الأسد يستقبل البشير-وكالة الأنباء السورية الرسمية
الأسد يستقبل البشير ـ وكالة الأنباء السورية الرسمية

عبد الحفيظ شرف/

قام الرئيس السوداني عمر البشير بزيارة أولى من نوعها لرئيس عربي إلى دمشق منذ اندلاع الثورة السورية في عام 2011، وهي زيارة يرى بعض المراقبين أنها نتاج لتغير في السياسة الدولية والعربية والإقليمية تجاه الأسد.

استقبل الأسد عمر البشير في مطار دمشق الدولي، الذي تعرضت بعض منشآته إلى ضربات جوية يعتقد أنها إسرائيلية في الفترة القريبة الماضية، ولهذا دلالاته كذلك؛ ثم توجها، والابتسامات ترتسم على وجهيهما، إلى قصر الشعب ليعقدا اجتماعا مطولا.

غازل البشير الأسد بقوله إن سوريا دولة مواجهة وإضعافها يعني إضعاف القضايا العربية وما حدث فيها خلال السنوات الماضية لا يمكن فصله عن هذا الواقع، وإن سوريا بالرغم من سنوات الحرب إلا أنها بقيت متمسكة بثوابت الأمة العربية.

زيارة عمر البشير، تعزز ما رفعه السوريون يوما كشعار في تظاهراتهم: "ما إلنا غيرك يا الله"

​​بينما رد الأسد بعبارات "قومجية" معهودة وثابتة لدى نظام الأسد، بأن سوريا وبالرغم مما حصل في سنوات الحرب بقيت مؤمنة بالعروبة ومتمسكة بها وتخلل حديثه انتقادا لاذعا للدول العربية التي تعتمد على الغرب كما سماها، وقال بأن هذه التبعية لن تأتي بالمنفعة لشعوب هذه البلاد. وقد ألمح البشير كذلك إلى مفهوم المؤامرة الكونية ضد سوريا وأنها كانت وما زالت مستهدفة من القوى العالمية لأنها أحد أهم دول المواجهة، حسب قوله.

اقرأ للكاتب أيضا: هل اغتصبوكِ؟ السؤال الصعب!

هذه ليست الإطلالة الأولى للبشير على المشهد السوري. مع انطلاق الثورة، خطف البشير اهتمام السوريين ونال حصة كبيرة من سخريتهم، عندما دعا الرئيس السوري إلى اتخاذ التجربة الديمقراطية السودانية معيارا للإصلاح السياسي في سوريا. وأرسل البشير في وقتها نسخة من الدستور السوداني وقانون الأحزاب إلى بشار الأسد ليساعده، كما قال، في اتخاذ قرارات إصلاحية جريئة وواسعة النطاق.

تقلبت مواقف البشير من الأزمة السورية وتبدلت بحسب الحليف السياسي الذي يحاول أن يصطف إلى جانبه؛ فعندما تحالف البشير مع المحور السعودي هاجم الأسد وتوقع أنه سيقتل. وعند تعزيز علاقته مع النظام الروسي، خفف حدة لهجته وأصبح دبلوماسيا عريقا عند الحديث في الشأن السوري.

هكذا كانت تتبدل المواقف السودانية بحسب وسيلة الإعلام التي كان يتحدث إليها البشير وبحسب توجهات الحكومة الراعية لهذه الجهة الإعلامية.

البشير، هو ديكتاتور إسلامي، قاد انقلابا عسكريا ضد حكومة الصادق المهدي في العام 1989 واستلم منصبي الرئيس ورئيس مجلس الوزراء حتى عام 2017، عندما تنازل عن منصب رئيس الوزراء واحتفظ بمنصب رئيس الجمهورية.

يحكم البشير السودان منذ نحو 30 عاما، وقد أعرب عن رغبته بالترشح كذلك لفترة رئاسية جديدة. ومن المضحك المبكي، أن البشير يعتبر الحكم في السودان حكما ديمقراطيا أصيلا.

يحكم البشير السودان بالحديد والنار، مع السماح بحرية محدودة جدا للقوى الحزبية السودانية للعمل السياسي. البشير ذو سلطة عسكرية قمعية استخدمت السلاح الثقيل والخفيف ضد التحركات المناهضة لحكومته، ودخل في حروب طويلة مع الجنوب السوداني انتهت بالانفصال واستقلال جنوب السودان، وخاض حرب إبادة أخرى في دارفور أسفرت عن مئات آلاف القتلى والمهجرين. وسبق أن أصدرت محكمة الجنايات الدولية قرارا باعتقاله بتهم جرائم الحرب والإبادة والجرائم ضد الإنسانية لضلوعه بالإبادة الجماعية التي حصلت في دارفور.

هناك تشابه وتقارب كبيرين بين جرائم البشير وجرائم الأسد ضد الإنسانية وضد كل أشكال الحياة

​​في زيارته هذه، يرد البشير بعض من أفضال الأسد عليه. فإعلام النظام السوري أظهر البشير سابقا كممثل لحكم إسلامي رشيد، ما ساهم في تعاطف كثير من السوريين مع النظام السوداني في معركته ضد أهل دارفور.

زيارة عمر البشير، تعزز ما رفعه السوريون يوما كشعار في تظاهراتهم: "ما إلنا غيرك يا الله". فزيارة البشير، لا يمكن أن تحصل بضوء أخضر روسي فقط، بل لا بد من غطاء عربي لها. الدور الروسي في الزيارة واضح المعالم، فروسيا هي الوصي على نظام الأسد، وزيارة كهذه لا تحصل من دون موافقة الكرملين واذنه؛ وسبق لموسكو أن استقبلت البشير رغم أنه مطلوب دوليا. وإذا صحت المعلومات المتداولة أن البشير انتقل بين الخرطوم ودمشق عبر طائرة روسية، وليس طائرة الرئاسة السودانية، فإن هذا يعزز فرضية أن هذه الزيارة تأتي في سياق إعادة تأهيل الأسد للعودة إلى جامعة الدول العربية والمجتمع الدولي. ومن هنا يأتي السؤال حول الدور العربي في هذه الزيارة.

اقرأ للكاتب أيضا: أن تعبر بحرية فأنت موجود

لا أستغرب هذه الزيارة، التي تندرج تحت بند إنقاذ الديكتاتور لزميله الديكتاتور، أو إنقاذ المجرم لصاحبه المجرم. فهناك تشابه وتقارب كبيرين بين جرائم البشير وجرائم الأسد ضد الإنسانية وضد كل أشكال الحياة. كلاهما تسبب بانقسام بلده وضعفها وتراجع مستواها علميا واقتصاديا وتنمويا.

لكن لإنصاف الأسد، فإنه تفوق على زميله البشير بأشكال العنف التي استخدمها ضد شعبه!

ـــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.