الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد محمد بن سلمان
الملك السعودية سلمان بن عبد العزيز وولي العهد محمد بن سلمان خلال القمة الخليجية الأخيرة

بقلم ديفيد بولوك/

في أعقاب فضيحة قضية الصحافي جمال خاشقجي، أظهر استطلاع جديد ونادر للرأي العام في المملكة العربية السعودية قلقا شعبيا واسعا حول الفساد والمشاكل الداخلية الأخرى ـ في حين تُظهر بيانات الاستطلاع أن الأقلية أيّدت المبادرة الرسمية للإصلاح الإسلامي. ومن المفارقات أيضا أن هذه السياسات السعودية التي تدعمها القوى الخارجية هي أيضا نفس السياسات التي أثارت جدلا داخليا واسعا.

وعلى النقيض من ذلك، يبدو أن الانتقادات الخارجية لموقف المملكة العربية السعودية بشأن قضايا السياسة الخارجية، لم يلق إلا صدى قليلا نسبيا داخل المملكة، وينطبق هذا بشكل خاص على عداوة المملكة العربية السعودية تجاه إيران، وتدخلاتها في اليمن ولبنان والميل إلى مقاومة النصائح الأميركية. كما أن صنع السلام مع إسرائيل قد لقي قبولا على نطاق واسع، أو على الأقل كتوجه طويل الأمد. وبشكل عام، يبدو أن الجمهور السعودي قد أصبح أكثر توافقا مع الخطوط العريضة للسياسة الخارجية لحكومته أكثر من توافقه معها في ما يتعلق بالأجندة الداخلية.

وبالنظر بشكل أوثق إلى الأسئلة الفردية، نجد أن هامش المناورة في الرياض والمرتبط بالرأي العام الداخلي يختلف اختلافا كبيرا من قضية إلى أخرى، حيث تكشف البيانات أنه لا يوجد قضية واحدة يختلف فيها الجمهور السعودي بشكل كبير مع نظامه. ومع ذلك، تشير نفس البيانات إلى وجود بعض البوادر التحذيرية الكامنة تحت السطح نتيجة عدم الارتياح.

في ما يتعلق بقضية السلام مع إسرائيل تطور الرأي العام السعودي بالتوازي مع السياسة الرسمية

​​بشكل ملحوظ، ولا سيّما في ضوء حملة "مكافحة الفساد" الرسمية التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، تقول أغلبية كبيرة من المواطنين السعوديين ـ 63 بالمئة ـ إن حكومتهم لا تزال تفعل "القليل جدا" لـ"الحد من مستوى الفساد في حياتنا الاقتصادية والسياسية".

ويعكس هذا المؤشر حالة عدم الرضا الشعبي ـ على الرغم من أنه من الصعب معرفة ما إذا كان هذا يدل على رغبة الحكام في شن حملات قمعية أكثر قسوة، أم أنهم سيعملون على تطهير وإصلاح بيوتهم. وأحد الدلائل على ذلك أن هناك أكثرية (41 في المئة) ترى أن المسؤولين السعوديين لا يقومون بما يكفي في ما يتعلق بـ "تقاسم عبء الضرائب والالتزامات الأخرى تجاه الحكومة بطريقة عادلة".

وعلاوة على ذلك، فإن الأكثرية الضيقة (36 في المئة)، ربما مع أخذ مسألة جمال خاشقجي في الحسبان، تقول إن الحكومة السعودية لا تفعل سوى "القليل" في ما يخص "حماية حريات وخصوصية المواطنين الأفراد". أما باقي الجمهور فينقسم بشكل كبير حول هذه المسألة: 32 في المئة يقولون إن الحكومة تفعل "ما يكفي" من أجل حماية حقوق الأفراد. في حين أن 28 في المئة يقولون إنها تفعل "أكثر من اللازم"، ما قد يعني عدم إنفاذ المحرمات الاسلامية والمحرمات الاجتماعية الأخرى بما فيه الكفاية.

باختصار، تفسر هذه الآراء المختلطة سبب موافقة الغالبية العظمى من السعوديين (79 بالمئة) على أن "الإصلاح السياسي والاقتصادي الداخلي هو أكثر أهمية بالنسبة إلى بلدنا من أي قضية تتعلق بالسياسة الخارجية".

لكن أي نوع من الإصلاح؟ هنا أيضا، تنقسم المواقف الشعبية السعودية انقساما عميقا. يقول الربع، الذي حافظ على موقفه منذ سنة خلت، "علينا الإصغاء إلى من هم بيننا الذين يحاولون تفسير الإسلام في اتجاه أكثر اعتدالا وتسامحا وحداثة". في حين يختلف ثلاثة أرباعهم، ومن بينهم 39 في المئة ممن يخالفونهم الرأي بشدة.

بيد أنّ الصورة تبدو أكثر إشراقا عندما يتعلق الأمر بـ"تعزيز المساواة وتكافؤ الفرص بالنسبة للنساء". فيعتقد ربع السعوديين أن حكومتهم لا تفعل سوى "القليل جدا". في حين يقول النصف إنها تفعل "ما يكفي". أمّا الربع المتبقي فيقول إن المملكة تفعل الآن "أكثر من اللازم" في هذا الشأن. وفى هذا الصدد، يبدو أن الحكومة السعودية تتماشى في هذه القضية مع التوجه العام للرأي العام.

اقرأ أيضا: الشكوك حول 'حزب الله' تبرز في لبنان، حتى بين الشيعة

وأكثر ما يثير القلق بالنسبة للقصر هو أن ربع السعوديين، وهي النسبة نفسها كما في العام الماضي، ما زالوا مستعدين للتعبير عن تعاطفهم مع جماعة "الإخوان المسلمين". ويشار إلى أن ذلك يتوازى مع أحدث النتائج المستخلصة من الاستطلاعات التي أجريت في مصر.

في الواقع، إن هذه النتائج جديرة بالذكر لأنه قد تم حظر جماعة "الإخوان المسلمين" على مدى السنوات القليلة الماضية باعتبارها منظمة إرهابية، كما تتعرض للتشهير بصورة روتينية من قبل جميع وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية، في كلا هذين البلدين العربيين الكبيرين.

أما في السياسة الخارجية، فإن الجمهور السعودي أكثر توافقا مع حكومته في عدد كبير من القضايا الرئيسية: العداء تجاه إيران، و"حزب الله"، والحوثيين في اليمن، والموافقة من حيث المبدأ على صنع السلام مع إسرائيل. وفي ما يتعلق بإيران، فإن نسبة 11 في المئة فقط من السعوديين يرون حتى أنه من "المهم نسبيا" إقامة علاقات جيدة مع هذا البلد المجاور في الطرف المقابل للخليج.

وبالمثل، يحصل العميل الإيراني "حزب الله" على تصنيفات سلبية من قبل 90 في المئة من الجمهور السعودي، ومن بينهم 71 في المئة ممن يعبرون عن وجهة نظر "سلبية جدا". أما الحوثيون في اليمن، الذين تواصل المملكة العربية السعودية خوض حرب دموية ضدهم، فقد صُنّفوا سلبا من قبل 93 في المئة من السعوديين ـ بمن فيهم ثلثان يعبرون عن وجهة نظر "سلبية للغاية".

وفي ما يتعلق بقضية السلام مع إسرائيل التي كانت مثيرة للجدل يوما، تطور الرأي العام السعودي بالتوازي مع السياسة الرسمية. في الواقع، لقد تراجعت القضية برمتها من حيث الأولويات الشعبية. إذ اختار 20 في المئة فقط أن يكون "الضغط بقوة لحل النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي" أولوية قصوى بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة. فبدلا من ذلك، تتمتع قضيتان أخريان بمكان الصدارة: "زيادة المعارضة العملية على تأثير إيران الإقليمي وأنشطتها"، و"بذل المزيد من الجهود لإيجاد حل دبلوماسي للأزمة في اليمن".

تقول أغلبية كبيرة من  السعوديين إن حكومتهم لا تزال تفعل "القليل جدا" لـ"الحد من مستوى الفساد في حياتنا الاقتصادية والسياسية"

​​ولكن عندما يكون التركيز على القضية العربية ـ الإسرائيلية، فإن السعوديين يرددون الآن الخط الرسمي المعتدل نسبيا. وكما كان الحال في استطلاعنا لعام 2017، فإن ثلثي السعوديين يوافقون على أنه "يجب على الدول العربية أن تؤدي دورا جديدا في محادثات السلام الفلسطينية ـ الإسرائيلية، ما يمنح الطرفين الحوافز لاتخاذ موقف أكثر اعتدالا". وقبل البدء بأي اتفاق سلام، تعتبر نسبة قليلة جدا من السعوديين ـ 20 في المئة فقط ـ أن "الدول العربية يجب أن تعمل مع إسرائيل على قضايا أخرى مثل التكنولوجيا، ومكافحة الإرهاب، واحتواء إيران". والآن، 28 في المئة فقط من السعوديين يتخذون موقفا "إيجابيا نسبيا" تجاه "حماس"، التي ترفض السلام مع إسرائيل.

وأكثر إثارة للدهشة هي المواقف المتعالية التي تتخذها السعودية تجاه الولايات المتحدة. إذ تعتبر أقلية من السعوديين أن العلاقات الجيدة مع واشنطن "مهمة نسبيا" بالنسبة لبلدهم ـ النسبة نفسها تقريبا تفيد بالرأي ذاته عن العلاقات مع روسيا، أو مع العراق. وفي هذا الصدد، يحظى الرئيس ترامب بتأييد إيجابي من قبل 9 في المئة فقط من السعوديين ـ تماما مثل الرئيس الروسي بوتين، أي أقل بكثير من النسبة التي تبلغ 25 إلى 30 في المئة والتي يحظى بها الرئيس الصيني شي، أو حتى الرئيس التركي أردوغان، الذي يعتبر منافسا إقليميا آخر للمملكة العربية السعودية. ومن الناحية الإيجابية، فإن 12 في المئة فقط من السعوديين يفضلون أن "تحدّ الولايات المتحدة من تدخلها في المنطقة".

هذه النتائج مأخوذة من دراسة استقصائية تجارية أجرتها إحدى الشركات الإقليمية المرموقة في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، وتتألف من مقابلات شخصية أجراها مهنيون محليون وجها لوجه مع عينة وطنية تمثيلية من ألف مواطن سعودي. لقد تم ضمان عدم الكشف عن هوية المستطلعين، ولم يتم الإبلاغ عن أي تدخل أو ترهيب، على الرغم من رفض نسبة صغيرة من الأسماء العشوائية المشاركة. كما أخِذت العينات باستخدام تقنيات الاحتمالية الجغرافية القياسية، ما أسفر عن هامش خطأ إحصائي قدره 3 بالمئة تقريبا.

ديفيد بولوك زميل أقدم في معهد واشنطن يركز على الحراك السياسي في بلدان الشرق الأوسط.

المصدر: منتدى فكرة

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟