مدينة درعا السورية
مدينة درعا السورية

عمران سلمان/

الحروب لا تبدأ مع انطلاق المدافع أو زخات الرصاص. حين يحدث ذلك يكون الوقت قد تأخر بالفعل. تبدأ الحروب تبدأ أولا في العقول والنفوس ثم مع الوقت وتوفر الظروف المناسبة تتجسد على أرض الواقع. إن الحيلولة دون نشوب الحرب ينبغي أن تبدأ بإزالة بذرة العنف والدمار من العقول والنفوس، بدلا من اللجوء إلى الوساطات بعد انتشارها. مثل الشجرة حين تزرع بذرتها في الأرض وتترك فإنها تنمو وتكبر، وتصبح إزالتها كل يوم أصعب مما قبله.

النفس الأمارة بالسوء

يجادل السياسيون دائما بأن للحروب أسبابها المنطقية التي لا مفر منها أحيانا، وأن أعمال العنف قد تكون مقبولة، إذا كانت تخدم غرضا لهذا البلد أو ذاك، أو هذه القضية أو تلك. بل هناك من يذهب إلى تقسيم الحروب إلى أنواع منها: الحرب العادلة والاستباقية والهجومية والدفاعية والرادعة... إلخ.

الحقيقة أنه لا توجد أي حرب يمكن تبريرها بأية غاية، سوى خدمة النفس الأمارة بالسوء، وتحديدا جانبيها الخوف والطمع.

فالحروب تشن عادة طمعا في السيطرة وتأكيدا للغلبة والتفوق، ورغبة في الإخضاع وكسر الإرادة. وهذه كلها صفات "الأنا" أو "النفس" حين تتضخم لدى الإنسان وتستحوذ عليه كلية. فلا يعود الإنسان يملك نفسه، وإنما يصبح مجرد عبدا للأنا.

إن الحروب وأعمال العنف، تنتمي بجملتها إلى المرحلة "الحيوانية" في تطور الجنس البشري

​​إن النفس تصور للإنسان بأنه الأفضل والأقدر والأكثر حكمة وسياسة وذكاء، وبالتالي يتعين عليه أن يحصل على الاعتراف من الآخرين بذلك، وإن لم يفعلوا ينبغي عليه أن يخضعهم. وهي تسوغ له ذلك باعتباره أمرا مشروعا، وأحيانا عادلا.

حين كان بعض الناس يسألون زعيم تنظيم "القاعدة" في العراق أبو مصعب الزرقاوي، لماذا تقتلون الناس بالجملة وبينهم أبرياء؟ كان جوابه: إن كان القتيل بريئا فقد عجلنا بذهابه إلى الجنة، وإن كان مذنبا فقد خلصنا المسلمين من شره!

اقرأ للكاتب أيضا: الحلاج : 'أنيّتي' و'أنيّة' الله

هذا المنطق ليس نتاج أي دين أو تعاليم أو تفسيرات دينية، بل هو منطق "الأنا" المتضخمة لدى الإنسان، والتي تستخدم الدين وغير الدين لأغراضها.

مواجهة الشر بالشر تقويه

يميل عدد لا بأس به من الناس أيضا إلى تشجيع مواجهة الشر بالشر. ففي النزاعات الداخلية مثلا وخاصة المسلحة منها، يعتبر هؤلاء أن الرد على عنف الحكومات، ينبغي أن يكون من نفس الجنس. ويذهبون إلى الاستشهاد بالأديان والمواثيق الدولية وما شابه لتبرير ما يعتبرونه دفاعا عن النفس.

ولا ريب أن الطبيعة البشرية (وهي طبيعة في مجملها خاضعة لسيطرة الأنا) تميل إلى هذا النوع من الرد، وتعتبره إجراء منطقيا ومشروعا.

لكن الواقع أن مواجهة العنف بالعنف، لا توقف المعتدي، وإنما تقويه. إنها تقدم له مبرر استخدامه للعنف بأثر رجعي. ثم أنها تشيع ثقافة العنف على جانبي النزاع، وتديم استمراره. والحقيقة أنه لا حدود للعنف، فكلما ازداد ضراوة، كلما شعرت "الأنا" المتضخمة بأنها بصدد تحقيق غاياتها وأمانيها.

إن مواجهة العنف بالعنف، لا توقف المعتدي، وإنما تقويه

​​على العكس من ذلك فإن مواجهة العنف بالسلم وعدم الانجرار إلى منطقه، تنزع عنه كل مبرر، بل وتجعله فعلا مستحيلا بذاته. إن الأمر هنا أشبه بشد الحبل، فلكما شد الحبل من الطرفين، كلما أصبح أقسى وأشد، حتى يكاد ينقطع. في حين إذا شد شخص طرف الحبل بينما الثاني أرخاه، صعب على الأول مواصلة الشد. بل لن تكون هناك عملية شد من الأساس.

طبعا "الأنا" لدى الإنسان تعتبر ذلك ضعفا وجبنا، وتحاول إقناعه بضرورة الدفاع عن نفسه، وعدم ترك الآخرين يستهينون به أو يستضعفونه.

لكن الحقيقة هي أن ذلك التصرف هو منتهى الشجاعة والحكمة. الشجاعة في مواجهة "الأنا" ومنعها من الاستجابة لداعي العنف، وكبح جماح الغرائز البدائية وهذا هو الأمر الأصعب لدى كل إنسان. والحكمة في إدراك أن التزام جانب السلم، ينقل عبء مشكلة العنف وأزمته إلى الطرف الآخر، حيث يجعله يرى بنفسه ما يقوم به من أعمال وانتهاكات، فيكون ذلك مبررا للردع. بينما مواجهة العنف بالعنف يجعل الاثنين في حالة غياب تامة، مما يسهل معه تحول العنف إلى أعمال وحشية.

أنا أصغر = عنف أقل

إن الحروب وأعمال العنف، تنتمي بجملتها إلى المرحلة "الحيوانية" في تطور الجنس البشري (المعادن/ النبات/ الحيوان/ الإنسان). وليست هناك قضية أو مشكلة لا يستطيع الإنسان حلها من دون اللجوء إلى العنف.

ولعل الأهم ليس فقط أننا لا يجب أن نلجأ إلى العنف، وإنما أيضا كيف نزيل مبررات استخدام العنف عند الطرف الآخر، بحيث لا يعود ممكنا ممارسة العنف ابتداء. إن الخطوة الأولى على هذا الطريق لا تبدأ من الآخر، وإنما من الإنسان نفسه. فحين ينشغل الإنسان بإصلاح عيوبه وأخطائه ويقوم بعملية خلق نفسه من جديد وتقديم الصيغة الأفضل منه، فإنه يقدم نموذجا إيجابيا للآخرين، لا يملكون معه سوى الإعجاب به والعمل على تقليده.

ثمة أوقات يصعب فيها وقف العنف أو الحرب من دون التدخل عسكريا، لكن التدخل الذي يلجأ إليه الإنسان مكرها شيء وشن الحرب شيء آخر

​​بالطبع ثمة أناس سيكونون بالمرصاد لهذا الإنسان، لأن ما يفعله يشكل تهديدا لسيطرة "الأنا" لديهم. وهم سوف يقومون بكل ما يستطيعون من استفزاز وتحرش لإعادته من جديد إلى حضن "الأنا"، وأحياء الغرائز البدائية لديه، لكن وعيه واستمراره على ذات الطريق من شأنه أن يصيب "الأنا" باليأس ومن ثم يدفعها مع الوقت إلى الرضوخ.

إن من المهم أن نستوعب أن العنف لا يتم بين الأشخاص حقيقة، ولكنه يتم بين "الأنا" لدى إنسان و"الأنا" لدى إنسان الآخر. كلا "الأناتين" تتصارعان على إحراز لقب "الأقوى" و"الأقدر" و"الأفضل".

اقرأ للكاتب أيضا: فضيلة التعدد الثقافي وعقدة الخوف من الآخر

لذلك كلما كانت "الأنا" في الإنسان أصغر وأضعف ولا يمكن ملاحظتها، كلما صعبت ممارسة العنف، والعكس صحيح. ولهذا نصادف أحيانا بعض البشر الذين لا يمكننا أن نتخيل إمكانية ممارسة العنف معهم (فعلا أو لفظا)، لأنهم ببساطة لا يتركون لنا سبيلا لذلك.

أخيرا، أعلم تماما بأن هذا الأمر ليس سهلا مثلما يبدو. فثمة أوقات يصعب فيها وقف العنف أو الحرب من دون التدخل عسكريا، لكن التدخل الذي يلجأ إليه الإنسان مكرها شيء وشن الحرب شيء آخر. والمهم كما أسلفت في أكثر من مكان هنا، هو العمل على جعل الحرب أو العنف خيارا صعبا إن لم يكن مستحيلا.

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.