤى النازية وتفعليها كثير من المفكرين والفنانين والإعلاميين والقواد. ثم هم يؤكدون أن هناك من الكوارث والمآسي ما يستحيل تجسيده؛ لاتساع نطاقه، وكثرة المشاركين فيه، كالاستعمار مثلا.

وبالتالي، فإن إدانة بضعة أشخاص به يخالف مقتضى الحيادية العلمية، فضلا عن كون بعض الوقائع وقعت كاحتمال بين جملة احتمالات، وربما كانت الاحتمالات الأخرى أكثر ضررا مما حدث فعلا.

في تقديري أن هذه المسألة محكومة بحقيقة مفادها: أن لا نص محايد، لا تاريخي، ولا غير تاريخي (وهذه مسألة طويلة، تدخل فيه إشكالية مرونة اللغة كوسيط). لكن، وأيا كان الأمر في هذا الموضوع الشائك، لا يعني تعذّر الحياد التام، أن نزهد في الحياد/ النسبي الذي يتقرر به الحكم النسبي، فالنسبية في النهاية تدخل حتى في أحكام القضاء، وفي أكثر القضايا وضوحا؛ فلا عدل بالمطلق؛ لاستحالة الإطلاق في المعرفة بكامل تفاصيل القضية، وتعذر الفصل التام بين عناصرها من ظروف ودوافع...إلخ. بل إن النسبية تدخل حتى في أشد فروع العلم التجريبي انتظاما، فكيف بالفضاء المرن للعلوم الإنسانية التي ينتسب إليها علم التاريخ.

من هنا يصبح الحكم على وقائع التاريخ وشخصياته المؤثرة متاحا في حدود المعطيات المتوفرة، من وثائق/ مادة تاريخية، ومن مناهج بحثية يستثمرها علم التاريخ في تطوره المستمر.

ثم إن المؤرخ إذا حَكَم فإنه لا يحكم على "غيب"؛ كما يزعم بعض مناصري فكرة الحياد الموهومة، بل لا يعنيه حقيقة الواقعة التاريخية في صورتها الغيبية التي يستحيل الإحاطة بها، بل إن كل ما يعنيه كمؤرخ، هو حقيقة الواقعة التاريخية كما تعكسها مجمل الوثائق المتاحة؛ حيث إن الوقائع والشخصيات لم يعد لها وجود في الواقع العيني بعد انقضاء لحظتها. وما بقي منها مجرد "صورة ممكنة" تطرحها في النهاية هذه الوثائق، بعد التوثيق والتحقيق والبحث العميق، بما فيه القراءات التأويلية؛ ليأتي الحكم ـ صريحا أو متضمنا ـ على هذه الصورة التي يُفترض فيها أنها انعكاس مقارب للواقع، أي لما حدث في التاريخ.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن مناصري "وهم الحياد" يؤكدون على ضرورة أن يكتفي المؤرخ بالتوثيق والتفسير والتعليل؛ دون إطلاق الأحكام الأخلاقية/ القيمية. وفي الحقيقة هذا مستحيل، فحتى لو أراد المؤرخ أن يكتفي بهذا؛ فلن يخلو توثيقه وتفسيره وتعليله من أحكام صريحة أو متضمنة. فمثلا، عندما ينقل المؤرخ بحياد علمي خبر مفاده أن الحجاج بن يوسف، والي عبدالملك بن مروان على العراق، قتل في يوم دير الجماجم ثلاثة آلاف من الأسرى صبرا، فإن الحكم الأخلاقي هنا متضمن بالضرورة في الخبر.

إن الحكم الأخلاقي على وقائع التاريخ لا ينافي الحياد ولا الموضوعية

​​هنا، لا يحتاج المؤرخ أن يصدر حكما؛ فيؤكد صراحة بأن الحجاج مجرم وطاغية، وأن عبدالملك كذلك بالتبع وبالأصالة، فالحكم هو ذات الخبر الذي يرصد الواقعة بحياد. وعندما يقول المؤرخ ـ معززا قوله بالوثائق: إن النظام النازي قام بإبادة الملايين، فالحكم الأخلاقي/ القيمي يفرضه الخبر؛ قبل أن يتفوّه به المؤرخ.

إن الحكم الأخلاقي على وقائع التاريخ لا ينافي الحياد ولا الموضوعية، وبالتالي لا ينافي العلم. إذا كان الحكم مبنيا على بحث موضوعي محايد، فهو حكم ـ رغم نسبيته ـ محايد. ولو صرفنا النظر إلى العلوم البحتة/ التطبيقية، فإننا سنجد أن الأبحاث العلمية في مجال الطب، أثبتت ـ وبحياد علمي ـ أضرار التدخين، ثم حكمت حكما أخلاقيا ـ متضمنا في هذا الحكم الصحي ـ على التدخين بأنه ممارسة سلبية مضرة بالإنسان.

اقرأ للكاتب أيضا: العرب بين الحداثة والواقع التقليدي

وإذا كان الاختلاف في معايير التقييم الأخلاقي بين عصر وعصر، هو أيضا مما يتعذر به متوهمي الحياد في رفضهم إصدار الأحكام على شخصيات التاريخ، فإن المعايير الأخلاقية الإنسانية واحدة في أصولها؛ حتى وإن اختلفت في بعض تفاصيلها وفقا لمتغيرات الظروف الزمانية والمكانية. صحيح أن بعض الممارسات كانت مقبولة وطبيعية في عصرها، وبالتالي لا يجوز محاسبة الماضي بمقتضى تطورات الوعي الراهن.

لكن، وفي كل الأحوال، لا أحد يقول بأن قتل عشرات الألوف من الأبرياء أمر طبيعي، ومبرر في عصر سابق، لا أحد يقول بأن ما فعله هولاكو أو تيمور لنك أو ستالين...إلخ، لا يجوز إصدار حكم معاصر عليه؛ لاختلاف "زمن الواقعة" عن "زمن الدرس التاريخي".

لا يمكن أن يمر المؤرخ على فظائع هؤلاء وأمثالهم؛ فيضعهم ـ من حيث التقييم الأخلاقي ـ في صف واحد مع "الأسوياء" من رموز التاريخ القديم أو الحديث.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!