مانديلا متوسطا الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات والرئيس الإسرائيلي عازار وازيمان عام 1994
مانديلا متوسطا الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات والرئيس الإسرائيلي عازار وازيمان عام 1994

بقلم حسين عبد الحسين/

أعاد المهرجان الأممي الذي أقيم للاحتفال بالذكرى المئة لمولد الراحل نلسون مانديلا، أيقونة النضال السلمي ضد التفرقة والعنصرية، إلى الأضواء قصة حياة رجل مثيرة للإعجاب، لم تنجح ثلاثة عقود له في الزنزانة في تحويله إلى حاقد أو ناقم، بل زادته تمسكا بضرورة النضال السلمي، فخرج إلى الحرية، وأخرج جنوب إفريقيا من ظلام التمييز إلى رحابة المساواة، فازداد إعجاب العالم به إعجابا، وصارت أقواله كالنبوءات الصادرة عن الأتقياء والصالحين.

تحول نجاح مانديلا إلهاما لحركات نضالية حول العالم، منها عند الفلسطينيين، إذ رأت النخبة الفلسطينية تشابها في الظلم يتطلب تشابها في أساليب النضال. المشكلة تكمن في أن النخبة الفلسطينية هذه تبنت أسلوب مانديلا السلمي، ولكنها لم تتبن أهدافه.

"بي دي أس" هو اختصار الاسم الإنكليزي لمجموعة "قاطع، اسحب الاستثمارات من إسرائيل، وافرض عقوبات"، وهي من أبرز المجموعات الفلسطينية الناشطة في تنظيم حملات المقاطعة كوسيلة سلمية، ولكن وسيلة لماذا؟

تحول مانديلا إلى سلميته، وبرر تحوله بالقول إن على المرء أن "لا يخشى النمو"

​​يمكن لأي مطالع لموقع "بي دي أس" أن يرى أن الكلمة الوحيدة المفقودة من أدبيات هذه المجموعة هي كلمة "سلام" بين العرب والإسرائيليين، بل إن المجموعة تطالب بضغط دولي على إسرائيل يصل إلى حد طردها من الأمم المتحدة ومن فيفا، الاتحاد الدولي لكرة القدم.

ولأن السلام بين العرب والإسرائيليين ليس من أهداف "بي دي أس"، يصعب تحديد هدف واضح لهذه المجموعة؛ فهي تسعى أولا إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي "لكل الأراضي العربية". هذه الأراضي، حسب "بي دي أس"، هي الضفة الغربية، وهضبة الجولان السورية، والقدس الشرقية، وقطاع غزة. المطلب التالي لإنهاء "احتلال قطاع غزة" هو إنهاء ما تسميه المجموعة "الحصار القروسطي" للقطاع. لا يهم واقع أن الاحتلال والحصار فكرتان متناقضتان، إذ لا يبدو أن "بي دي أس" حريصة على الدقة في أهدافها.

اقرأ للكاتب أيضا: المؤامرة الأميركية الكبرى!

ثم تطلب "بي دي أس" هدم السور الإسرائيلي، وهو ما يدفع المرء إلى التساؤل: إذا كان هدف مجموعة المقاطعة الفلسطينية إقامة دولتين اسرائيلية وفلسطينية، فلا مبرر فلسطيني للإملاء على الإسرائيليين ما يبنونه على حدودهم. يمكن للفلسطينيين الطلب من الإسرائيليين تعديل مسار الحائط المذكور ليتطابق مع الحدود التي يعتبرها الفلسطينيون حدودهم، ولكن لا يمكن المطالبة بهدم أو تشييد أي سور بين الاثنين.

أما إذا كانت المطالبة الفلسطينية بهدم الحائط الإسرائيلي جزءا من السعي لإقامة دولة واحدة ثنائية القومية، إذ ذاك تنتفي صفة الاحتلال عن الإسرائيليين في أي أراض فلسطينية، وتصبح المشكلة مرتبطة بالمساواة في الحقوق بين المجموعتين السكانيتين.

من أهداف "بي دي أس" المساواة في الحقوق بين اليهود الإسرائيليين والعرب الإسرائيليين. هنا، لا بد من الإشارة إلى أنه لا يبدو أن عرب اسرائيل يرون المقاطعة سبيلهم لتحصيل حقوقهم في إسرائيل، بل الغالب إنهم يتمسكون بالتغيير من داخل المؤسسات الإسرائيلية، مثل إقبالهم على الترشح والانتخاب للكنيست.

هدف سلمية "بي دي أس" ليس السلام، بل الانتصار سلميا في ما لم تقدر عليه الفصائل الفلسطينية عسكريا

​​ومن أهداف "بي دي أس" كذلك عودة كل الفلسطينيين ممن غادروا أراضيهم إبان حرب 1948، وتشير المجموعة إلى قرار أممي يطالب بذلك. على أن القرار المذكور صادر عن "الجمعية العامة"، ما يعني أنه على عكس قرارات "مجلس الأمن"، ليس قرارا ملزما. حتى بدون القرارات الدولية، تتطلب المطالبة بعودة اللاجئين إلى داخل اسرائيل تحديد رؤية المطالبين، فإن كانوا من المتمسكين بدولة ثنائية القومية، تصبح المطالبة مشروعة وتنتفي صفة احتلال عن الإسرائيليين في الضفة والقدس الشرقية. إما إن كان المطالبون من القائلين بحل الدولتين، يصبح الإصرار على عودة اللاجئين بمثابة المطالبة بحصول على دولتين فلسطينيتين متجاورتين، واحدة منهما مع أقلية عبرية عابرة.

لا تحتاج أدبيات الحملات الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل الكثير من التمحيص لاستنباط هدفها، وهو القضاء على دولة إسرائيل واستبدالها بدولة فلسطينية واحدة، من البحر إلى النهر، وهو ما يعني أن هدف سلمية "بي دي أس" ليس السلام، بل الانتصار سلميا في ما لم تقدر عليه الفصائل الفلسطينية المسلحة عسكريا، وهو هدف لا يسرّع الوصول إلى تسوية وسلام، بل يعيق ذلك.

اقرأ للكاتب أيضا: الديمقراطية الأميركية والربيع العربي

من يعرف قصة مانديلا قد يعلم أنه اقتيد إلى السجن إبان إعداده ورفاقه عمليات تخريب في جنوب أفريقيا. في سجنه، تحول مانديلا إلى سلميته، وبرر تحوله بالقول إن على المرء أن "لا يخشى النمو". سلمية مانديلا لم تعن تخليه عن العنف للإطاحة بحكومة البيض فحسب، بل تبنيه خطابا يدعو إلى المصالحة، وعدم انتقام السود من البيض في حال إنهاء نظام أبرثايد، والمساواة بين السود والبيض.

هل من فلسطيني يدعو إلى نسيان التاريخ، والعفو عمّا مضى، وإقامة دولة ـ أو اثنتين ـ يعيش مواطنوها بسلام وينعمون بالمساواة؟

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.