وزير الدولة للشؤون الخارجية القطري سلطان المريخي مستمعا إلى أمير الكويت الشيخ صباح أحمد الصباح خلال قمة مجلس التعاون الخليجي الأخيرة في السعودية
وزير الدولة للشؤون الخارجية القطري سلطان المريخي مستمعا إلى أمير الكويت الشيخ صباح أحمد الصباح خلال قمة مجلس التعاون الخليجي الأخيرة في السعودية

بقلم جويس كرم/

عام ونصف على الأزمة بين قطر والرباعية العربية (السعودية، الإمارات، البحرين ومصر) ولم تستنبط أي من الوساطات الأميركية والكويتية والفرنسية والعمانية حلا أو حتى ملامح اتفاق. لا بل يمكن القول إن الأزمة اليوم أعمق، ووصلت إلى مستوى قد يجعلها واقع حال جيوسياسي واستراتيجي رغم التذمر الأميركي حول تداعياتها الاقتصادية على شركات النقل البحري والجوي، وإلى حد أقل على التعاون الأمني.

إن غياب أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عن القمة الخليجية يوم الأحد رغم الرسالة الي تلقاها من الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وكون السعودية استضافت القمة، هو آخر المؤشرات عن الفجوة الواسعة بين الطرفين والتي بحسب كل المعطيات الحالية مرجحة للاستمرار لسنوات.

باتت المتاريس أعلى مع دخول لاعبين دوليين مثل تركيا وإيران وروسيا على خط هذا الانقسام

​​تشعر قطر بنوع من الزخم السياسي بسبب العاصفة الأخيرة التي حلت بالرياض بعد جريمة قتل الكاتب السعودي جمال خاشقجي، وترى نفسها تأقلمت اقتصاديا مع القطيعة بالتحول إلى السوقين التركي والإيراني حيث زادت الخطوط القطرية عدد رحلاتها داخل إيران متحدية المناخ الإقليمي والعقوبات الأميركية. كما تزداد الاستثمارات القطرية في تركيا كلما ازداد التباعد التركي ـ السعودي. وغضت واشنطن النظر عن توسع أنشطة الدوحة في إيران تحديدا بسبب خلافها مع الرباعية والرغبة الأميركية بإعطائها متنفسا اقتصاديا وجويا.

اقرأ للكاتبة أيضا: هل هي طبول الحرب بين إسرائيل و'حزب الله'؟

انعكس هذا التحدي أيضا بقرار قطر الانسحاب من منظمة "أوبك" مع حلول العام المقبل، لتقطع بذلك خيطا آخر يربطها بالمحيط الخليجي، وتتجه نحو سياسة أكثر هجومية على المستويين الاقتصادي والخارجي. فمنذ اتصال الأمير تميم وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في أيلول/سبتمبر 2017، الذي تم بوساطة أميركية، دخلت الأزمة حال الجمود. وزاد المشهد الذي أعقب مقتل خاشقجي من حدتها من خلال تقريب اللاعب التركي والقطري، واستفادة الدوحة من تعثرات الرياض إعلاميا وسياسيا.

هناك من يلوم الجانب التركي على التباعد القطري مع الرباعية، لكن، وعلى الأقل في ملف خاشقجي، فإن الدوحة هي من كان له التأثير الأكبر حتى على الجانب التركي. وهذا يزيد من الاعتقاد بأن قطر ليست مستعجلة لحل الأزمة، وباتت في ذات موقع دول الرباعية غير المستعجلين أيضا.

فالخلاف اليوم هو أبعد من خاشقجي والهجوم الإعلامي والتراشق الكلامي، ويدور حول رهانات ورؤى متناقضة لبسط النفوذ الإقليمي. فالقيادة في قطر، كانت وما تزال، تراهن على تيار الإسلام السياسي ومجموعات، وفي بعض الأحيان رجال دين، خارج الحكم، فيما يراهن خصومها على تقوية الحكومات والتيارات غير الإسلامية ويفسرون السلطوية المعارضة للإسلاميين كباب للاستقرار.

أوصل هذا التناقض إلى تصادم في ليبيا ومصر وسوريا وغزة واليمن والعراق وما من مؤشر على أن أي من اللاعبين بصدد تغيير موقفه. لا بل إن المتاريس باتت أعلى مع دخول لاعبين دوليين مثل تركيا وإيران وروسيا على خط هذا الانقسام.

لم يعد الرهان على حل الأزمة بل على احتواء تداعياتها على الأمور الدفاعية والأمنية، وضمان وحدة مجلس التعاون الخليجي

​​أما أميركا، التي بدا رئيسها دونالد ترامب متحمسا ومستعجلا لحل الأزمة العام الفائت، فهي رضخت للواقع بأن الخلاف سيطول على الأرجح، وأن عليها ضمان مصالحها الدفاعية والاقتصادية في ظل استمراره.

وفيما لا تقر الإدارة بذلك، إلا أن التأجيل لقمة كامب ديفيد (القمة الأميركية ـ الخليجية) يرتبط جزء منه بهذا الخلاف. فمستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون يريد تشكيل حلف "ناتو" عربي وهي فكرة قديمة تعود إلى عهد هاري ترومان في خمسينيات القرن الماضي، إنما فشلت واشنطن مرة بعد الأخرى في تحقيقها. وتنص الفكرة، أن يضم الناتو مجلس دول التعاون إلى جانب الأردن ومصر، ويعرف بـ"ميسا" كهيئة دفاعية واقتصادية وأمنية لمكافحة التهديدات المشتركة. لكن أي ناتو عربي وهناك دول داخله تعتبر أحدها الآخر تهديدا؟ وأي ناتو من دون وجود ثقة كافية بين اللاعبين لتبادل المعلومات الاستخباراتية؟

اقرأ للكاتبة أيضا: الانقسام الأميركي حول السعودية أبعد من قضية خاشقجي

بات الخلاف القطري مع الرباعية واقعا سياسيا تأقلمت معه عواصم المنطقة ـ من ضمنهم الدوحة ـ والأطراف الدولية. لم يعد الرهان على حل الأزمة بل على احتواء تداعياتها على الأمور الدفاعية والأمنية، وضمان وحدة مجلس التعاون الخليجي. أما الخلاف في حد ذاته، فقد يكون في طريقه لمزيد من التأزم والتباعد بعد قمة الرياض وفي ضوء الاصطفاف الإقليمي ودخول الأزمة كجزء من المحاور والمعسكرات المتنازعة.

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.