ولي العهد السعودي خلال اجتماع في الرياض مخخص لموازنة 2019
ولي العهد السعودي خلال اجتماع في الرياض مخخص لموازنة 2019

حسن منيمنة/

أن يكون الأمر عند وقوعه جاء مربكا للأوساط المسؤولة في الرياض شأن يفهم. أن تكون التحقيقات معقدة في بعض الأوجه ومحرجة في أوجه أخرى، هو أيضا مما يتوجب اعتباره عند التقييم الموضوعي لتعامل الرياض مع قضية مقتل جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول. ولكن أن تمضي الأسابيع ثم الأشهر، وتمعن القيادة التركية في تسريب للقرائن بالتقسيط، وفي تلويح على دفعات حول المسؤولية المباشرة لولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، دون أن يصدر عن الرياض ما يرتقي إلى مستوى الرواية المتماسكة المقنعة، مهما كانت تفاصيلها، فأمر لا ينمّ بالخير حول الإمساك بزمام الأمور في المملكة.

لم يعد مقتل جمال خاشقجي القضية العابرة التي يمكن انتظار خمود أجيجها للعودة إلى سابق الحال من جهود تقديم صورة جديدة عن السعودية للعالم. بل قضية جمال، في قباحتها الحقيقية كما في التنميقات الإضافية التي أغدقها عليها الإعلام المعادي للسعودية، هي الصورة التي سوف تبقى لاصقة بالمملكة دون انفكاك إلى حين تتفضل الرياض على العالم بالوضوح المطلوب، وبالجدية المتوقعة، وبالعدالة غير القابلة للصرف.

يمكن للرياض أن تراهن، كما يفعل البعض في واشنطن، بأن المسألة، على جسامتها، من شأنها أن تتلاشى. وربما كان في ذلك قدر متراجع من الواقعية، ولكن ما لا بد من الإقرار به هو أن الجهود المشتركة للحكومة التركية والصحافة المعارضة في الولايات المتحدة قد أسسا لحالة تبدل معها الهبوط الهادئ الذي كان البيت الأبيض يتمناه لهذه القضية، ليمسي محاولات متكررة ومتعثرة لهبوط قد لا يتحقق بل قد تقع معه الكارثة.

المطلوب من الأمير الشاب أن يتكلم، يقرّ حيث يجب وينفي كما يتوجب

​​لا شك بأن قضية قتل جمال قد وظّفت لما يتجاوز السعي إلى إحقاق الحق، وأن جلّ من يدين السعودية ويطعن بها بشأن جمال اليوم كان يدينها ويطعن بها بشؤون أخرى بالأمس، كما أن من يلتمس لها الأعذار اليوم ويطالب وضع الحدث في سياقه، كان بالأمس يدعو إلى تفهّم ما تقدم عليه، من إعدام الشيخ النمر مظلوما، إلى المقتلة العبثية في اليمن والتي انتفى منطقها الحربي منذ أعوام ولم يعد يبرر الاستمرار بما تقترفه من نزيف إلا الهيبة وحفظ ماء الوجه.

اقرأ للكاتب أيضا: هل آن الأوان للحركات الإسلامية أن تصبح أحزابا علمانية؟

السعودية، ولا سيما في ظل قيادتها الجديدة، جديرة بالمساءلة، فسياستها الإقدامية الجسورة قد جنحت إلى التهور في أكثر من موقع، داخليا وخارجيا، دون الحاجة إلى سرد تفصيلي للقضايا، ولكن السعودية كذلك دولة قادرة رشيدة يمكن التعويل عليها لموازنة توجهات دول عدة، أقل قدرة ربما وأقل رشدا في حالات عدة، بما يساهم في ضمان الاستقرار الاقتصادي للعالم.

ولكن، فيما يتعلق بالجريمة التي أودت بحياة جمال خاشقجي لا هذه الاعتبارات ولا تلك هي الحاكمة. لا ينفع تنزيه السعودية في مقتل جمال لأنها "الدولة الضرورة" لمن أراد تصنيفها كذلك، ولا يصحّ تجريمها تلقائيا لأنها مصدر التشدد والتطرف والإرهاب، على من يسمها بهذه النعوت.

ما إن اختفى جمال خاشقجي في قنصلية بلاده، وبدا التخبط في الروايات المتعاقبة، بما في ذلك المهزلة المأساة التي قدمها سعادة القنصل أمام العدسات، فاتحا الخزانات الصغيرة ليتأكد المشاهدون من أن جمال ليس فيها، بالإضافة إلى الكلام غير القابل للتصديق بأن آلات التصوير في المبنى ليست للتسجيل بل للمراقبة وحسب، والصادر عن السفير السعودي لدى الولايات المتحدة، كان جليا أن من يدير الملف يضرب خبطا عشواء، ولكن كان واضحا كذلك أن المملكة، كلها من ملكها إلى ولي عهدها إلى أجهزتها كافة، تتحمل المسؤولية المعنوية لهذا التغييب، وأنه ثمة ثمن سياسي سوف يرغمها خصومها وأصدقاؤها على سداده.

فرغم محاولة بعض الإعلام الموالي للسعودية اختبار روايات شطحية بديلة، كالتلميح بأن "الدولة العميقة" التركية أو ربما من هو مرتبط بدولة أخرى صغيرة جدا جدا، بل الإخوان المسلمين في استجداء للعطف الدولي، هم من رتّب إخفاء جمال لإحراج الرياض، فإن طفح المادة التوثيقية الصادرة عن الأجهزة التركية، (وكيف لا تكون المراقبة التركية عند أقصاها، وتركيا والسعودية على تنافر سافر)، أبطل هذه الأقاصيص، وأرغم الروايات السعودية على الاقتراب رويدا رويدا من الوقائع.

ولكن هذا لا يعني بالضرورة بأن الدوائر السعودية كانت تنشط لإخفاء جريمة ارتكبتها قيادتها، كما حسم البعض تعسفا، بل إن كان هذا ما تفعله هذه الدوائر فإن فشلها كان ذريعا ولا يليق البتة بما صرف على إعدادها وتدريبها من طاقات وأموال، بقدر ما يدل على افتقاد هذه الدوائر للقدرة على التفاعل البناء مع الوقائع المستجدة التي تطال قيادتها.

قد يكون الرجل بالفعل، كما أفاد تقييم وكالة الاستخبارات المركزية في الولايات المتحدة، هو من أصدر الأمر بقتل جمال خاشقجي بهذا الشكل الاستعراضي، وهو ليقدم على ذلك يكون قد وصل به الغرور إلى أقاصي الطيش، ليتجاهل المراقبة التركية الأكيدة، وليفرّط بالمؤتمر الاستثماري والذي بنى عليه قدرا لا يستهان من طموحه التنموي.

السبيل الوحيد لتجاوز هذا المأزق من جانب السعودية هو كامل الوضوح والشفافية

​​هذا ما رسا عليه التقييم، ولكن، من باب "درء الحدود بالشبهات"، يمكن النظر باحتمالات أخرى وإن كانت أقل رجحانا. فقد لا يكون محمد بن سلمان هو من أصدر الأمر المباشر بالقتل، بل كان قصده استجلاب جمال خاشقجي وإخضاعه، على ما في ذلك من تعديات خطيرة على الحقوق والحريات، فبالغ الفريق المولج بالمهمة، وفيه من فيه من المتنمرين الذين تدرجوا بجسارتهم وعدوانهم دون رادع على من أوقفه الأمير الشاب من الأمراء والوزراء والمتمولين ورجال الفكر والدين في الداخل السعودي، فعمدوا إلى تصفيته عن سابق تصور وتصميم استباقا لرغبة الأمير بالاقتصاص منه، نظرا لنشاطه المعارض، متجاوزين مصلحة الأمير في التوقيت وشكل الأداء.

محمد بن سلمان قد أبدى من التهور والتعجرف في أكثر من ملف ما لا يمكن معه استبعاد مسؤولية جنائية مباشرة له في إصدار الأمر بقتل جمال خاشقجي. ولا شك أن سلوكه السابق هذا كان في صلب التقييم الذي أصدرته وكالة الاستخبارات المركزية.

غير أنه لا بد من توضيح طبيعة هذا التقييم، فالغرض منه ليس الاقتصاص من متّهم، بل حماية مصلحة الولايات المتحدة، أي أن معيار الإثبات ليس انعدام الشك المعقول، بل الرجحان على أساس المعطيات المتوفرة. فإذا كان الفرد بنظر القضاء ولاستحقاق العقاب بريئا إلى حين ثبوت التهمة، فإنه بنظر التقييم الاستخباراتي، ولتوجب الإجراءات الاحترازية إزاءه، مذنبا إلى حين إثبات البراءة.

فمع صدور التقييم، ومع اطلاع مجلس الشيوخ على القرائن التي أوصلت إليه، تنتقل مهمة التبيان من واشنطن إلى الرياض، ولا يكفي الحكومة السعودية أن تدين بدورها الإدانة الصادرة عن مجلس الشيوخ من خلال التخفي حول السيادة والإعلان بأن الأمر مسألة داخلية.

ولا يمكن تبديد الموضوع عبر أن جمال خشقجي "رجل واحد وحسب" أو أنه "قال كذا" أو "فعل كذا"، أو عبر الإشارة المحقة أن القتل والتصفية والإخفاء يطال أعدادا لا تحصى، وتتورط به مختلف الدول، الكبرى منها والصغرى، فأين الاستهجان، ولمَ التركيز على حادثة وإهمال حوادث؟

ربما أن الجواب على هذه التساؤلات بسيط. فالقباحات كثيرة، ولكن طالما أن إمكانية التبرؤ منها قائمة، فإن استثمارها من الخصوم على صعوبة. أما في حالة السعودية، فالتفاصيل المخزية لقتل جمال أصبحت مكشوفة ولا مجال لإعادة دفنها. فالسبيل الوحيد لتجاوز هذا المأزق من جانب السعودية هو كامل الوضوح والشفافية.

لن يهدأ الوضع للسعودية ما لم تستقم روايتها وينتظم تحقيقها وتتحق فيها العدالة لخاشقجي

​​رغم التقييم الاستخباراتي، فإن في واشنطن وغيرها من العواصم عدد غير قليل من المتمسكين بنفي التهمة عن الأمير الشاب. مواقف أكثر هؤلاء صيغت انطلاقا من مصالح لهم تنتفي أو تتراجع إن ثبتت عليه التهمة، فيما مواقف بعضهم تأتي حرصا على مستقبل للسعودية يبدو أكثر غموضا إذا ما شهدت البلاد تناطحا على السلطة في سعي لإقصائه.

وثمة من يأمل كذلك، انطلاقا من المستقبل الواعد لهذا الأمير ولبلاده، أن تكون تلك المقولة التي تزداد ضيقا من إمكانية ألا يكون تورّطه بمقتل جمال خاشقجي يصل إلى حد المسؤولية الجنائية، على مرجوحيتها، هي الصائبة.

اقرأ للكاتب أيضا: 'القومية البيضاء'، حيث تتماهى مع الاستعلائية الإسلامية

لن يهدأ الوضع للسعودية ما لم تستقم روايتها وينتظم تحقيقها وتتحق فيها العدالة لجمال خاشقجي. وبغضّ النظر عن الوقائع والتفاصيل فإن المسؤولية المعنوية كما الثمن السياسي على عاتق الأمير الشاب، وإن اقتصر الأمر على هذا وذاك، فله من الرصيد ما يمكنه من تجاوز المحنة.

ولكن في الأمر ما هو أخطر في حال استقرار افتراض الذنب الجنائي. فالمطلوب من الأمير الشاب أن يتكلم، يقرّ حيث يجب وينفي كما يتوجب. فإذا كانت البينة على من ادّعى، فإن اليمين على من أنكر. والصمت في هذه الحالة، مع التقييم الاستخباراتي الذي يتجاوز الاتهام الظني وإن لم يبلغ حد إثبات التهمة الجنائية، هو القبول بالذنب المباشر.

ـــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.