ولي العهد السعودي ونائب الرئيس الإماراتي خلال القمة الخليجية الأخيرة
ولي العهد السعودي ونائب الرئيس الإماراتي خلال القمة الخليجية الأخيرة

عريب الرنتاوي/

تسلك التحقيقات في قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، طريقين متوازيين: الأول؛ وتقوده أنقرة، ويتجه نحو "التدويل"، ونقل ملف القضية برمته إلى الأمم المتحدة... والثاني؛ ويتركز في الكونغرس الأميركي، حيث يظهر نواب وشيوخ، إصرارا متزايدا على كشف الحقيقة، ومعاقبة المتسببين بالجريمة، أياً كانت مواقعهم ومسؤولياتهم، ودائما في إشارة إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. توج ذلك الطريق مؤخرا، بإجماع نادر للكونغرس بحزبيه، على إدانة محمد بن سلمان وتحميله مسؤولية قتل خاشقجي.

تركيا، وجريا على استراتيجيتها في ملاحقة مختلف فصول التحقيق، لا تريد أن تذهب لخيار "التدويل" منفردة، لتفادي الأسوأ في علاقاتها الثنائية مع الرياض، ولذلك رأينا وزير خارجيتها، يبحث عن شركاء لبلاده، وقد أبدت كندا حماسة ظاهرة، لمرافقة أنقرة على هذا الطريق، وربما تلتحق دول أخرى بهما.

أما الولايات المتحدة، فما زالت تشهد "معركة مكاسرة الإرادات" بين إدارة ترامب من جهة والكونغرس بحزبيه وغالبية أعضاء غرفتيه من جهة ثانية. المرجح أن هذه المعركة ستطول، وسيكون لنتيجتها، تأثير كبير على مستقبل العلاقات السعودية ـ الأميركية، بل ومستقبل الأمير شخصيا، علما بأن كلا الجانبين، السعودي والأميركي، يبديان اهتماما فائقا، بتحييد جريمة قتل خاشقجي عن الملف الشائك والمعقد لهذه العلاقات.

ثمة ما يشي بأن الأمير قد يفكر بالإقدام على خطوة نوعية، من العيار الثقيل، من شأنها إعادة صياغة المشهد الشرق أوسطي

​​والحقيقة أن الرياض، وولي العهد على وجه التحديد، يواجهان جملة من الخيارات في التعامل مع واحدة من أكبر الأزمات في العلاقات الأميركية ـ السعودية، منذ تأسيسها قبل سبعة عقود أو يزيد، والواضح أن المملكة لم تحسم خياراتها بعد، وإن كانت تستعد لأكثرها سوءا:

الخيار الأول؛ أن تنجح إدارة ترامب في كبح جماح الكونغرس والإعلام، أو أن تدير ظهرها لقراراته "غير الملزمة"، وأن تبقى على موقفها الرافض توجيه أصابع الاتهام لولي العهد السعودي ومحاسبته، مستفيدة من الصلاحيات الكبرى التي يمنحها الدستور للرئيس الأميركي. هنا ستتاح للملكة وولي العهد، الفرصة لإدامة الوضع القائم، وتفادي التغيير في الأشخاص وإلى حد كبير في السياسات... وسيترتب على الخيار، استمرار حالة الضعف والتردد التي تتفشى في أوساط خصوم الأمير ابن سلمان، سواء داخل العائلة ومجتمع الأعمال أو في الأوساط الدينية والقبلية المحافظة.

اقرأ للكاتب أيضا: حين يتحول 'الدوار الرابع' إلى 'أيقونة' للحراكيين الأردنيين

لكن هذا السيناريو، سيجعل من الأمير "بطة عرجاء"، وسيكون عرضة للابتزاز الدائم، وسيدو أكثر ميلا للمساومات والمقايضات، وستدخل مشاريعه الاقتصادية والمالية العملاقة في نفق الجمود والمراوحة، وهو ذاته اعترف بذلك عندما عبر مؤخرا عن تشاؤمه في فرص إنجاز مدينة "نيوم" وخطة 2030 في مواقيتها المقررة، جراء الاستنكاف المرجح للمستثمرين والشركات عن المشاركة في مشاريعها العملاقة.

كلفة هذا السيناريو، ستكون الأقل على الأمير شخصيا، في حين أنها ستكون باهظة على المملكة وبرنامجها الطموح للانتقال من دولة الريع إلى دولة الإنتاج، وتنويع مصادر الدخل والثروة في بلاد اعتمدت منذ نشأتها على النفط كسلعة استراتيجية.

الخيار الثاني؛ أن يفرض الكونغرس والإعلام ومنظمات حقوق الإنسان على إدارة ترامب، الذهاب إلى نقطة أبعد من تلك التي بلغتها حتى الآن، وتنضم الإدارة إلى القائمة الطويلة للمطالبين بمحاسبة ولي العهد وحكومته على الجريمة النكراء، والانضمام ـ ربما ـ إلى مسعى "التدويل" الذي تقوده تركيا، وفرض عقوبات على المملكة وولي العهد وعدد آخر من كبار المسؤولين في العائلة والحكومة، فتتسع بذلك دائرة الدول التي ستخرج عن ترددها، وترتفع الأصوات المطالبة بعزل ولي العهد وتقديمه للمحاكمة.

هذا الخيار، سيطلق ديناميكيات جديدة داخل العائلة، وسترتفع الأوضاع التي تطالب بإنقاذ العائلة والمملكة، حتى وإن تطلب ذلك "التضحية" بالأمير القوي، وستكون المفاضلة المطروحة عليه من قبل خصوم الأمير: أنت أو العائلة والمملكة، وسيضيق الخناق حول الأمير والفريق الذي يدعمه ويؤازره.

اللافت أن التنسيق بين الرياض وموسكو في سوق النفط قد بلغ معدلات غير مسبوقة

​​لكن ذلك، لا يعني تلقائيا، أن صفحة محمد بن سلمان ستطوى صبيحة اليوم التالي للتحول المفترض في موقف إدارة ترامب. فأحداث السنوات الثلاث الأخيرة، تكشفت عن جملة من حقائق السياسة الداخلية السعودية وتوازناتها، من بينها:

1ـ أن العائلة على امتدادها وكبر عدد أعضائها، ليست على قلب رجل واحد ولا تتمتع بالسطوة والسلطة التي كان يُعتقد أنها تمتلكها، فقد أبدى أمراء كبار وأنجال ملوك سابقين أنهم أضعف من أن يواجهوا الأمير الصاعد بقوة والمستحوذ على كافة أوراق القوة والسلطة والثروة في البلاد.

2 ـ أن المؤسسة الدينية السعودية، التي قيل بشأن سطوتها ونفوذها الشيء الكثير، تتوفر على قدر من "الانتهازية" والضعف، ما جعل كبار رجالاتها، "يفتون" بالشيء ونقيضه خلال فاصل زمني قصير للغاية. وما ينطبق على المؤسسة الدينية، ينطبق بدرجة أكبر على المؤسسة الإعلامية والثقافية، التي نجح الأمير الشاب في جمع مفاتيحها في جيبه.

3 ـ استناد الأمير إلى شبكة تحالفات إقليمية مؤثرة (الإمارات، مصر وإسرائيل)، ستجعله دائم الرهان، على قدرة هؤلاء الحلفاء على توفير "خشبة خلاص" تخرجه من عنق زجاجة ضيق، وضع نفسه فيها، ذات قرار أرعن.

4 ـ أما الورقة الأكثر أهمية التي يعوّل عليها الأمير (المتهم)، فتتمثل في المقدرات الهائلة التي تتوفر عليها بلاده، ماليا ونفطيا وتجاريا، والتي تكفي دائما لـ"إسالة لعاب" الشركات الكبرى، الممسكة إلى حد كبير بتلابيب القرار في السياسة الخارجية في عدد وافر من الدول الصناعية الكبرى.

ثمة مؤشرات دالّة على أن الأمير لن يستسلم لـ"قدره"، وأنه لن يرفع الراية البيضاء من دون خوض معارك قاسية للبقاء، وقد أظهر حتى الآن، وقبل إجماع الكونغرس على إدانته، أنه سيحاول استنفاذ كافة الأوراق التي بيده، ومن بينها:

أولا؛ قبول المملكة بخفض الإنتاج العالمي من النفط، بقيمة إجمالية قد تزيد عن المليون برميل يوميا في السنة المقبلة، وبما يفضي إلى ارتفاع أسعار النفط أو وقف انخفاضها، بالضد مما تريده إرادة إدارة ترامب. واللافت أن التنسيق بين الرياض وموسكو في سوق النفط قد بلغ معدلات غير مسبوقة في الأسابيع القليلة الفائتة، في رسالة "سياسية" بامتياز، لا تخفى مراميها على المراقب والمتابع.

أيا كانت طرق المملكة وخياراتها في التعامل مع واشنطن، فإن الأمر المؤكد أن السعودية بعد "خاشقجي"، لن تعود كما كانت قبله

​​ثانيا؛ الإيعاز للماكينة الإعلامية الضخمة التي تتوفر عليها المملكة ويتحكم بها الأمير الشاب، للتلويح بخيار "تنويع التحالفات ومصادر التسلح"، والتوجه لبناء شراكات استراتيجية مع كل من الصين وروسيا، وصولا إلى حد التلويح بمنح موسكو قاعدة عسكرية على الأرض السعودية، ودائما في محاولة لاستنفار لوبي الصناعات الحربية والنفطية في الولايات المتحدة، وإسالة المزيد من "الأدرينالين" في عروق إدارة ترامب من مغبة انتقال ثاني أهم "حليف استراتيجي" لواشنطن في المنطقة، بعد إسرائيل، من خندق التحالف معها، إلى خندق الشراكة مع بكين وموسكو، حتى وإن كان خيار كهذا غير مرجح، ودونه عقبات وعوائق تتخطى المال والأعمال، إلى الأمن والسياسة.

ثالثا: ثمة ما يشي بأن الأمير قد يفكر بالإقدام على خطوة نوعية، من العيار الثقيل، من شأنها إعادة صياغة المشهد الشرق أوسطي برمته، وربما بحجم زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات لإسرائيل في العام 1977، كأن يقدم على استقبال نتنياهو في الرياض أو القدس، أو الالتقاء به في عاصمة دولة ثالثة وعلى نحو علني يبعد عنه صورة "قاتل خاشقجي"، ويضفي عليه صورة "صانع السلام".

اقرأ للكاتب أيضا: القيم الديمقراطية والقيم 'التقليدية'

أمر كهذا، تفكر به جديا "خلية الأزمة" التي تعمل على تصفية آثار وتداعيات جريمة اغتيال خاشقجي، لكن القرار النهائي لم يصدر بعد، على ما يبدو. فخطوة كهذه، يمكن أن تحدث أثرا عكسيا وقد يترتب عليها تداعيات يصعب احتمالها. لكن المؤكد أن تجربة الرئيس السوداني عمر حسن البشير حاضرة بقوة في أذهان صناع القرار في الرياض، فالرجل "المطارد" من محكمة لاهاي بتهم مقارفة جرائم حرب، يعاد تأهيله مجددا، أميركيا ودوليا، بعد أن قرر الابتعاد عن طهران والاقتراب من إسرائيل وتوثيق عرى التحالف مع السعودية والإمارات في الحرب على اليمن، وهو يعمل على تعديل دستور بلاده، لتمكينه من الترشح لولاية خامسة في انتخابات العام 2020.

أيا كانت طرق المملكة وخياراتها في التعامل مع واشنطن، فإن الأمر المؤكد أن السعودية بعد "خاشقجي"، لن تعود كما كانت قبله. والأرجح أن السنوات القليلة القادمة، ستشهد تبدلات "دراماتيكية" في سياساتها وأدوارها ومواقعها، بعد سبعين عاما من الرتابة والركود.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!