سعد حسني ورشدي أباظة في صورة تعود إلى سبعينيات القرن الماضي
سعد حسني ورشدي أباظة في صورة تعود إلى سبعينيات القرن الماضي

كوليت بهنا/

بسبب استقلالها النسبي عن السلطنة العثمانية في القرن التاسع عشر، تميزت مصر بداية القرن العشرين وحتى منتصفه بتطورها المدني والحضاري على كافة الأصعدة. عرفت كمنارة عربية استثنائية فتحت ذراعيها للوافدين إليها ومنحتهم الفرص لتحقيق الثروات والشهرة في كافة المجالات وبخاصة الفنون والإبداع، دون أن يعني ذلك أن سُبُلهم كانت سهلة ومعبدة بالزهور في المطلق.

تشرح السيرة الذاتية لحياة أي من الوافدين بدايات حياتهم الصعبة وكافة العراقيل التي وضعت في طريقهم والحروب التي خاضوها لإثبات وجودهم وتكريس أسمائهم في جو مفعم بالتنافسية، لكن معظم من قصدها "تمصرن" في المحصلة، وبخاصة نجوم الفن والغناء الذين صاروا جزءا أصيلا من النسيج الفني والإبداعي المصري، وتركوا آثارا قيمة تسجل اليوم كعلامة فارقة وقيمة مضافة في التاريخ المصري.

لم يكن فريد الأطرش أول من قصد مصر، إذ عرفت أم الدنيا بدايات القرن العشرين هجرات كثيرة لعائلات وأفراد جاؤوها من بلاد الشام

​​من بين المبدعين الكبار الذين احتضنهم مصر، الأمير فريد الأطرش، وهو الموسيقار والملحن والممثل والمنتج الذي تحل ذكرى وفاته الرابعة والأربعين في السادس والعشرين من شهر كانون الأول/ديسمبر الجاري، والذي غادر إلى مصر وهو طفل مع والدته وأخوته من مدينة السويداء في الجنوب السوري هربا من تنكيل الاحتلال العثماني لأسرته ومن ثم ملاحقة الاحتلال الفرنسي. وأسرته عائلة أمراء عريقة تنحدر من سلالة فخر الدين المعني عرفت تاريخيا بمواقفها النضالية والوطنية وقيادة الحركات التحررية ضد المستعمرين. عاش فريد في مصر بداية حياته مع أسرته كأمير فقير إلى أن وضع هو وأخته آمال المعروفة باسم أسمهان خطواتهما الأولى في درب الفن والمجد والشهرة منحتها لهما مصر بكثير من التقدير والامتنان لإبداعيهما.

اقرأ للكاتبة أيضا: خدش حياء

لم يكن فريد الأطرش أول من قصد مصر، إذ عرفت أم الدنيا بدايات القرن العشرين هجرات كثيرة لعائلات وأفراد جاؤوها من بلاد الشام التي كانت تغرق في الحروب والاضطرابات والمجاعات، يسمون إلى اليوم بـ "شوام مصر" وعملوا في مجالات اقتصادية هامة من أبرزها قطاع المصارف وصياغة الحلي الذهبية والحرف التراثية اليدوية والتجارة المعروفين تاريخيا بأنهم من "شطّارها". ساهم هؤلاء في تأسيس الصحافة المصرية والسينما والمسرح.

وفي مجال الفن والإبداع تحديدا، سطع نجوم كثر من أشهرهم أنور وجدي وبديعة مصابني وفايزة أحمد وسعاد حسني وشقيقتها نجاة الصغيرة المنحدرتان من عائلة "البابا" الدمشقية، وعمر الشريف المنحدر من عائلة "شلهوب" في مدينة زحلة اللبنانية.

كما هرب اثنان من عائلة بهنا من مدينة حلب بداية القرن وساهما كرائدين في بدايات السينما المصرية وأنتجا أول فيلم مصري ناطق، إلى أن تحولا لاحقا من الإنتاج إلى التوزيع وعرفت شركتهما، "بهنا فيلم"، كأكبر وأشهر شركة توزيع للأفلام في العالم العربي.

وقبل هؤلاء جميعا قصد مصر، في القرن التاسع عشر، أبو خليل القباني رائد المسرح العربي ورائد المسرح الغنائي المصري والعربي، هربا من بطش العثمانيين والظلاميين الذي نكلوا به وبمسرحه في دمشق.

مصر المنفتحة تلك غير مصر اليوم التي لجأ إليها آلاف السوريين بعد عام 2011 ينشدون الأمان والاستقرار والعمل. دخلوها بداية بدون تأشيرة دخول، وسجل بعضهم بصفة لاجئين دون أن يقيموا في مخيمات مثل حال السوريين في الأردن ولبنان وتركيا، وانخرط معظمهم في سوق العمل المصرية يستثمرون ما حملوه معهم من أموال.

قلة من السوريين الذين لجأوا إلى مصر من فئة التجار والصناعيين الكبار المعروفين في السوق السورية، وفتحوا المصانع أو المتاجر الكبرى المشابهة لتلك التي كانت في المدن السورية والتي ترفد الاقتصاد المصري اليوم؛ فيما الأغلبية، وهم من الحرفيين أو ذوي الدخل المحدود تعاونوا لإقامة مشاريع صغيرة تعيلهم، وأبرزها تلك المختصة في الحرف الصغيرة وصناعة الأطعمة السورية، ورغم أنهم آثروا العمل وعزة النفس، لم ينج هؤلاء "الشوام" المنكوبين من الاتهامات التي تكال لهم بين الحين والآخر بسرقة فرص العمل من المصريين، إضافة إلى اتهامات سياسية وأيديولوجية سابقة وجهت لبعضهم بمشاركتهم في الاضطرابات التي حدثت خلال مرحلة إسقاط الرئيس السابق محمد مرسي.

صحيح أن كافة الدول العربية، عدا السودان، أغلقت أبوابها في وجه السوريين، إلا أن وقع الأمر عليهم في مصر كان أكبر وأكثر إيلاما

​​وعليه، أغلقت أبواب مصر عام 2013 في وجه السوريين وحتى اليوم، حيث لا يسمح بدخولهم من مختلف الفئات العمرية إلا بتأشيرة دخول وموافقة أمنية، وكثيرا ما يدعى نجوم الإبداع أو الكتاب من السوريين للمشاركة كضيوف شرف أو المشاركة بأعمالهم الإبداعية في مهرجانات فنية، لكنهم إن تمكنوا من الحصول على تأشيرة دخول بعد توصيات شديدة من إدارة المهرجان، إلا أن معظمهم لا يتمكنون من الحصول على الموافقة الأمنية "الغريبة" في الأعراف الدولية والدبلوماسية، كما لا يسمح بلم الشمل وزيارات الأهل لأبنائهم أو الأبناء لأهاليهم حتى لمن يحملون وثائق سفر من دول اللجوء عبر العالم إلا بوساطات كبيرة أو التسلل بطرق غير شرعية عبر الصحراء السوادنية ـ المصرية.

اقرأ للكاتبة أيضا: مؤسسة الزواج

صحيح أن كافة الدول العربية، عدا السودان، أغلقت أبوابها رسميا في وجه السوريين، إلا أن وقع الأمر عليهم في مصر كان أكبر وأكثر إيلاما لمكانة مصر في ذاكرتهم ووجدانهم والعلاقات الطيبة والتاريخية المتبادلة بين الشعبين، مع التنويه إلى أن أغلب السوريين في مصر اليوم يشيرون باستمرار إلى طيبة ومحبة الشعب المصري وتعاطفه مع أوجاع السوريين ومعاملتهم كأشقاء يمرون في محنة عسيرة.

ولا شك أن هذا التضييق بأشكاله على السوريين ليس إلا محض سياسة أنظمة لا تنفك تردد شعارات كبرى واهية حول وحدة الشعوب العربية والمصير المشترك والقومية العربية، ومن بينها تلك الأغنية التي يتذكرها السوريون جيدا وكانت الإذاعة المصرية تبثها باستمرار في زمن الوحدة السورية المصرية 1958 ـ 1961 يردد فيها محمد قنديل من كلمات بيرم التونسي "أنا واقف فوق الأهرام وقدامي بساتين الشام".

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.