في أحد مساجد نيودلهي
في أحد مساجد نيودلهي

محمد المحمود/

يقوم الخطاب الديني بدور محوري وحاسم في تشكيل مُجملِ التصورات العامة، وتأطير المسارات التي تتخلّق فيها أنماط التفكير السائدة في المجتمع الإنساني؛ سواء كان ذلك بشكل مباشر يعلن عن نفسه في صريح الخطاب، أو بشكل غير مباشر، مثلما هو الحال في المضمرات الثقافية الأولى/ اللاّواعية المرتبطة بالتراث، والتي تتأسس عليها كثير من مقولات الحداثة والتنوير التي تبدو وكأنها تقطع مع القديم، وتنقضه، بينما هي تتطور من خلاله في خلق جديد.

في كل الأحوال، نجد أن أثر الدين يزداد قوة وحسما؛ بمقدار ارتهان المجتمع المتدين إلى التراث الديني القديم من جهة، وتجافيه عن الإرث الحداثي الذي يربطه بعصره الراهن ـ المُرتهن به ضرورة ـ من جهة أخرى. ومع وضوح هذا الأثر الفاعل والحاسم في الحاضر والمستقبل، إلا أن كثيرين يتصورون إمكانية التحديث؛ دون المرور بالمرحلة المقلقة: مرحلة الإصلاح الديني الذي يأخذ على عاتقه مهمة مساءلة التصورات الأساسية المتعلقة بفلسفة الحياة والمجتمع والأخلاق والسياسية والتاريخ.

لا يمكن أن يكون الخطاب الإسلامي الذي يتردد في مراجعة ما كتبه البخاري في السياق السني، أو الكليني في السياق الشيعي، خطابا إصلاحيا

​​يظن كثير من المثقفين ومن الإعلاميين ومن المعنيين بالحراك المجتمعي في العالم العربي أن المشكلة الدينية يُمكن تجاوزها بتجاهلها، أو تهميشها، أو الاكتفاء منها بما يقنع المجتمع في هذه المسألة أو تلك؛ بناء على تصور اختزالي لأبعاد الفاعلية الدينية، أي على اعتبار أن الدين هو ـ تحديدا: ما تراه دينا صريحا في الواقع، أو هو ما تسمعه صراحة من رجل الدين/ الواعظ الديني الذي يعلن ـ بكل وضوح ينبض بالثقة الساذجة ـ أنه يتحدث بلسان الله؛ كواسطة بين السماء والأرض، بين الله والإنسان!

يؤكد المفكر الجزائري الفرنسي/ محمد أركون أهمية الاشتغال على الخطاب الديني؛ لأن ذلك من ضروريات فهم الواقع، كما هو من ضروريات التأثير فيه، مُبيّنا أن هذه الأهمية لم تتضح ـ بجلائها ـ إلا أواخر القرن العشرين، بينما كان الأمر مختلفا في ثلاثينيات القرن العشرين، إذ كان النقاش في المسائل الدينية أو محاولة إعادة الدين إلى الاضطلاع بدور ثقافي يرمى به في سلة المهملات، في ساحة الليالي، القديم البدائي، كما كان يظهر في شعار: الله فرضية لا جدوى منها. اليوم ـ كما يؤكد أركون ـ تغيّرت الأوضاع نسبيا وأصبح الثقل البشري والسياسي للأديان يُجْبِر الباحثين العِلميين والمسؤولين على إعادة النظر في العلاقات الكائنة بين العامل الديني والعامل السياسي والعامل الفلسفي (معارك من أجل الأنسنة، محمد أركون، ص79/80).

اقرأ للكاتب أيضا: قراءة التاريخ والأحكام الأخلاقية

طبعا، ما يقصده أركون من "المسائل الدينية" ليس فروع الفقهيات الجزئية التي يتطارحها الفقهاء ـ اتفاقا واختلافا ـ داخل المذهب الواحد، أو حتى بين المذاهب في إطار الدين الواحد. ما يقصده هو مسائل كبرى، تتعلق بفلسفة الدين ككل من جهة، وبالأصول العقائدية والمرتكزات التراثية المؤسسة للخطاب الديني من جهة أخرى. فهذه هي التي يشتغل عليها المعنيون حقيقة بالتغيير والتطوير، وصولا إلى التحديث، ومن ثم إلى أزمنة الحداثة، التي يعني الدخول في مضمارها الدخول إلى العصر بكل اشتراطاته المتعولمة كأفق للوعي الإنساني في مستوى تطوره الراهن.

إن مظاهر التحديث العملية التي يتقدم بها بعض الإسلاميين كشواهد على تحولات حداثية يجترحونها ويروجون لها، والتي قد تبدو مُتَعيّنة في سلوكيات ظاهرة، أو حتى في ثقافة شعاراتية ناطقة، بحيث تبدو وكأنها مجرد حالات انعتاق جزئية/ ظرفية من أسْرِ منظومة تراثية تتسيّد ـ بمشروعيتها ـ المشهد الديني الراهن، لا علاقة لها بالإصلاح الديني الحقيقي الذي يفترض أنه يطال الإشكالية الدينية في عمقها، ويُسائل جذورها تفكيكا وتأويلا وتحويلا، ومن ثم استثمارا لكل ذلك في الواقع.

إن حالات التمرد الانعتاقي التي طبعت مسار كثير من جماهير الإسلاموية المعاصرة، إلى درجة انقلاب بعض أطياف هذه الإسلاموية على ذات مقولاتها التي تشرعنت بها في الواقع، وتمكنت من مراكمة الرأسمال الرمزي بواسطتها، ليست أكثر من تَسَاوق ذرائعي مع منطق السوق الفكري الرائج؛ نتيجة الفشل الذريع الذي بدا واضحا في المسار الإسلاموي على مستوى تنظيم وتطوير الشأن الحياتي في ضرورياته اليومية، أي الفشل المتكرر في توفير كل ما من شأنه أن يحقق ولو مستوى معقولا من التناغم مع متطلبات العصر، تلك المتطلبات الذي أثبتت التجربة الإسلاموية ذاتها أن لا أحد يستطيع الانعتاق من ضروراتها بالكامل؛ وإلا كان هو الخاسر أولا وأخيرا.

إن هذا التمرد أو الانعتاق أو التنازلات الجزئية التي يقوم بها المتأسلمون بغية تحقيق مستوى من الاندماج المعقول مع روح العصر، هو صورة تقترب ـ قليلا أو كثيرا، وفي سياقات متعددة ـ مما أطلق عليه الباحث السويسري/ باتريك هايتي: "إسلام السوق"، هذا "الإسلام العصراني" القابل للتسليع وفق شروط السوق، لم يكن خيارا أصيلا؛ بقدر ما كان خيارا بديلا؛ نتيجة فشل الإسلاموية في تحقيق مشروعها رغم مرور أكثر من ثمانين عاما على انطلاقتها الأولى. يقول هايتي "يبدو أن السردية الإسلاموية الكبرى التي طالما استندت إلى مركزية المُكوّن الديني في تقديم البديل الحضاري فقدت نَفَسَها الطويل. هذا التراجع، ولارتباطه بمسار البَرْجَزة الذي دَاخَل حركة الأسلمة يمكن اعتباره نقطة انطلاق كل التحولات الجارية" (باتريك هايتي، إسلام السوق، ص47).

لكل هذا، لا بد من التأكيد على أن ما يميز الخطاب الديني الإصلاحي عن الخطاب الديني التقليدي، الراديكالي في مواقفه الحدّية، ليس أن ممثلي الأول يتسامحون في الجزئيات، ولا أن أزياءهم وأنماط حياتهم عصرية، بل ولا أن بعضهم درس في أرقى الجامعات الغربية، أو سلخ معظم عمره في أعرق دول الحداثة، وإنما ما يميز الخطاب الإصلاحي أنه يتخذ من مراجعة التراث ونقده وتفكيكه وإعادة تركيبه، بكل مكوناته، منطلقا لما يتقدم به من رؤى حديثة تحاول مواكبة روح العصر. بمعنى أنه يؤصل لتحولاته في الراهن المتعين بتحولات مرتبطة بإعادة تشكيل الوعي من خلال إعادة تشكيل التراث.

لا يزال العرب بعيدين عن الدخول إلى العصر الحديث بشروطه الفكرية والثقافية التي تتضمن تغييرا في نظام العقل الكلي/ الوعي العام

​​مثلا، لا يمكن أن يكون الخطاب الإسلامي الذي يتردد في مراجعة ما كتبه البخاري في السياق السني، أو الكليني في السياق الشيعي، خطابا إصلاحيا، لا من قريب ولا من بعيد. فكيف والمؤسسات المرجعية المعتمدة لا تمتنع عن القيام بمثل هذه المراجعة النقدية فحسب، وإنما نجدها تُؤَثّم وتُجرّم، بل وتضطهد إن استطاعت، كل من يحاول إعادة موضعة التراث في سياقه التاريخي، ومن ثم تحليله تحليلا شاملا؛ من حيث ظروف النشأة وملابساتها، وطبيعة التكوين، والمؤثرات والدوافع التي رافقت النشأة والتكوين، ثم الانفتاح على فضاءات التلقي وتنوعها، ومسارات التوظيف وإشكالياتها، ثم تتبع التحولات في كل ذلك عبر الزمن، وصولا إلى اللحظة الراهنة ومشروطيتها... إلخ.

يشهد الواقع أن كل الأصوات الفكرية والثقافية التي لامست موضوع الإصلاح الديني بما لا يتوافق مع السائد الديني التقليدي، قابلتها المرجعيات المؤسساتية وغير المؤسساتية بما يخالف دعوتها العلنية للدعوة بـ"التي هي أحسن"، بل إنها لم تكتفِ بالعنف اللفظي، ولا حتى بالتكفير الصريح، بل جاهرت بالتحريض في كل مناسبة سانحة، ودعت للمنع والقمع والردع، واعتمدت مسلكيات النفي والإقصاء صراحة، في الوقت الذي تزعم فيه قبولها الحوار مع "الآخر"، ولو كان من غير المسلمين.

عموما، وبصرف النظر عن كون الأصوات الناقدة للموروث الديني مصيبة أو غير مصيبة، صادقة أو غير صادقة، جادة أو عابثة، فالمتقرر ـ بحكم المعطيات الواقعية/ الوقائعية ـ أن التعامل مع الجميع كان رفضا وتجريما، وأحيانا تكفيرا، ما يعني أن العرب لا يزالون بعيدين عن الدخول إلى العصر الحديث بشروطه الفكرية والثقافية التي تتضمن تغييرا في نظام العقل الكلي/ الوعي العام.

اقرأ للكاتب أيضا: المرأة العربية بين المتن والهامش

قد يغضب بعضنا من هذا التوصيف، ويراه متشائما، أو لا يعكس واقع الحال. لكن، مهما حاولنا فصورة الواقع لا تُقدّم أكثر من هذا، على الأقل في اللحظة العربية الراهنة.

إلى الآن، لم نتقدم خطوات حقيقية في هذا السياق. واقع ثقافي عربي مؤلم، وعن هذا الواقع المؤلم يقول الباحث المصري/ نصر حامد أبو زيد، بعد أن خاض تجربة صعبة أوائل التسعينيات من القرن الماضي، تجربة أصبحت علامة فارقة في السياق الثقافي العربي: "يظل الحديث عن تأويل العقائد أو نقد التراث ـ وهو ما حققه الغرب في سعيه لتجاوز العصور الوسطى ـ حديثا محرما" (الخطاب والتأويل، نصر حامد أبو زيد، ص73).

هكذا يختصر أبو زيد الواقع الثقافي، بعد أن لاحقه سدنة التقليد في ساحات القضاء، واستطاعوا استصدار حكم برِدّته وتطليقه من زوجته بناء على حكم الردّة؛ كعقاب له على محاولته التفكير بصوت عال في مسائل التراث الديني، ليكون ما حدث له (وبصرف النظر عن تقييمنا لمنجزه في هذا السياق) ردعا لكل من تحدثه نفسه باستخدام عقله في هذا المجال.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.