عادت الاحتجاجات للشارع الأردني
عادت الاحتجاجات للشارع الأردني

بقلم نضال منصور/

لا يخفي وزير فاعل في الحكومة الأردنية حجم المصاعب والتحديات والعواصف التي تحاصر الحكومة، ولا يتردد في القول "استقالتي جاهزة في جيبي". ما يقوله الوزير يُفصح عنه رئيس الحكومة حين يتحدث عن تفاصيل وضغوط كثيرة يتعرض لها ولا يراها، حتى أصدقاؤه المقربين الذين يواصلون توجيه الانتقادات له ولمسار حكومته ومواقفها.

عادت الاحتجاجات للشارع الأردني، ورغم أن أعداد الذين تجمعوا في الساحة القريبة من رئاسة الحكومة لم يتجاوزوا المئات، إلا أن الشعارات التي رُفعت وهُتف بها تجاوزت القضايا المطلبية والسياسية التي اعتاد وتعايش معها الناس، ووجهت بعض الأصوات انتقاداتها لرموز النظام وتجاوزت بكثير الحكومة.

الحكومة أمام أزمة "وجودية"، في هذه الساعات من اليوم الخميس 13/12/2018 بعد أن دعا "الحراكيون" إلى العودة والاعتصام بالقرب من رئاسة الحكومة حاملين معهم شعارهم "معناش"؛ والوزير الذي كان يحدثني يرى أن الحكومة أمام مفصل ومنعطف مهم، فإما أن تتجاوز الأزمة، وتخرج منها قوية متماسكة، وإما أن تجرفها الأزمة وتهدد بقاؤها.

الهجوم الكاسح الذي تتعرض له الحكومة متعدد الجهات؛ فالحراكيون الذين يتظاهرون ويعتصمون، مطالبهم مطروحة في العلن، ولكن أكثر ما يهدد الحكومة هو "الضرب تحت الحزام" الذي تتعرض له من داخل بنية النظام، وبعض ما يُطلق عليهم قوى الشد العكسي التي "تشيطن" حكومة الرزاز وتلصق بها اتهام يتلوه اتهام.

وزير يحتفظ باستقالته في جيبه... والحكومة تتعرض لضرب من "تحت الحزام" وقوى الشد العكسي تشيطنها

​​يبدي الرئيس الرزاز هدوء منقطع النظير وهو يستمع للاتهامات التي توجه له، ويجلس مع مجموعة من "الحراكيين" في حوار مطول يسمع خلاله كل أنواع النقد القاسي، وأحيانا يخرج النقد عن لياقات الحوار، والأكثر قسوة في الكلام الاتهام له أنه "لا يملك الولاية العامة والقرار"، ويشار في هذا الخصوص إلى الاعتقالات التي طالت النشطاء السياسيين واستمرار توقيفهم.

كلما نزع رئيس الوزراء صاعقا، انفجر آخر؛ وهو ما يدفع مقربين من الحكومة للهمس أن هناك هجمة مبرمجة لإضعاف الحكومة إن لم يكن إسقاطها!

اقرأ للكاتب أيضا: باريس غاضبة وعمان على الحافة

قرر رئيس الحكومة سحب مشروع القانون المعدل للجرائم الإلكترونية الموجود بحوزة مجلس النواب بعد تفاهمات غير معلنة مع البرلمان، وكانت هذه الخطوة مهمة لسحب البساط بعد تزايد زخم الشعارات التي ترى أنه مشروع قانون "مكمم للأفواه"، ولكن المفاجأة التي لم نتوقعها أن الحكومة أنجزت تعديلات على المشروع في مدة لم تزد عن 72 ساعة، دون أن تجري مشاورات لإرضاء الشارع وامتصاص غضبه، وهو ما يؤشر إلى ضغوط غير مرئية على الحكومة من أطراف مختلفة يجري تداول هويتها في صالونات عمان.

صحيح أن التعديلات الجديدة التي قُدمت فيها خطوات إيجابية، ربما أهمها عدم العودة لتوقيف الإعلاميين ومستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، لكن التدقيق القانوني يكشف أنها غير كافية لصيانة حرية التعبير والإعلام.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

لا يتمحور الصراع في الأردن هذه الأيام فقط حول الهموم الاقتصادية، وإن كان السوق المالي (البورصة) شهد أسوأ أيامه بفضل قانون الضريبة الذي أقر، ولكن مشكلات من نوع آخر طفت ولا يُفصح عنها في مجتمع يوسم بأنه محافظ، وأصبحت بين ليلة وضحاها تقرأ وتشاهد لافتات على جسور وتقاطعات عمان.

"ما تسكتوش التحرش جريمة" هذا عنوان الحملة التي أطلقتها اللجنة الوطنية لشؤون المرأة بمناسبة حملة الـ 16 يوما لمناهضة العنف ضد المرأة، وهو ما دفع النائب في البرلمان مصلح الطراونة والمحسوب على المعارضة لانتقادها بعنف على صفحته على موقع فيسبوك بالقول "شو قصة التحرش الجنسي اللي معبية البلد في الإعلانات... عيب استحوا علينا... أخذتوا تمويل صحتين... راح نسألكوا من وين جبتوها... بس مشكلة الأردن مش مشكلة تحرش جنسي... مشكلة الأردن انتوا جزء منها ومن يمثلكم: عن التمويل الأجنبي بسولف... في مجال تسووا نفس الحملة لمكافحة الفساد والمفسدين وتوخذوا تمويل عليها... فيه مجال تسووا نفس الدعاية للتكافل الاجتماعي".

أكبر مشاكل الأردن، إنكار المشكلات الحقوقية والاجتماعية، وأي محاولات من مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات النسائية تواجه بكيل الاتهامات المعلبة لقادتها مثل التخوين، والتواطؤ مع جهات أجنبية، وتلقي التمويل الأجنبي.

الحكومة مطالبة أن تصغي لصمت وظلم النساء... فهذا لا يسقط حكومات فقط، وإنما يهدد المجتمعات إن انفجر

​​سلمى النمس شخصية نسائية قيادية مدافعة عن حقوق الإنسان، تترأس اللجنة الوطنية لشؤون المرأة، ولا ترتعد أقدامها وهي تخوض معركة وقف العنف ضد النساء، أو حين تطلق الحملة المضادة للتحرش الجنسي، بل تعلن أن 75.9 في المئة ممن شملتهم دراسة بحثية أفادوا أنهم تعرضوا لواحد أو أكثر من أفعال وسلوكيات التحرش.

وبينت النمس أن التحرش الإيمائي كان له النصيب الأكبر من الانتشار بنسبة 89.1 في المئة، في حين بلغ التحرش الجسدي بين أفراد عينة الدراسة 68.7 في المئة، والتحرش الإلكتروني 80.8 في المئة، وأشارت إلى أن الدراسة شملت 1366 شخصا، 86 في المئة منهم إناثا و14 في المئة ذكورا.

وأكدت نتائج الدراسة إلى أن الإجراءات الرسمية لا تشجع النساء والفتيات على التبليغ عن التحرش، وأن ثقافة الصمت لا زالت سائدة، حيث جاء الخوف على السمعة كأحد الأسباب للتصرف بشكل سلبي إزاء المعتدي.

وبالتزامن مع حملة اللجنة الوطنية لشؤون المرأة كان معهد تضامن النساء الذي تقوده أسمى خضر، وهي من رموز المدافعين عن حقوق الإنسان والحركة النسوية، يعلن أرقاما صادمة للمجتمع تفيد بأن "جريمة اغتصاب تحصل كل يومين ونحو ثلاث جرائم هتك عرض ترتكب يوميا في الأردن"، وهي أرقام مصدرها إدارة المعلومات الجنائية التابعة للأمن العام.

لفت معهد تضامن النساء لفت الى أن جريمة التحرش الجنسي تعتبر الحلقة الأولى من حلقات الاعتداءات الجنسية التي تتعرض لها النساء والفتيات إلى جانب الأطفال ذكورا وإناثا، وتمهد لارتكاب جرائم جنسية أخطر كهتك العرض والاغتصاب.

واعتبر المعهد أن "السكوت عن جريمة التحرش الجنسي يفتح الباب على مصراعيه أمام تمادي المتحرشين ومواصلة اعتداءاتهم الجنسية، وكيف لا وهم يتسلحون بالإنكار المجتمعي السائد، إضافة إلى حالة التسامح مع أفعالهم دون رادع أخلاقي ودون عقاب جذري".

دراسة تكشف أن 75.9 في المئة تعرضوا للتحرش الجنسي، وجريمة اغتصاب كل يومين

​​بالتأكيد، وجدت هذه الأرقام الصادمة عن جرائم الاغتصاب وهتك العرض وحتى التحرش الجنسي تفنيدا عند من ينكرون الظاهرة والمشكلة، فمنهم اعتبر أن الأرقام شكاوى لا يُعتد بها، وأن الأهم لتحديد أبعاد الظاهرة هو بالعودة للأحكام القضائية القطعية، لأن ذلك هو ما يشكل الحقيقة، وليس الادعاءات والشكاوى الكيدية.

وهناك من أحال حملة "ما تسكتوش عن التحرش الجنسي" إلى مادة للتندر، وطفحت مواقع التواصل الاجتماعي بأسئلة كيف تفرق بين الغزل والتحرش والعلاقات الرضائية، وكيف نضمن أن لا يسهم التعريف القانوني الموسع لمفاهيم التحرش بتزايد قضايا الاستهداف والكيدية؟

اقرأ للكاتب أيضا: 'كرت أحمر' بوجه حكومة الرزاز؟

الأقرب للتصديق في مجتمع محافظ، أن المرأة حين تلجأ للبوح عمّا تتعرض له من جرائم تحرش، في الغالب الأعم يكون قد "طفح الكيل" بها، وما عادت قادرة على الصمت والسكوت، وبأنها قبلت المخاطرة والمجازفة بالصورة النمطية التي ستلحق بها، وبالاتهامات والتأنيب في مجتمع يحيل الضحايا إلى معتديات، وبأنهن السبب بما حدث، والذرائع لذلك تبدأ ولا تنتهي.

الحكومة المحاصرة بالاتهامات من المحتجين الذين يشكون الفقر والبطالة، مطالبة أيضا أن تنظر أبعد من هذا المشهد وأن تصغي لصمت النساء والظلم والاضطهاد الواقع عليهن، فهذا لا يسقط حكومات فقط، وإنما يهدد المجتمعات إن انفجر!

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!