سكان بلدة خان شيخون السوريت يتظاهرون لإدانة استخدام النظام السوري للسلاح الكيماوي ضد بلدتهم المعارضة له
سكان بلدة خان شيخون السوريت يتظاهرون لإدانة استخدام النظام السوري للسلاح الكيماوي ضد بلدتهم المعارضة له

عمران سلمان/

يقال بأن الوقاية خير من العلاج. لكن قلّة من الحكومات والدول حول العالم تأخذ بهذه النصيحة، حينما يتعلق الأمر بتفادي الاضطرابات السياسية ونشوب العنف. الواقع أن معظم الأزمات المعروفة اليوم هي نتائج مباشر لتجاهل تلك النصيحة. ولعل للمنطقة العربية نصيبها الوافر من هذه الأزمات.

شماعة التدخل الخارجي

تشكو بعض الحكومات العربية باستمرار من التدخلات الخارجية في شؤونها، والعبث بنسيجها الاجتماعي، عبر تشجيع الانقسامات الطائفية والسياسية والعرقية وما شابه. ولكن المتتبع لسياسات هذه الحكومات يدرك بوضوح أن مكمن المشكلة ليس في التدخل الخارجي، الذي سوف يظل موجودا دائما وإن بأشكال مختلفة، ولكنه في سلوكها الداخلي وطريقة إدارتها للاختلافات ما بين مكونات المجتمع.

لا ينجح التدخل الخارجي إلا عندما تفيض المشكلات عن حدها وتتدفق إلى الخارج، حيث تصبح ملموسة وقابلة للاستثمار فيها من قبل الأطراف المعادية لهذه الدول.

والسؤال الأساسي هو، لماذا يتطلع أي طرف داخلي، إلى الخارج طلبا للمساعدة؟ والجواب أن ذلك يحدث بعد انسداد أي إمكانية لحل المشكلات الداخلية، من خلال الآليات المتعارف عليها في المجتمع.

اقرأ للكاتب أيضا: الحلاج : 'أنيّتي' و'أنيّة' الله

إن تكلفة التدخل الخارجي باهظة ليس فقط على الحكومات ولكن أيضا على المعارضة والمجتمع ككل. فالتدخل يحوّل المشكلات إلى أزمات والأزمات إلى حروب تأكل الأخضر واليابس.

وبالتأكيد فإن العمل على حلّ المشاكل الداخلية عبر التنازلات المتبادلة وإرساء آليات وقنوات دستورية وسياسية مقبولة، يظل أقل كلفة بما لا يقاس من التدخل الخارجي.

للأسف، فإن قلة من الحكومات العربية أثبتت حتى الآن أنها تملك ما يكفي من الحكمة، حيث سارعت إلى نزع فتيل الأزمات بتحويلها إلى مشكلات والعمل على حلها. ولعله من المفيد هنا التأمل في تجربتي المغرب وسلطنة عمان على سبيل المثال.

أوهام الحلّ الأمني

من الملاحظ أيضا أن كثيرا من الحكومات العربية تتصرف بلا مسؤولية تجاه العوامل المسببة للإضراب الاجتماعي والسياسي. فهي تستكين إلى الأمر الواقع وتسكرها نشوة الانتصارات الأمنية على المدى القريب في القضاء على خصومها، لكنها لا تدرك أن هذا الواقع ليس ثابتا، وأنه سرعان ما يتغير ويفرز معه معطيات جديدة.

إن المشكلات لا تموت، حتى وإن بدى أن الأطراف الضعيفة فيها قد سكنت مؤقتا بفعل عوامل القمع والمصادرة. إنها مثل الماء، لا يمكن منعه من الجريان. يمكن وضعه ضمن السدود والحواجز والخزانات وما شابه، لكن الماء الجاري لديه القدرة دائما على إيجاد منافذ يتسرب منها، ولديه القدرة مع الوقت حتى على تفتيت الصخور.

طبعا في العديد من المجتمعات العربية فإن الحكومات لا تعترف أصلا بوجود مشكلات. وهي تصور الأمر كما لو أنه مجرد "مشاغبة" من بعض الأشخاص أو الجماعات، وتوعز لوسائل إعلامها بالهجوم والتشهير بهم وتتصور أن الأمر قد انتهى عند هذا الحد.

ما يزيد الأمر سوءا، إنه حتى مع العجز عن إيجاد حلول جدية للمشكلات، فإن غالبية مجتمعاتنا تفتقر إلى أطر ووسائل سياسية وإعلامية صحية لعرض المشكلات والتفكير فيها بصوت مرتفع.

ففي العديد من الحالات تكون الحكومات في أمس الحاجة إلى عقول الناس وجهودهم (وأحيانا دعائهم الصالح) من أجل مساعدتها في خلق القنوات المناسبة التي يمكن من خلالها طرح مختلف القضايا والمسائل مثار الخلاف، لكن ما يحدث هو أن السلطات تفوت على نفسها وعلى المجتمع هذه الفرصة وتكتفي بسماع صوتها أو أصوات مسؤولي الدوائر الفاسدة المحيطة بها.

سياسة توليد الاحتقانات

ولعل أكثر ما يلفت نظر أي مراقب للمنطقة أن مجتمعاتنا تجيد توليد الاحتقانات والتوترات. فالمطالب الخدمية البسيطة التي قد يرفعها سكان أي منطقة أو مدينة في أي بلد عربي، ويمكن حلّها عبر إجراءات إدارية عادية، تحولها الحكومات إلى قضية سياسية، ويتم التعامل معها أحيانا بوصفها تمردا على السلطة. ولا تتورع هذه الحكومات عن التهديد بالقوة أو اللجوء إليها فعليا، بهدف قمع أية أصوات مطلبية.

وفي السابق، كان ثمة مساحة معقولة للمعارضات تتحرك فيها، لكن في السنوات الأخيرة تقلصت هذه المساحة كثيرا، وباتت الحكومات العربية مفرطة الحساسية على نحو متزايد تجاه أي شكل من أشكال المعارضة.

وتم استغلال مسألة مكافحة الإرهاب لوصم أي نشاط سياسي لا ترضى عنه هذه الحكومات، كما تم استحداث ترسانة من القوانين والإجراءات القانونية، لتجريم أي شكل من أشكال المعارضة.

حتى أصبح مجرد الكتابة في وسائل التواصل الاجتماعي، تهمة تقرن بتعابير خطيرة من قبيل "تقويض الأمن والاستقرار" و"تعكير السلم الأهلي"... إلخ.

ينبغي القول إن هذه السياسات نجحت في تمكين العديد من الحكومات العربية من إحكام قبضتها السياسية والأمنية. ولكن السؤال هو بأي ثمن، وهل يمكن أن تدار المجتمعات لفترة طويلة على هذا النحو؟

اقرأ للكاتب أيضا: في العنف والحروب وأسبابها

التاريخ يظهر أن الحكومات تصاب هي الأخرى بالإرهاق والتعب، وهي لا تستطيع أن تبقى في حالة استنفار مستمر. وعاجلا أو آجلا تفقد قدرتها على السيطرة. ولكن حين يحدث ذلك، يكون البديل المتوفر أكثر تطرفا من النماذج السابقة، بعد أن جرى تدمير الجسور مع المجتمع والقوى المعتدلة فيه.

إن جميع الحكومات لديها عادة الفرصة الكافية لإصلاح الوضع وتفويت الفرصة على التدخل الخارجي وما شابه، لكن القليل منها فقط هو الذي يعمل بمقولة "الوقاية خير من العلاج"، والسبب أن معظم الحكومات تعتبر أنها مختلفة ولا يمكن أن يحدث لها ما حدث لجيرانها، لكن النبأ السيء هو أنه حدث وسوف يحدث بشكل أو بآخر.

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.