سيدة تسير على ما تبقى من مخيم اليرموك في دمشق
سيدة تسير على ما تبقى من مخيم اليرموك في دمشق

بقلم عبد الحفيظ شرف/

الخامس والعشرون من تشرين الثاني/نوفمبر هو يوم خاص لمناهضة العنف ضد المرأة. تعاني النساء في عالمنا العربي من الظلم الاجتماعي والسياسي وهي ضحية لجور السلطة والمجتمع بل ولأقرب المقربين لها في كثير من الأحيان. المرأة هي عماد المجتمع الرئيس ومقياس نجاحه، مشاركتها في الحياة الاجتماعية والإنتاج العام دليل حضارة ورقي، وهي بكل بساطة حق. المرأة هي إنسانة لها كامل الحرية في اتخاذ قراراتها. لكن كل هذا الكلام الجميل نسمعه كثيرا في عالمنا العربي لكننا لا نراه مطبقا.

سأتحدث عن المرأة السورية تحديدا في هذا المقال، وهي التي عانت وظلمت كثيرا في هذا البلد الجريح؛ فلا يوجد امرأة سورية إلا ونالت منها الحرب بشكل من الأشكال. فرضت الحرب على النساء خيارات وخطوات لم تكن راغبة فيها.

تعرضت الكثير من النساء السوريات للاعتقال والتعذيب الجسدي والنفسي من قبل نظام الأسد ومختلف فرقاء الحرب في سوريا، ثم واجهت المجتمع الذي رفضها وتخلى عنها بعد خروجها من السجن.

تعيش النساء خلف قضبان السجن جسدا من دون روح. تتمنى كثير منهن الموت على الاعتقال

​​اعتقل بشار الأسد ما يقارب من عشرة آلاف سيدة في سجونه المليئة بالتعذيب والقهر منذ بداية الأزمة السورية في عام 2011. لا يعرف مصير كثير منهن، بل وانقطعت أخبارهن عن بقية العالم بشكل شبه كامل. امتلأت سجونه بالنساء والأطفال؛ سمعت وقرأت قصص الكثير من المعتقلات في سجون الأسد. لم أملك إلا البكاء كوسيلة للتعبير.

تعيش النساء خلف قضبان السجن جسدا من دون روح. تتمنى كثير منهن الموت على الاعتقال. في السجون تخضع النساء للضرب والتعذيب والتحرش الجنسي والاغتصاب والإسقاط القسري للأجنة. وفي هذه السجون، التي لا تخضع لرقابة دولية، يكاد يكون الطعام والشراب عملة نادرة، مقابل انتشار الأمراض القاتلة.

اقرأ للكاتب أيضا: لكم دينكم ولي دين

اعتقلت نساء كثر مع عوائلهن. وتناقلت وسائل الإعلام قيام جنود النظام السوري باغتصاب النساء أمام أزواجهن وأبنائهن وانتزاع الأطفال من أحضان أمهاتهم ليرسموا مشهدا وحشيا ساديا. كل هذه الجرائم مثبتة بشهادات المعتقلات والصور التي سربت من سجون الأسد المجرم. انتقل نظام الأسد إلى مرحلة أخرى باعتقال النساء لإجبار أزواجهن أو أبنائهن على تسليم أنفسهم للسلطات كوسيلة للضغط عليهم. وفي كل الحالات كانت المرأة السورية هي الضحية.

ليلى شويكاني، مهندسة أميركية ـ سورية سافرت من بيتها في شيكاغو إلى ضواحي دمشق لتشارك في العمليات الإنسانية هناك ولتساعد المهجرين والجوعى والمصابين. لكنها لم تعلم أن نظام الأسد يتربص بها لاعتقالها، ووذلك في بدايات عام 2016.

سجنت ليلى في سجن عدرا في ريف دمشق ثم انتقلت إلى سجن صيدنايا، سيء الصيت، وانتهت حكايتها بتعذيبها ثم إعدامها. سرب نظام بشار الأسد اسم ليلى للمجالس المدنية، التي عادة ما يقوم النظام بتسريب أسماء القتلى تحت التعذيب لأسرهم بهذه الطريقة.

علمت عائلة ليلى بمقتلها تحت التعذيب، في نهاية الشهر الماضي، أي بعد عامين من انقطاع أخبارها بشكل كامل عن العالم الخارجي. ولا أعتقد أنه من المصادفة بمكان أن يسرب النظام خبر مقتل ليلى في اليوم التالي ليوم مناهضة العنف ضد المرأة فهذا النظام لا يكترث بالإنسان ولا بحقوقه ولا يكترث كذلك بالمجتمع الدولي ومنظماته الحقوقية.

تعاني المرأة السورية المعتقلة كثيرا حتى بعد الإفراج عنها. يبتهج الجميع بخروج المعتقلين من الرجال ويزغردون فرحا بذلك، ولكن عندما تخرج المرأة من المعتقل يتخلى عنها مجتمعنا البائس. وقد روت الكثير من المعتقلات قصص تخلي أزواجهن وعوائلهن عنهن.

تعاني المرأة السورية المعتقلة كثيرا حتى بعد الإفراج عنها

​​كان السؤال الأكثر انتشارا للمعتقلات بعد خروجهن من سجون الأسد "هل اغتصبوكِ؟". سؤال سفيه جدا وصعب جدا في نفس الوقت. وهو دليل على أنانية ذكورية قبيحة في هذا المجتمع. فهذا المجتمع لم يكترث لكل ما تعرضت له المعتقلة من تعذيب وألم نفسي وجسدي وقهر، وإنما خشي على نفسه مما يفترضه عارا. تخلى الكثير من الأزواج عن زوجاتهم، وبقيت الكثيرات منهن قيد الاعتقال المجتمعي العرفي في بيوتهن خشية من الظهور وكلام الناس.

اقرأ للكاتب أيضا: أن تعبر بحرية فأنت موجود

اليوم، هناك ما يقارب عشرة آلاف سيدة قيد الاعتقال أو الاختفاء القسري في سوريا كما ذكرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أكثر من 81 في المئة منهن لدى قوات الأسد والبقية لدى فرقاء الحرب السورية والتنظيمات الإرهابية.

أتمنى على المجتمع الدولي أن يتحرك لإنقاذ البقية وأن تكون قضية المعتقلات هي قضية أساسية ضمن أي تسوية سياسية قادمة في سوريا، فقد قتل النظام السوري أكثر من ثمانين امرأة تحت التعذيب إلى حد الآن وكانت ليلى شويكاني آخر ضحاياه. لروحك السلام والأمن يا ليلى والفرج القريب لكل المعتقلات في سوريا.

ـــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.