إيرانيون من ذوي الدخل المحدود ينتظرون دورهم في الحصول على مساعدات (أرشيف)
إيرانيون من ذوي الدخل المحدود ينتظرون دورهم في الحصول على مساعدات (أرشيف)

إيلان بيرمان/

في كانون الأول/ديسمبر الماضي، اندلعت الاحتجاجات الشعبية في جميع أنحاء إيران. نظم الإيرانيون العاديون، الساخطون من تدهور الأوضاع المحلية والأولويات السياسية الخاطئة للحكومة، مسيرات وتظاهرات تحولت مع مرور الوقت إلى تحد عميق لشرعية النظام الديني للبلاد.

بعد مرور عام، ما زال "الشارع" الإيراني في حالة هيجان ـ على الرغم من أنك لا تسمع الكثير عن ذلك في الأخبار. لا تزال الاحتجاجات التي يقوم بها العمال والنشطاء والطلاب الإيرانيون ناشطة في جميع أنحاء البلاد، على الرغم من ردة فعل النظام القاسية والتي تشكل تهديدا حقيقيا على حياة المحتجين (من السجن إلى الموت على أيدي قوات الأمن الحكومية).

ثلاثة ملايين من الباحثين الجدد عن عمل انضموا إلى صفوف العاطلين عن العمل في إيران بين عامي 2014 و2017

​​الأسباب ليست صعبة التمييز. على كل المقاييس الاقتصادية تقريبا، تستمر الجمهورية الإسلامية في زيادة مؤشر البؤس.

التضخم يتزايد. ارتفع معدل التضخم السنوي في إيران في الأشهر الأخيرة، ويبلغ الآن ما يقرب من 40 في المئة، وفقا لمراقبين اقتصاديين مستقلين. وعلى مدى العامين الماضيين، ارتفع معدل التضخم في إيران بأكثر من 50 في المئة، وهو ما اعترف به البنك المركزي الإيراني. الأسباب متعددة، من الضغوط الاقتصادية الأميركية المتجددة إلى سوء الإدارة الفادح من قبل النظام الإيراني. لكن، الوضع الحقيقي في البلاد يكاد يكون بالتأكيد أسوأ من اهتمام السلطات بالاعتراف به.

اقرأ للكاتب أيضا: إعادة تقييم الاتفاق الروسي ـ الإيراني

الفقر يتعمق. إن معدل الفقر "المطلق" ـ الذي يتميز بالحرمان الشديد والمشقة ـ ينمو بسرعة فائقة داخل الجمهورية الإسلامية. وهو ما أضاء عليه تقرير جديد صدر مؤخرا عن البرلمان الإيراني أو ما يعرف بـ"مجلس الشورى". ووجدت الدراسة التي أجراها موظفو غرفة البحوث زيادة فظيعة بنسبة 22 في المئة في مستوى الفقر في المراكز الحضرية مثل طهران خلال العام الماضي، بسبب استمرار انخفاض قيمة الريال والانتكاس شبه الكارثي في القوة الشرائية بين الايرانيين العاديين. (يقال إن الوضع في ريف إيران، حيث الفرص الاقتصادية محدودو، أكثر سوءا).

البطالة لا تزال منتشرة على نطاق واسع ـ ويحتمل أن تكون خطرة. يبلغ معدل البطالة الإجمالي في إيران حاليا 12 في المئة، وهو في ازدياد. وجدت دراسة برلمانية إيرانية حديثة أن نحو ثلاثة ملايين من الباحثين الجدد عن عمل ـ حوالي نصفهم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 27 و36 سنة ـ انضموا إلى صفوف العاطلين عن العمل في إيران بين عامي 2014 و2017، وذلك بفضل عجز الحكومة الإيرانية المزمن عن خلق وظائف. وقد حذرت الدراسة من أن هذه الديناميكيات "قد تثير أزمة" ما لم يقم النظام الإيراني بتغيير جذري في المسار الاقتصادي.

كلما ازداد التراجع الاقتصادي في الجمهورية الإسلامية، كلما ازدادت دعوات الثورة المضادة

​​ومع ذلك، لا يبدو أن قادة إيران يميلون إلى القيام بذلك. على الرغم من أن مسؤولي النظام جددوا دعواتهم إلى "اقتصاد المقاومة" في مواجهة العقوبات الأميركية الجديدة، لا تظهر الجمهورية الإسلامية أي علامة على إعادة التفكير في أولويات السياسة الخارجية التوسعية (والمكلفة)، والتي تشمل المساعدة في الحفاظ على الديكتاتور السوري بشار الأسد في السلطة وتقديم الدعم العسكري للمتمردين الحوثيين في اليمن.

وهذا بدوره يمثل فرصة لواشنطن. لقد جعلت إدارة ترامب من الضغط المتجدد على إيران حجر الزاوية لسياستها الإقليمية في الشرق الأوسط، وبنت ذلك على فهم مفاده أن الجمهورية الإسلامية ـ التي شجعتها أرباح اتفاقيتها النووية مع الغرب عام 2015 ـ تشكل الآن تهديدا خطيرا ومتزايدا على المصالح واشنطن وحلفائها في المنطقة. وبناء على ذلك، سعى البيت الأبيض خلال نصف السنة الماضية إلى رفع درجة الضغط على القيادة الإيرانية من خلال فرض العقوبات، وحمل الدول الأوروبية والآسيوية على تخفيض تجارتها مع طهران.

اقرأ للكاتب أيضا: أنقرة وقضية خاشقجي

ومع ذلك، يبدو أن حليف أميركا الأكبر في هذا الجهد هو النظام الإيراني نفسه. وحتى الآن، نجح قادة إيران في احتواء التحديات التي تواجه النظام والمتمثلة بالاحتجاجات الجارية. وقد فعلت ذلك إلى حد كبير من خلال حملة اعتقالات واسعة الانتشار والرقابة والقمع على نطاق واسع. (وساعد غياب قيادة واضحة أو جدول أعمال منظم بين المتظاهرين أنفسهم، النظام الإيراني في جهوده لقمع المحتجين).

ومع ذلك، كلما ازداد التراجع الاقتصادي في الجمهورية الإسلامية، كلما ازدادت دعوات الثورة المضادة ـ وبالتالي سيزداد التحدي الأيديولوجي الذي يواجه مصداقية النظام. وهذا بدوره يجعل الاحتجاجات الحالية القوة الأبرز القادرة على إحداث تغيير ذي مغزى داخل الجمهورية الإسلامية.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.