في أحد مساجد نيودلهي
في أحد مساجد نيودلهي

محمد المحمود/

يقوم الخطاب الديني بدور محوري وحاسم في تشكيل مُجملِ التصورات العامة، وتأطير المسارات التي تتخلّق فيها أنماط التفكير السائدة في المجتمع الإنساني؛ سواء كان ذلك بشكل مباشر يعلن عن نفسه في صريح الخطاب، أو بشكل غير مباشر، مثلما هو الحال في المضمرات الثقافية الأولى/ اللاّواعية المرتبطة بالتراث، والتي تتأسس عليها كثير من مقولات الحداثة والتنوير التي تبدو وكأنها تقطع مع القديم، وتنقضه، بينما هي تتطور من خلاله في خلق جديد.

في كل الأحوال، نجد أن أثر الدين يزداد قوة وحسما؛ بمقدار ارتهان المجتمع المتدين إلى التراث الديني القديم من جهة، وتجافيه عن الإرث الحداثي الذي يربطه بعصره الراهن ـ المُرتهن به ضرورة ـ من جهة أخرى. ومع وضوح هذا الأثر الفاعل والحاسم في الحاضر والمستقبل، إلا أن كثيرين يتصورون إمكانية التحديث؛ دون المرور بالمرحلة المقلقة: مرحلة الإصلاح الديني الذي يأخذ على عاتقه مهمة مساءلة التصورات الأساسية المتعلقة بفلسفة الحياة والمجتمع والأخلاق والسياسية والتاريخ.

لا يمكن أن يكون الخطاب الإسلامي الذي يتردد في مراجعة ما كتبه البخاري في السياق السني، أو الكليني في السياق الشيعي، خطابا إصلاحيا

​​يظن كثير من المثقفين ومن الإعلاميين ومن المعنيين بالحراك المجتمعي في العالم العربي أن المشكلة الدينية يُمكن تجاوزها بتجاهلها، أو تهميشها، أو الاكتفاء منها بما يقنع المجتمع في هذه المسألة أو تلك؛ بناء على تصور اختزالي لأبعاد الفاعلية الدينية، أي على اعتبار أن الدين هو ـ تحديدا: ما تراه دينا صريحا في الواقع، أو هو ما تسمعه صراحة من رجل الدين/ الواعظ الديني الذي يعلن ـ بكل وضوح ينبض بالثقة الساذجة ـ أنه يتحدث بلسان الله؛ كواسطة بين السماء والأرض، بين الله والإنسان!

يؤكد المفكر الجزائري الفرنسي/ محمد أركون أهمية الاشتغال على الخطاب الديني؛ لأن ذلك من ضروريات فهم الواقع، كما هو من ضروريات التأثير فيه، مُبيّنا أن هذه الأهمية لم تتضح ـ بجلائها ـ إلا أواخر القرن العشرين، بينما كان الأمر مختلفا في ثلاثينيات القرن العشرين، إذ كان النقاش في المسائل الدينية أو محاولة إعادة الدين إلى الاضطلاع بدور ثقافي يرمى به في سلة المهملات، في ساحة الليالي، القديم البدائي، كما كان يظهر في شعار: الله فرضية لا جدوى منها. اليوم ـ كما يؤكد أركون ـ تغيّرت الأوضاع نسبيا وأصبح الثقل البشري والسياسي للأديان يُجْبِر الباحثين العِلميين والمسؤولين على إعادة النظر في العلاقات الكائنة بين العامل الديني والعامل السياسي والعامل الفلسفي (معارك من أجل الأنسنة، محمد أركون، ص79/80).

اقرأ للكاتب أيضا: قراءة التاريخ والأحكام الأخلاقية

طبعا، ما يقصده أركون من "المسائل الدينية" ليس فروع الفقهيات الجزئية التي يتطارحها الفقهاء ـ اتفاقا واختلافا ـ داخل المذهب الواحد، أو حتى بين المذاهب في إطار الدين الواحد. ما يقصده هو مسائل كبرى، تتعلق بفلسفة الدين ككل من جهة، وبالأصول العقائدية والمرتكزات التراثية المؤسسة للخطاب الديني من جهة أخرى. فهذه هي التي يشتغل عليها المعنيون حقيقة بالتغيير والتطوير، وصولا إلى التحديث، ومن ثم إلى أزمنة الحداثة، التي يعني الدخول في مضمارها الدخول إلى العصر بكل اشتراطاته المتعولمة كأفق للوعي الإنساني في مستوى تطوره الراهن.

إن مظاهر التحديث العملية التي يتقدم بها بعض الإسلاميين كشواهد على تحولات حداثية يجترحونها ويروجون لها، والتي قد تبدو مُتَعيّنة في سلوكيات ظاهرة، أو حتى في ثقافة شعاراتية ناطقة، بحيث تبدو وكأنها مجرد حالات انعتاق جزئية/ ظرفية من أسْرِ منظومة تراثية تتسيّد ـ بمشروعيتها ـ المشهد الديني الراهن، لا علاقة لها بالإصلاح الديني الحقيقي الذي يفترض أنه يطال الإشكالية الدينية في عمقها، ويُسائل جذورها تفكيكا وتأويلا وتحويلا، ومن ثم استثمارا لكل ذلك في الواقع.

إن حالات التمرد الانعتاقي التي طبعت مسار كثير من جماهير الإسلاموية المعاصرة، إلى درجة انقلاب بعض أطياف هذه الإسلاموية على ذات مقولاتها التي تشرعنت بها في الواقع، وتمكنت من مراكمة الرأسمال الرمزي بواسطتها، ليست أكثر من تَسَاوق ذرائعي مع منطق السوق الفكري الرائج؛ نتيجة الفشل الذريع الذي بدا واضحا في المسار الإسلاموي على مستوى تنظيم وتطوير الشأن الحياتي في ضرورياته اليومية، أي الفشل المتكرر في توفير كل ما من شأنه أن يحقق ولو مستوى معقولا من التناغم مع متطلبات العصر، تلك المتطلبات الذي أثبتت التجربة الإسلاموية ذاتها أن لا أحد يستطيع الانعتاق من ضروراتها بالكامل؛ وإلا كان هو الخاسر أولا وأخيرا.

إن هذا التمرد أو الانعتاق أو التنازلات الجزئية التي يقوم بها المتأسلمون بغية تحقيق مستوى من الاندماج المعقول مع روح العصر، هو صورة تقترب ـ قليلا أو كثيرا، وفي سياقات متعددة ـ مما أطلق عليه الباحث السويسري/ باتريك هايتي: "إسلام السوق"، هذا "الإسلام العصراني" القابل للتسليع وفق شروط السوق، لم يكن خيارا أصيلا؛ بقدر ما كان خيارا بديلا؛ نتيجة فشل الإسلاموية في تحقيق مشروعها رغم مرور أكثر من ثمانين عاما على انطلاقتها الأولى. يقول هايتي "يبدو أن السردية الإسلاموية الكبرى التي طالما استندت إلى مركزية المُكوّن الديني في تقديم البديل الحضاري فقدت نَفَسَها الطويل. هذا التراجع، ولارتباطه بمسار البَرْجَزة الذي دَاخَل حركة الأسلمة يمكن اعتباره نقطة انطلاق كل التحولات الجارية" (باتريك هايتي، إسلام السوق، ص47).

لكل هذا، لا بد من التأكيد على أن ما يميز الخطاب الديني الإصلاحي عن الخطاب الديني التقليدي، الراديكالي في مواقفه الحدّية، ليس أن ممثلي الأول يتسامحون في الجزئيات، ولا أن أزياءهم وأنماط حياتهم عصرية، بل ولا أن بعضهم درس في أرقى الجامعات الغربية، أو سلخ معظم عمره في أعرق دول الحداثة، وإنما ما يميز الخطاب الإصلاحي أنه يتخذ من مراجعة التراث ونقده وتفكيكه وإعادة تركيبه، بكل مكوناته، منطلقا لما يتقدم به من رؤى حديثة تحاول مواكبة روح العصر. بمعنى أنه يؤصل لتحولاته في الراهن المتعين بتحولات مرتبطة بإعادة تشكيل الوعي من خلال إعادة تشكيل التراث.

لا يزال العرب بعيدين عن الدخول إلى العصر الحديث بشروطه الفكرية والثقافية التي تتضمن تغييرا في نظام العقل الكلي/ الوعي العام

​​مثلا، لا يمكن أن يكون الخطاب الإسلامي الذي يتردد في مراجعة ما كتبه البخاري في السياق السني، أو الكليني في السياق الشيعي، خطابا إصلاحيا، لا من قريب ولا من بعيد. فكيف والمؤسسات المرجعية المعتمدة لا تمتنع عن القيام بمثل هذه المراجعة النقدية فحسب، وإنما نجدها تُؤَثّم وتُجرّم، بل وتضطهد إن استطاعت، كل من يحاول إعادة موضعة التراث في سياقه التاريخي، ومن ثم تحليله تحليلا شاملا؛ من حيث ظروف النشأة وملابساتها، وطبيعة التكوين، والمؤثرات والدوافع التي رافقت النشأة والتكوين، ثم الانفتاح على فضاءات التلقي وتنوعها، ومسارات التوظيف وإشكالياتها، ثم تتبع التحولات في كل ذلك عبر الزمن، وصولا إلى اللحظة الراهنة ومشروطيتها... إلخ.

يشهد الواقع أن كل الأصوات الفكرية والثقافية التي لامست موضوع الإصلاح الديني بما لا يتوافق مع السائد الديني التقليدي، قابلتها المرجعيات المؤسساتية وغير المؤسساتية بما يخالف دعوتها العلنية للدعوة بـ"التي هي أحسن"، بل إنها لم تكتفِ بالعنف اللفظي، ولا حتى بالتكفير الصريح، بل جاهرت بالتحريض في كل مناسبة سانحة، ودعت للمنع والقمع والردع، واعتمدت مسلكيات النفي والإقصاء صراحة، في الوقت الذي تزعم فيه قبولها الحوار مع "الآخر"، ولو كان من غير المسلمين.

عموما، وبصرف النظر عن كون الأصوات الناقدة للموروث الديني مصيبة أو غير مصيبة، صادقة أو غير صادقة، جادة أو عابثة، فالمتقرر ـ بحكم المعطيات الواقعية/ الوقائعية ـ أن التعامل مع الجميع كان رفضا وتجريما، وأحيانا تكفيرا، ما يعني أن العرب لا يزالون بعيدين عن الدخول إلى العصر الحديث بشروطه الفكرية والثقافية التي تتضمن تغييرا في نظام العقل الكلي/ الوعي العام.

اقرأ للكاتب أيضا: المرأة العربية بين المتن والهامش

قد يغضب بعضنا من هذا التوصيف، ويراه متشائما، أو لا يعكس واقع الحال. لكن، مهما حاولنا فصورة الواقع لا تُقدّم أكثر من هذا، على الأقل في اللحظة العربية الراهنة.

إلى الآن، لم نتقدم خطوات حقيقية في هذا السياق. واقع ثقافي عربي مؤلم، وعن هذا الواقع المؤلم يقول الباحث المصري/ نصر حامد أبو زيد، بعد أن خاض تجربة صعبة أوائل التسعينيات من القرن الماضي، تجربة أصبحت علامة فارقة في السياق الثقافي العربي: "يظل الحديث عن تأويل العقائد أو نقد التراث ـ وهو ما حققه الغرب في سعيه لتجاوز العصور الوسطى ـ حديثا محرما" (الخطاب والتأويل، نصر حامد أبو زيد، ص73).

هكذا يختصر أبو زيد الواقع الثقافي، بعد أن لاحقه سدنة التقليد في ساحات القضاء، واستطاعوا استصدار حكم برِدّته وتطليقه من زوجته بناء على حكم الردّة؛ كعقاب له على محاولته التفكير بصوت عال في مسائل التراث الديني، ليكون ما حدث له (وبصرف النظر عن تقييمنا لمنجزه في هذا السياق) ردعا لكل من تحدثه نفسه باستخدام عقله في هذا المجال.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!