"حزب الله"، بكل كلفته على الاقتصاد يتم تحييده، لا بل ثمة من يسعى إلى جذبه حليفا إلى تحركات "محاربة الفساد"
"حزب الله"، بكل كلفته على الاقتصاد يتم تحييده، لا بل ثمة من يسعى إلى جذبه حليفا إلى تحركات "محاربة الفساد"

فارس خشّان/

بمناسبة ملف تأليف الحكومة اللبنانية في ظرف اقتصادي دقيق من جهة أولى، وبفعل إعجاب بعض الأحزاب والناشطين بتجربة " السترات الصفراء" في فرنسا، من جهة ثانية، تقدّم موضوع مكافحة الفساد إلى واجهة الاهتمام.

ومن الواضح أن الأفكار التي يتم طرحها تصدّيا للفساد سليمة، إذ أنها تتبع "التقويم" المتّفق عليه لإصلاح الدول.

وما من شك أن الوقوف في وجه الهدر واللصوصية والنفعية، في مقابل التمسّك بالنزاهة في التوظيف والتلزيم والإنفاق، هي من ضروريات حماية المال العام والتوزيع العادل للثروة الوطنية وتحسين الوضعية الاجتماعية للمواطن.

ولكن، في حالة الجمهورية اللبنانية فإنّ كل هذه التدابير، حتى لو ترجمت إلى أفعال بأعجوبة، لن تُجدي نفعا؛ فالميكروب الذي ينشر الالتهاب القاتل على امتداد الدولة يتغذّى من التشوّه اللاحق بـ"النظام"، لذلك لا بد بادئ ذي بدء، من الانكباب على "تطبيب" هذا التشوّه.

اقرأ للكاتب أيضا: 'حزب الله' القوي في لبنان الضعيف

والتشخيص متوفر، ولكنّ المعالجة على أساسه مغامرة لا يبدو أن "الأطباء" الحاليين سيخوضونها، بعدما اعتبروا أن من سبق وفعل، قد تأذّى إلى حدود... القتل.

ومن كان قريبا من الرئيس الشهيد رفيق الحريري يُدرك ذلك. فالحريري، وعلى إثر العراقيل التي حالت دون تطبيق مقررات "مؤتمر باريس ـ 2"، واكتشافه الدور الذي قاده الرئيس السوري بشّار الأسد في صناعة هذه العراقيل، اعتبر أن مفتاح الحل يكمن في إصلاح الواقع السيادي في لبنان من خلال بدء العمل على إنهاء الهيمنة السورية ـ بالمباشر كما بالواسطة ـ على القرار اللبناني، مما قاده مباشرة إلى عصف ألفي كيلوغرام من الـ"تي.أن.تي.".

ومن تابع العلاجات التي حرم منها الاقتصاد الوطني، يعرف أنّ الحكومات المتعاقبة ـ ومن بينها بطبيعة الحال الحكومة الجديدة المكوّنة من متخاصمين في السياسة ومتباينين في الرؤى الوطنية ومختلفين في التوجه الاقتصادي ـ تقف عاجزة أمام الفساد بمختلف تجلياته، بفعل المحاصصة والاستزلام والتبعية التي ترتدي عند اللزوم الزي الطائفي، وهي، إن تمكّنت من تسديد رمية فإنها تكون في المجمل على حساب شخصية إدارية تمرّدت على "الشواذ المتّفق عليه".

ومن لاحق خلفيات المأزق الذي يقع الاقتصاد كما المالية في حبائله، يلتمس كلفة "حزب الله" المسلّح والملحق بمشروع إقليمي طموح تقوده إيران، إذ أنّه تسبّب بضرب السياحة، وهي المورد الرئيس للعملات الصعبة، وعقّد مسار النظام المصرفي، وهو ركن أساسي في لبنان، ورفع مخاطر الاستثمار الذي من دون نموه تنتعش البطالة، وبجعله لبنان يتنقل بين حدّين تدميرين، وهما العقوبات والحرب.

وعلى الرغم من تأثير "حزب الله" السلبي على انتعاش الدولة، لم ينكب أي فريق على دراسة علمية تُظهر كلفته الضخمة على الاقتصاد، لا بل إن غالبية القوى السياسية اللبنانية، راحت تتجاوز هذا الواقع، وتحاول التفتيش عن حلول في مواضع أخرى سرعان ما تتهاوى، لأنها حلول تُعنى بالعوارض ولا تركّز على المسبّب.

ولا يمكن لدولة أضحى نظامها مجرد أداة لإدارة الفوضى الكيانية أن تتطلّع إلى إنجاز إصلاحات ناجعة، لأن مشكلتها لا تكمن في النص القانوني بل في عدم تطبيقه بفعل رضوخها بفعل العجز أم العمد، للتفلّت من الالتزام بالقواعد الدستورية التي يفترض أن تستمد منها شرعيتها السلطوية الملزمة بالتساوي بين جميع المواطنين.

وما يصيب البُنى الفوقية للدولة يصيب البُنى الشعبية، إذ إن "محاربي الفساد" يرفعون في الشارع شعاراتهم، وفق "أجندة" سياسية، أي أنهم يريدون تحميل المسؤولية للعوارض، وليس للمسبّبات.

اقرأ للكاتب أيضا: 'السترات الصفراء'... العربية

ولذلك، فإن "حزب الله"، بكل كلفته على الاقتصاد وعلى الجاذبية اللبنانية المالية وعلى رفاهية المواطن، يتم تحييده ـ لا بل ثمة من يسعى إلى جذبه حليفا ـ فيما هو، بالإضافة إلى تأثيره السلبي بفعل كينونته المسلّحة، شريك حاسم في صناعة السلطة، وليس أدل على ذلك أنه هو من فرض العماد ميشال عون مرشحا وحيدا على رئاسة الجمهورية، وهو من وقف وراء قانون الانتخاب الذي وفّر له تفوّقا عدديا في البرلمان، وهو من أوقف تشكيل الحكومة لأشهر حتى يدخل إليها من يريده من قوى صنعها على قاعدة "قصقص نواب وساويهم (اعمل منهم) كتل (نيابية)".

بطبيعة الحال، يحتاج لبنان إلى عملية إصلاح عميقة، من أركانها مكافحة الفساد المستشري، ولكن بالتوازي مع ذلك يحتاج إلى تخليص نفسه من الفوضى الذي تضرب نظامه، بفعل الأدوار التي يلعبها "حزب الله" المسلّح من جهة، وبفعل اختباء المرتكبين وراء الطوائف من جهة أخرى.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.