لاجئون سوريون يعاينون ما تبقى من مخيمهم، في البقاع شرق لبنان، بعد أن التهمته النيران
لاجئون سوريون يعاينون ما تبقى من مخيمهم، في البقاع شرق لبنان، بعد أن التهمته النيران

منى فياض/

افتتحت إسرائيل سؤال الهوية في المنطقة، باحتلالها فلسطين. شكل هذا الاحتلال تهديدا للهوية الثقافية العربية، وأثار قلق الهوية اللبنانية جراء اللجوء الفلسطيني إلى لبنان وما استتبعه. لم تظهر المشكلة مباشرة، بل مع الوقت ومع تداعيات اللجوء وبروز عقدة التوطين.

ردة الفعل الأولى في لبنان كانت احتضان اللاجئين والتعاطف معهم، بحكم علاقات الجوار التاريخية وروابط الألفة والتبادلات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية. لكن مع الوقت تحول الوجود الفلسطيني إلى مشكلة عندما تم توظيفه في الصراعات الداخلية وإثر انقسام المجتمع اللبناني حوله على خلفية الانقسام الطائفي ـ السياسي.

كتب صديق فلسطيني على صفحته في موقع فيسبوك: "تسأل فلسطيني من سكان سوريا، من أين انت؟ فيجيب على الفور: فلسطيني سوري. أما عند سؤال فلسطيني من سكان لبنان، من أين أنت؟ فيجيب على الفور: فلسطيني من سكان لبنان".

الأنظمة العربية الاستبدادية فشلت في التنمية وفي بناء هوية وطنية جامعة ما ساهم في بروز هويات فرعية دينية

​​وعلق الصديق قائلا: "إن لبنان مع كل ما يحمله من حيرة الهوية وتوترها، لم يعطنا الفرصة كي نقول: فلسطيني لبناني.

فلماذا اختلفت ردتا الفعل؟ القول بعنصرية اللبنانيين لا يستقيم.

هناك قاعدة سوسيولوجية لا تؤخذ بعد بعين الاعتبار: يتسبب التهجير عموما بقدوم فائض سكاني مفاجئ من مكون خارجي عن مكونات المجتمع المعني ما يشكل صدمة إلى جانب ارتفاع الكثافة السكانية والاكتظاظ. وهو تحد مهم على مستوى الاستيعاب.

اقرأ للكاتبة أيضا: 'حزب الله' والتعطيل: مواد وصفة الانفجار صارت جاهزة

ولنأخذ مثالا؛ كوب ماء له سعة معينة، أي إضافة فجائية لكمية أكبر من السعة تجعله يطفح. وهذا ما يحصل في لبنان سابقا والآن.

ومن المتعارف عليه أن الكثافة السكانية تعد من العوامل المؤدية إلى ارتفاع الجرمية غير القصدية أو ما يسمى بالعنف. وإذا عدنا إلى الأرقام لفهم الفرق بين الوضعين وقارنا بين عدد اللاجئين إلى كل من لبنان وسوريا نسبة إلى عدد السكان والمساحة وطبيعة النظام في البلدين؛ سنجد ما يلي ـ مع الإشارة إلى أن الأرقام غير دقيقة كالعادة في بلادنا:

دخل لبنان عام 1948 ما يقدر بـ 103 آلاف فلسطيني أو أكثر. الرقم المؤكد هو أن عدد سكان لبنان الكلي عام 1932 كان 785,542 نسمة.

دخل الى سوريا في الوقت نفسه 85 ألفا وقدر عدد السكان عام 1934، بـ1.889.069.

المشكلة في لبنان أنه ضيق المساحة ومكتظ. ما يعني صعوبة المقارنة في القدرة على الاستيعاب بين البلدين. استقبلت سوريا عددا أقل من اللاجئين مع عدد سكان أكبر ومساحة وبنية زراعية وصناعية أكبر ما يعني قدرة أكبر على الاستيعاب.

يضاف إلى ذلك الدور السياسي والعسكري الذي لعبته منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وما عُرف بـ"فتح لاند". وهو أمر لم تتعرض له سوريا.

ناهيك عن اختلاف نظامي الحكم؛ واحد ديموقراطي ليبرالي وآخر توتاليتاري مركزي مع اقتصاد موجه، قيد حركتهم، أسوة بالشعب السوري على كل حال. ونظرا لذوبانهم النسبي أمام تزايد عدد السكان السوريين الكبير لم يظهر اللاجئون الفلسطينيون ككتلة مهددة للهوية السورية، على عكس ما حصل في لبنان. بالطبع سينتج عن هذا التهديد العودة إلى هويات فرعية متصارعة ومتنازعة.

اليوم، تتجدد المشكلة مع المهجرين السوريين، فنسبتهم تكاد تبلغ نصف عدد سكان لبنان، ويشكل هذا ضغطا وظاهرة غير مسبوقة على المستوى العالمي، ما يؤثر على بنية المجتمع وتماسكه.

لنتذكر أن هجرة مليون واحد إلى أوروبا، التي تعد 300 مليون نسمة، أثارت الاضطرابات وانعكست موجات شعبوية وعنصرية وأدت إلى بريكسيت وغيره.

أما الإجابة عن تساؤل الصديق عن الهوية اللبنانية القلقة، فتعود في جزء منها إلى جغرافية لبنان وموقعه بين دول قوية واحدة عدوة وواحدة غير صديقة. من دون نسيان ضغط النظام العربي ككل. كما أن موقع لبنان بين ساحل ضيق وجبل شامخ، على حد تعبير ميشال شيحا، يجعل اللبناني ينزع إلى الهجرة والمخاطرة وهو نوع من القلق القاعدي.

إضافة إلى ذلك متلازمة أن لبنان دولة مصطنعة ضائعة الهوية، وأن الدول الوطنية في المنطقة تعتبر بدعة وفرضت بالقوة من قبل الاستعمار واتفاق سايكس ـ بيكو.

أود هنا التأكيد على بعض الأفكار:

الفكرة الأولى، أن أوروبا لم توجد كدول وطنية في الأصل. الدولة الوطنية لا تولد جاهزة وناجزة، بل هي الشكل السياسي الذي تنامى مع المَلَكية المركزية ومع التنظيم الإداري والطرق والسرعة، واتخذت شكلها ultime النهائي مع ريشيليو، أحد مؤسسي الدولة الحديثة. ولم يتخذ هذا المفهوم كامل معناه الحالي سوى في القرن العشرين مع تقدم مفهوم الإنسانية ووحدة العالم.

اتبع العالم العربي المسار نفسه في مرحلة زمنية لاحقة.

الصراع الهوياتي الديني والمذهبي ليس قدرنا الذي فطرنا عليه وأن علينا التعامل معه

​​الفكرة الثانية أن الأنظمة العربية الاستبدادية فشلت في التنمية وفي الدفاع عن القضية الفلسطينية، كما فشلت في بناء هوية وطنية جامعة ما ساهم في بروز هويات فرعية دينية مع الإسلام السياسي الذي شجعته ـ الأنظمة نفسها ـ في وجه الشيوعية واليسار. من هنا جاء شعار "الإسلام هو الحل" ما ساعد على بروز القاعدة والجهاديين وصولا إلى تنظيم "داعش". كل هذا عمق التمسك بهويات فرعية.

الفكرة الثالثة أن الصراع الهوياتي الديني والمذهبي ليس قدرنا الذي فطرنا عليه وأن علينا التعامل معه كمكون أزلي لا يمكن التخلص منه. هناك تجارب، ولو قصيرة في الزمن، مرت بها بعض دولنا فاقتربت فيها من فكرة الانتماء إلى هوية وطنية على غرار ما هو حاصل في الغرب.

أشير، وباختصار، إلى تجربة كل من: العراق أيام الملكية، وسوريا قبل حكم آل الأسد، ولبنان إبان حكم الشهابية. في ظل أنظمة حكم استطاعت ممارسة سياسة وطنية جامعة ضعفت الهويات الدينية والعشائرية والمذهبية في حينها، في مقابل تعزيز ثقافة المواطنية بسبب سياسات إنمائية متوازنة وخطاب وطني جامع.

لكن الهوية الوطنية كي تتعزز تحتاج إلى ممارسة دولة وطنية توفر حكم القانون والعدالة والمساواة بين أبنائها. وتحتاج هذه الهوية إلى العمل الدؤوب لتدعيم فكرة الولاء الوطني عبر الممارسة عن طريق دعم الهوية الوطنية عبر المؤسسات والتنمية العادلة. الأمر الذي لم يطبق كما يجب إلا مع حكم الرئيس فؤاد شهاب في لبنان، وهو حكم أجهض من قبل الطائفيين المستفيدين من الوضع السابق واللاحق.

الفكرة الرابعة، أن الثورة الإسلامية الإيرانية ساهمت في إعادة إحياء الصراع السني ـ الشيعي من ناحية، والفارسي ـ العربي من ناحية أخرى عندما تغلغلت في النسيج الاجتماعي العربي وسلخت عنه الشيعة وربطتهم بهويتهم المذهبية.

إذن هناك عوامل خارجية عدة تهدد الهوية العربية كما اللبنانية: إسرائيل، التدخل الإيراني، والتركي لو بنعومة أكبر في محاولته استعادة الإمبراطورية العثمانية ـ التركية.

لكن للمفارقة، فإن الاعتداءات الخارجية المماثلة تقوي الهوية الوطنية ولا تضعفها. ولا تعوزنا الأمثلة؛ فالهوية الفلسطينية تبلورت وقويت جراء الاعتداءات الإسرائيلية. الهوية العربية لم تضعف ولقد برهنت الثورات على ارتباط عضوي بين الشعوب العربية.

وبرهنت الأبحاث أن الهوية اللبنانية قويت بعد العام 2011 وبعد محاولة استتباعها ـ الجارية حتى الآن ـ إلى محور الممانعة والمحور الإيراني. (ولقد تبين هذا في بحث أجراه شبلي التلحمي في عدد من البلدان العربية وعلى عدة مراحل وتبين معه أن نسبة من يعتبرون أنفسهم لبنانيين أولا ارتفعت بعد العام 2011 عما قبل. وهذا ينطبق على الهوية الفلسطينية والعراقية أو السورية.

إن الرموز التي تصوغ الهوية لا تنشأ عرضا بل ينشئها مهندسو رموز يكونون على نحو عام ساسة وأناسا يعملون في خدمتهم

​​يقودنا هذا إلى الفكرة الخامسة؛ إن التهديد الفعلي للهوية اللبنانية هو التحدي الذي تتعرض له حاليا، والذي مهدت له الأحداث في السنوات الأخيرة حين فشلت الدولة في العمل على مواجهة الأخطار المحدقة بلبنان.

أوصلت الممارسة السياسية خلال السنوات الماضية وهيمنة الشيعية السياسية ـ بسلاحها ـ على لبنان الأمور إلى تعبئة الصراعات المذهبية بحدة لم يعرفها لبنان من قبل.

الصراع الداخلي وانفصال فئة عن المجموع وإعلان ولائها لدولة أجنبية؛ هي عوامل تضعف الهوية الوطنية.

التعريف المتعارف عليه للهوية

الهوية التي تسمح بتمييز الشخص عن جميع الآخرين هي تذكرة الهوية التي تحمل صورة الشخص ومعلومات تحدد من هو كفرد مختلف عن كل الآخرين، تحدد انتماء الشخص إلى بلد محدد ويمتلك حقوقا معينة في حدود الدولة الوطنية، للتمييز بين الولاء الوطني مقابل الانتماءات العضوية العديدة والتي يمكن أن تكون عابرة للحدود، لكنها لا تعرف الشخص بتماميته.

اقرأ للكاتبة أيضا: تدني معيار 'الديمقراطية' في العالم العربي

الفكرة السادسة؛ إن الشعور الوطني يبنى وتساعده الثقافة الوطنية ويبلوره شعراؤه وأدباؤه وفنانوه، على غرار دور الرحابنة.

ترتكز الهوية الوطنية على الرموز: فالعلم والنشيد الوطني والشعار والأسطورة المؤسسة للوعي أو الشخصية التي تجسد في ظاهر الأمر "الصفات الوطنية" هي العكاز الذي تتوكأ عليه هذه الهوية الوطنية.

إن الرموز التي تصوغ الهوية لا تنشأ عرضا بل ينشئها مهندسو رموز يكونون على نحو عام ساسة وأناسا يعملون في خدمتهم. وليس أدل على أن الهوية الوطنية وفكرة الوطن، بناء يشتغل عليه وتتم صيانته برموش العين، من إسرائيل نفسها والهوية الإسرائيلية التي جمعت مجموعات من اليهود تنتمي إلى شعوب وثقافات وحضارات متنوعة؛ نجحت حتى الآن في جمعها في بوتقة واحدة، اسمها الهوية الإسرائيلية التي تعمل على تنقيتها دينيا.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.