عمل للفنان الهندي سودارسان باتنايك يُظهر الطفل السوري إيلان الذي قضى غرقا خلال محاولة أهله اللجوء إلى أوروبا
عمل للفنان الهندي سودارسان باتنايك يُظهر الطفل السوري إيلان الذي قضى غرقا خلال محاولة أهله اللجوء إلى أوروبا

بابكر فيصل/

في أربعينيات القرن الماضي كتب الفيلسوف المصري الراحل زكي نجيب محمود، مقالا بعنوان "جنة العبيط" يسخر فيه من الشخص المتخلف الذي يعيش في الأوهام ويخلق جنة من النعيم يحيا فيها ولا يسعى للخروج منها، ويكون سعيدا ومبتهجا في أحضان جنته تلك ومصدر حبوره وسعادته هو جهله بمدى تخلفه!

لعل الفيلسوف الراحل قصد من مقاله ذاك أن يتطرق للأوضاع البائسة التي تعيشها المجتمعات العربية والإسلامية مقارنة بالتقدم الكبير الذي أصابه الغرب، وذلك عبر مناقشة الادعاء التبريري السائد في تلك المجتمعات والذي يقول إن المسلمين متفوقون على الغرب في الأخلاق والفضائل بينما الأخير متقدم ماديا فحسب، وهو ادعاء ساذج من شأنه استدامة حالة التخلف الحضاري "جنة العبيط".

الدول العربية والإسلامية التي تدعي التفوق الأخلاقي تأتي في مقدمة ركب الأمم من حيث انتشار الفساد والرشوة والنفاق الاجتماعي والكذب!

​​يقول زكي نجيب على لسان صاحب تلك الجنة: "أنا في جنتي الحارس للفضيلة أرعاها من كل عدوان، لا أغض الطرف عن مجانة المجان، والعالم حول جنتي يغوص إلى أذنيه في خلاعة وأفك ورذيلة ومجون، دعهم يطيروا في الهواء ويغوصون تحت الماء، فلا غناء في علم ولا خير في حياة بغير فضيلة، دعهم يحلقوا فوق رؤوسنا طيرا أبابيل ترمينا بحجارة من سجيل، فليس الموت في رداء الفضيلة إلا الخلود، أني والله لأشفق على هؤلاء المساكين، جارت بهم السبل فلا دنيا ولا دين".

الأفضلية الأخلاقية التي يدعي "العبيط" أن جنته "مجتمعات المسلمين" تتفوق فيها على الغرب تتمثل أساسا في موضوع الجنس، وهو الأمر الذي ألمح إليه الفيلسوف الراحل بعبارة "خلاعة ومجون ورذيلة وإفك"، وهي مفردات تحيل مباشرة إلى العلاقات الجنسية التي يزعم "العبيط" أنها تشكل التمظهر الأهم للأخلاق.

اقرأ للكاتب أيضا: منهج التعليم السعودي وحد الردة

ومع التأكيد على أن الأخلاق تشتمل على أبعاد أهم بكثير من العلاقة الجنسية بين شخصين، فإن المتأمل في أوضاع المجتمعات العربية والإسلامية يلحظ بوضوح الانتشار الواسع لجرائم الاغتصاب والتحرش الجنسي والشرف والخيانة الزوجية وزنا المحارم وزواج القاصرات، بالإضافة إلى العديد من الصيغ المستترة للدعارة من شاكلة زواج المسيار والمتعة وغيرها مما يؤكد أن الفضيلة التي يباهي بها "العبيط" في هذا الإطار مجرد وهم وليست حقيقة!

كذلك يدعي "العبيط" أن جنته تتفوق على الغرب في فضائل أخرى مثل الإحسان، وها هو يقول: "فالقرش والمليم هو معنى الإحسان في الغرب الذميم، الذي غلظت فيه الأكباد، كأنما قدت من صخر جماد، كم جامعة عندهم أنشأها ثري؟ وكم دارا أعدها للفقير غني؟ كم منهم يلبي النداء إذا ما دعا الداعي بالعطاء؟ لا، بل إن الغرب المنكود ليسير إلى هاوية ليس لها من قرار إذ هو يسعى إلى محو الفقر محوا، حتى لا يكون لفضيلة الإحسان عنده موضع! فاللهم إني أحمد أن رضيت لي الإسلام دينا، وجعلت لي الإحسان ديدنا".

لا يدرك "العبيط" أن الغرب قد تخطى المفهوم التقليدي الشائع للإحسان والذي ينطوي على معنى العطف الذي يصاحبه بالضرورة الانكسار من جانب المعطوف عليه، وأصبح يعتمد على المؤسسات التي تقدم الضمان الاجتماعي كحق للمواطن وليس كصدقة أو منحة، إلى جانب تبني السياسات الهادفة للقضاء على الفقر في المجتمع.

بالإضافة إلى هذه الأدوار المؤسسية التي تلعبها الدولة، فإن الأغنياء (أفرادا وعائلات) في المجتمعات الغربية يساهمون عبر التبرعات الضخمة في إنشاء الجامعات ومراكز البحث العلمي والمستشفيات ودور الأيتام وغيرها، وهو الأمر الذي يضمن استدامة المستويات المتطورة من الحياة، ولا يقف عند حد الرضا الشخصي النابع من فعل العطف.

والأهم من ذلك أنهم لا يكتفون بلعب ذلك الدور داخل بلادهم فحسب، بل يخرجون به إلى مختلف أنحاء المعمورة، حيث يتبرعون بمليارات الدولارات للقضاء على الفقر والأمراض المستوطنة في إفريقيا وآسيا وغيرهما، بينما الأثرياء في "جنة العبيط" يتنافسون في الصرف البذخي والتفاخري على الزواج وموائد الطعام وشراء القصور والمنتجعات واليخوت وقضاء العطلات الصيفية.

في هذا الإطار كذلك يتوجب على "العبيط" أن يتساءل: لماذا يُجازف مئات الآلاف من اللاجئين العرب والمسلمين بأرواحهم ويقطعون الحدود البعيدة الفاصلة بين حدود جنته والعالم الغربي ليتزاحموا على أبواب برلين وباريس وبودابست بينما لا تراهم يقفون على أعتاب مكة ودبي والكويت وغيرها؟ وهل تميل كفة الميزان الأخلاقي لجانب الدول العربية الغنية التي ترفض احتضان هؤلاء اللاجئين أم للدول الأوروبية والغربية التي تفتح لهم أذرعها!

غني عن القول إن القيم الأخلاقية العامة التي تتعدى نطاق الفرد لتؤثر على المجتمع بشكل عام، من نحو احترام القانون والوقت وإتقان العمل وعدم الكذب ورفض الفساد والمحسوبية، هي الجانب المهم جدا من الأخلاق الذي يؤدي إلى تقدم الأمم والشعوب. وفي هذا الإطار لا يجرؤ "العبيط" على الحديث عن التفوق الكبير للغرب، كما أنه يصمت عن الأدواء الأخلاقية العامة التي تمتلئ بها جنته المزعومة حتى تفيض.

إن النظرة الموضوعية الفاحصة تبين بما لا يدع مجالا للشك بلغة القانونيين أن الدول العربية والإسلامية التي تدعي التفوق الأخلاقي تأتي في مقدمة ركب الأمم من حيث انتشار الفساد والرشوة والنفاق الاجتماعي والكذب!

بالطبع لا ينفي كاتب هذه السطور أن الغرب يعاني من بعض المشاكل الأخلاقية، ولكن تلك المعاناة أقل بكثير مما هو موجود في المجتمعات العربية والإسلامية. ويمتاز الغرب بأن إطاره الأخلاقي الذي يتأسس على الحرية والصراحة والمكاشفة يُعينه على معالجة تلك المشاكل بينما يصعب هذا الأمر في "جنة العبيط" التي تسود فيها ثقافة الإنكار والتغطية والتمويه مما يؤدي لتراكم الاختلالات الأخلاقية وتفاقمها.

طريق الخروج من نفق التخلف يبدأ من إدراك "العبيط" لحقيقة الأوضاع التي يعيشها داخل جنته

​​غير أن أخطر الإشكاليات المرتبطة بذلك "العبيط" تتمثل في رضائه التام عن أوضاعه المتخلفة باعتبار أنه الأكثر علما ومعرفة وفضيلة وبالتالي فإنه لا يعمل على تشخيص عيوبه وتصحيحها، فهو كما يقول: "أنا في جنتي العالم العلامة، والحبر الفهامة، أقرأ الكف وأحسب النجوم، فأنبئ بما كان وما يكون، أفسر الأحلام فلا أخطئ التفسير، وأعبِّر عن الرؤيا فأحسن التعبير، لكل رمز معنى أعلمه، ولكل لفظ مغزى أفهمه".

هذه الأفضلية المتوهمة والغرور الساذج لا يسمح "للعبيط" بنزع القناع الزائف الذي يحجب عنه رؤية الحقيقة حتى يُدرك مدى التخلف الذي يعاني منه، فهو لا ينتج شيئا مفيدا لنفسه وللبشرية، بل يعيش على الاكتشافات والابتكارات التي تبدعها عقول الآخرين، ويستهلك كل ما ينتجونه، من الإبرة وحتى الهاتف الجوال والطائرة!

اقرأ للكاتب أيضا: منهج التعليم السعودي وعقوبة الرجم

بالطبع يفوت على ذلك "العبيط" أن جميع هذه الاختراعات وما يرتبط بها من تطور علمي ومعرفي ومادي أدى إلى ارتفاع مدهش في مستويات الحياة والرفاهية في الغرب قد استندت على أرضية أخلاقية صلبة تعززها قيم الحرية والعمل والإتقان والصدق، وهو الأمر المفقود في مجتمعاتنا العربية والإسلامية التي ينصب كل همهما في أخلاق الجنس.

إن طريق الخروج من نفق التخلف يبدأ من إدراك "العبيط" لحقيقة الأوضاع التي يعيشها داخل جنته، وأن يتخلص من الأوهام ويتصدى لعلاج الأدواء التي يعاني منها بشجاعة، فالتخلف الذي يعاني منه لم يقع عن طريق الصدفة وليس هو النتيجة الحتمية لمؤامرة خارجية دبرتها قوى معادية، بل هو في الأساس وليد الحالة العقلية البائسة التي ظل يعيشها منذ عدة قرون.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.