لاجئون سوريون يعاينون ما تبقى من مخيمهم، في البقاع شرق لبنان، بعد أن التهمته النيران
لاجئون سوريون يعاينون ما تبقى من مخيمهم، في البقاع شرق لبنان، بعد أن التهمته النيران

منى فياض/

افتتحت إسرائيل سؤال الهوية في المنطقة، باحتلالها فلسطين. شكل هذا الاحتلال تهديدا للهوية الثقافية العربية، وأثار قلق الهوية اللبنانية جراء اللجوء الفلسطيني إلى لبنان وما استتبعه. لم تظهر المشكلة مباشرة، بل مع الوقت ومع تداعيات اللجوء وبروز عقدة التوطين.

ردة الفعل الأولى في لبنان كانت احتضان اللاجئين والتعاطف معهم، بحكم علاقات الجوار التاريخية وروابط الألفة والتبادلات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية. لكن مع الوقت تحول الوجود الفلسطيني إلى مشكلة عندما تم توظيفه في الصراعات الداخلية وإثر انقسام المجتمع اللبناني حوله على خلفية الانقسام الطائفي ـ السياسي.

كتب صديق فلسطيني على صفحته في موقع فيسبوك: "تسأل فلسطيني من سكان سوريا، من أين انت؟ فيجيب على الفور: فلسطيني سوري. أما عند سؤال فلسطيني من سكان لبنان، من أين أنت؟ فيجيب على الفور: فلسطيني من سكان لبنان".

الأنظمة العربية الاستبدادية فشلت في التنمية وفي بناء هوية وطنية جامعة ما ساهم في بروز هويات فرعية دينية

​​وعلق الصديق قائلا: "إن لبنان مع كل ما يحمله من حيرة الهوية وتوترها، لم يعطنا الفرصة كي نقول: فلسطيني لبناني.

فلماذا اختلفت ردتا الفعل؟ القول بعنصرية اللبنانيين لا يستقيم.

هناك قاعدة سوسيولوجية لا تؤخذ بعد بعين الاعتبار: يتسبب التهجير عموما بقدوم فائض سكاني مفاجئ من مكون خارجي عن مكونات المجتمع المعني ما يشكل صدمة إلى جانب ارتفاع الكثافة السكانية والاكتظاظ. وهو تحد مهم على مستوى الاستيعاب.

اقرأ للكاتبة أيضا: 'حزب الله' والتعطيل: مواد وصفة الانفجار صارت جاهزة

ولنأخذ مثالا؛ كوب ماء له سعة معينة، أي إضافة فجائية لكمية أكبر من السعة تجعله يطفح. وهذا ما يحصل في لبنان سابقا والآن.

ومن المتعارف عليه أن الكثافة السكانية تعد من العوامل المؤدية إلى ارتفاع الجرمية غير القصدية أو ما يسمى بالعنف. وإذا عدنا إلى الأرقام لفهم الفرق بين الوضعين وقارنا بين عدد اللاجئين إلى كل من لبنان وسوريا نسبة إلى عدد السكان والمساحة وطبيعة النظام في البلدين؛ سنجد ما يلي ـ مع الإشارة إلى أن الأرقام غير دقيقة كالعادة في بلادنا:

دخل لبنان عام 1948 ما يقدر بـ 103 آلاف فلسطيني أو أكثر. الرقم المؤكد هو أن عدد سكان لبنان الكلي عام 1932 كان 785,542 نسمة.

دخل الى سوريا في الوقت نفسه 85 ألفا وقدر عدد السكان عام 1934، بـ1.889.069.

المشكلة في لبنان أنه ضيق المساحة ومكتظ. ما يعني صعوبة المقارنة في القدرة على الاستيعاب بين البلدين. استقبلت سوريا عددا أقل من اللاجئين مع عدد سكان أكبر ومساحة وبنية زراعية وصناعية أكبر ما يعني قدرة أكبر على الاستيعاب.

يضاف إلى ذلك الدور السياسي والعسكري الذي لعبته منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وما عُرف بـ"فتح لاند". وهو أمر لم تتعرض له سوريا.

ناهيك عن اختلاف نظامي الحكم؛ واحد ديموقراطي ليبرالي وآخر توتاليتاري مركزي مع اقتصاد موجه، قيد حركتهم، أسوة بالشعب السوري على كل حال. ونظرا لذوبانهم النسبي أمام تزايد عدد السكان السوريين الكبير لم يظهر اللاجئون الفلسطينيون ككتلة مهددة للهوية السورية، على عكس ما حصل في لبنان. بالطبع سينتج عن هذا التهديد العودة إلى هويات فرعية متصارعة ومتنازعة.

اليوم، تتجدد المشكلة مع المهجرين السوريين، فنسبتهم تكاد تبلغ نصف عدد سكان لبنان، ويشكل هذا ضغطا وظاهرة غير مسبوقة على المستوى العالمي، ما يؤثر على بنية المجتمع وتماسكه.

لنتذكر أن هجرة مليون واحد إلى أوروبا، التي تعد 300 مليون نسمة، أثارت الاضطرابات وانعكست موجات شعبوية وعنصرية وأدت إلى بريكسيت وغيره.

أما الإجابة عن تساؤل الصديق عن الهوية اللبنانية القلقة، فتعود في جزء منها إلى جغرافية لبنان وموقعه بين دول قوية واحدة عدوة وواحدة غير صديقة. من دون نسيان ضغط النظام العربي ككل. كما أن موقع لبنان بين ساحل ضيق وجبل شامخ، على حد تعبير ميشال شيحا، يجعل اللبناني ينزع إلى الهجرة والمخاطرة وهو نوع من القلق القاعدي.

إضافة إلى ذلك متلازمة أن لبنان دولة مصطنعة ضائعة الهوية، وأن الدول الوطنية في المنطقة تعتبر بدعة وفرضت بالقوة من قبل الاستعمار واتفاق سايكس ـ بيكو.

أود هنا التأكيد على بعض الأفكار:

الفكرة الأولى، أن أوروبا لم توجد كدول وطنية في الأصل. الدولة الوطنية لا تولد جاهزة وناجزة، بل هي الشكل السياسي الذي تنامى مع المَلَكية المركزية ومع التنظيم الإداري والطرق والسرعة، واتخذت شكلها ultime النهائي مع ريشيليو، أحد مؤسسي الدولة الحديثة. ولم يتخذ هذا المفهوم كامل معناه الحالي سوى في القرن العشرين مع تقدم مفهوم الإنسانية ووحدة العالم.

اتبع العالم العربي المسار نفسه في مرحلة زمنية لاحقة.

الصراع الهوياتي الديني والمذهبي ليس قدرنا الذي فطرنا عليه وأن علينا التعامل معه

​​الفكرة الثانية أن الأنظمة العربية الاستبدادية فشلت في التنمية وفي الدفاع عن القضية الفلسطينية، كما فشلت في بناء هوية وطنية جامعة ما ساهم في بروز هويات فرعية دينية مع الإسلام السياسي الذي شجعته ـ الأنظمة نفسها ـ في وجه الشيوعية واليسار. من هنا جاء شعار "الإسلام هو الحل" ما ساعد على بروز القاعدة والجهاديين وصولا إلى تنظيم "داعش". كل هذا عمق التمسك بهويات فرعية.

الفكرة الثالثة أن الصراع الهوياتي الديني والمذهبي ليس قدرنا الذي فطرنا عليه وأن علينا التعامل معه كمكون أزلي لا يمكن التخلص منه. هناك تجارب، ولو قصيرة في الزمن، مرت بها بعض دولنا فاقتربت فيها من فكرة الانتماء إلى هوية وطنية على غرار ما هو حاصل في الغرب.

أشير، وباختصار، إلى تجربة كل من: العراق أيام الملكية، وسوريا قبل حكم آل الأسد، ولبنان إبان حكم الشهابية. في ظل أنظمة حكم استطاعت ممارسة سياسة وطنية جامعة ضعفت الهويات الدينية والعشائرية والمذهبية في حينها، في مقابل تعزيز ثقافة المواطنية بسبب سياسات إنمائية متوازنة وخطاب وطني جامع.

لكن الهوية الوطنية كي تتعزز تحتاج إلى ممارسة دولة وطنية توفر حكم القانون والعدالة والمساواة بين أبنائها. وتحتاج هذه الهوية إلى العمل الدؤوب لتدعيم فكرة الولاء الوطني عبر الممارسة عن طريق دعم الهوية الوطنية عبر المؤسسات والتنمية العادلة. الأمر الذي لم يطبق كما يجب إلا مع حكم الرئيس فؤاد شهاب في لبنان، وهو حكم أجهض من قبل الطائفيين المستفيدين من الوضع السابق واللاحق.

الفكرة الرابعة، أن الثورة الإسلامية الإيرانية ساهمت في إعادة إحياء الصراع السني ـ الشيعي من ناحية، والفارسي ـ العربي من ناحية أخرى عندما تغلغلت في النسيج الاجتماعي العربي وسلخت عنه الشيعة وربطتهم بهويتهم المذهبية.

إذن هناك عوامل خارجية عدة تهدد الهوية العربية كما اللبنانية: إسرائيل، التدخل الإيراني، والتركي لو بنعومة أكبر في محاولته استعادة الإمبراطورية العثمانية ـ التركية.

لكن للمفارقة، فإن الاعتداءات الخارجية المماثلة تقوي الهوية الوطنية ولا تضعفها. ولا تعوزنا الأمثلة؛ فالهوية الفلسطينية تبلورت وقويت جراء الاعتداءات الإسرائيلية. الهوية العربية لم تضعف ولقد برهنت الثورات على ارتباط عضوي بين الشعوب العربية.

وبرهنت الأبحاث أن الهوية اللبنانية قويت بعد العام 2011 وبعد محاولة استتباعها ـ الجارية حتى الآن ـ إلى محور الممانعة والمحور الإيراني. (ولقد تبين هذا في بحث أجراه شبلي التلحمي في عدد من البلدان العربية وعلى عدة مراحل وتبين معه أن نسبة من يعتبرون أنفسهم لبنانيين أولا ارتفعت بعد العام 2011 عما قبل. وهذا ينطبق على الهوية الفلسطينية والعراقية أو السورية.

إن الرموز التي تصوغ الهوية لا تنشأ عرضا بل ينشئها مهندسو رموز يكونون على نحو عام ساسة وأناسا يعملون في خدمتهم

​​يقودنا هذا إلى الفكرة الخامسة؛ إن التهديد الفعلي للهوية اللبنانية هو التحدي الذي تتعرض له حاليا، والذي مهدت له الأحداث في السنوات الأخيرة حين فشلت الدولة في العمل على مواجهة الأخطار المحدقة بلبنان.

أوصلت الممارسة السياسية خلال السنوات الماضية وهيمنة الشيعية السياسية ـ بسلاحها ـ على لبنان الأمور إلى تعبئة الصراعات المذهبية بحدة لم يعرفها لبنان من قبل.

الصراع الداخلي وانفصال فئة عن المجموع وإعلان ولائها لدولة أجنبية؛ هي عوامل تضعف الهوية الوطنية.

التعريف المتعارف عليه للهوية

الهوية التي تسمح بتمييز الشخص عن جميع الآخرين هي تذكرة الهوية التي تحمل صورة الشخص ومعلومات تحدد من هو كفرد مختلف عن كل الآخرين، تحدد انتماء الشخص إلى بلد محدد ويمتلك حقوقا معينة في حدود الدولة الوطنية، للتمييز بين الولاء الوطني مقابل الانتماءات العضوية العديدة والتي يمكن أن تكون عابرة للحدود، لكنها لا تعرف الشخص بتماميته.

اقرأ للكاتبة أيضا: تدني معيار 'الديمقراطية' في العالم العربي

الفكرة السادسة؛ إن الشعور الوطني يبنى وتساعده الثقافة الوطنية ويبلوره شعراؤه وأدباؤه وفنانوه، على غرار دور الرحابنة.

ترتكز الهوية الوطنية على الرموز: فالعلم والنشيد الوطني والشعار والأسطورة المؤسسة للوعي أو الشخصية التي تجسد في ظاهر الأمر "الصفات الوطنية" هي العكاز الذي تتوكأ عليه هذه الهوية الوطنية.

إن الرموز التي تصوغ الهوية لا تنشأ عرضا بل ينشئها مهندسو رموز يكونون على نحو عام ساسة وأناسا يعملون في خدمتهم. وليس أدل على أن الهوية الوطنية وفكرة الوطن، بناء يشتغل عليه وتتم صيانته برموش العين، من إسرائيل نفسها والهوية الإسرائيلية التي جمعت مجموعات من اليهود تنتمي إلى شعوب وثقافات وحضارات متنوعة؛ نجحت حتى الآن في جمعها في بوتقة واحدة، اسمها الهوية الإسرائيلية التي تعمل على تنقيتها دينيا.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!