بنك في العاصمة طهران
بنك في العاصمة طهران

إليانا ديلوزيي/

خلال الأسابيع القليلة الماضية، أصدر مجلس الأمن الدولي ثلاثة تقارير مرتبطة بالقرار رقم 2231 (الاتفاق النووي)، وفّر كل منها تحديثات بشأن امتثال إيران لـ"خطة العمل الشاملة المشتركة" وعمليات الشراء المشبوهة التي تجريها خارج قناة المشتريات الرسمية التي تمّ إنشاؤها بموجب هذه "الخطة".

ومع ذلك، فقد تلاشى أي أمل في التحديثات المفصّلة؛ وبدلا من ذلك، أبرزت التقارير اعتماد الأمانة العامة للأمم المتحدة و"الوكالة الدولية للطاقة الذرية" المستمر على آليات ضعيفة لإعداد التقارير الذاتية من أجل التحقق من المشتريات ومراقبتها، مما يعزّز بالتالي إمكانية حصول إيران على مواد نووية بصورة غير مشروعة أو سرية.

يتعيّن على الولايات المتحدة التواصل بشكل استباقي مع حلفائها الأوروبيين ـ وخاصة الأطراف المتبقية في "خطة العمل الشاملة المشتركة" ـ من أجل دعم جهود الأمم المتحدة و"الوكالة الدولية للطاقة الذرية" وضمان الحذر الدائم من أي خدع إيرانية محتملة.

شكوى خفية تعني الكثير

في 26 تشرين الثاني/نوفمبر، نشر مجلس الأمن الدولي أحدث تقرير لـ"الوكالة الدولية للطاقة الذرية" بشأن إيران و"خطة العمل الشاملة المشتركة". وكما جاء في التقارير السابقة، كرّر التأكيد على التزام إيران المستمر بشروط الاتفاق المتعلقة بالشقّ النووي، لكنه أثار أيضا مخاوف بشأن استجابة الحكومة لطلبات "الوكالة".

وعلى وجه التحديد، دفعت "الوكالة" إيران إلى تقديم المزيد من التعاون "في الوقت المناسب وبشكل استباقي" ـ وهي صياغة وصفها مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الأمن الدولي ومنع انتشار الأسلحة النووية، كريسوفر فورد، بأنها "شكوى مباشرة"، رغم التعبير عنها "في الخطاب الخافت لدبلوماسية ‘الوكالة’".

بإمكان "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" على الأرجح تقديم المزيد من المعلومات المفصلة إلى الأطراف في "خطة العمل الشاملة المشتركة" في المجالس الخاصة بشأن امتثال إيران المتأخر. ويمكن للحكومات حينها التسلّح بهذه المعلومات من أجل دعم جهود التحقق التي تبذلها "الوكالة" من خلال تحميل إيران مسؤولية التقيّد بالتزاماتها بموجب "الخطة المشتركة".

نشاط مشبوه

في 6 و11 كانون الأول/ديسمبر على التوالي، أصدرت الأمانة العامة للأمم المتحدة والميسّر لتنفيذ القرار رقم 2231 أحدث تقريرين لهما حول قضايا مثل قناة المشتريات والنشاط المشبوه الذي يحدث خارجها. وبعد انسحاب الولايات المتحدة من "خطة العمل الشاملة المشتركة"، يبدو وكأن قناة المشتريات ـ آلية أنشئت لمراقبة عمليات نقل المواد والمعدات وغيرها من المساعدات الضرورية لبرنامج إيران النووي ـ تواصل عملها، وإن كان بمعدل مخفّض.

وجاء في التقريرين السابقين، الصادرين في حزيران/يونيو 2018 واللذين يغطيان الأشهر القليلة الماضية من مشاركة الولايات المتحدة في "الخطة المشتركة"، أن القناة تلقت ثلاثة عشر طلبا للنقل. وخلال فترتي إعداد التقارير التي سبقت ذلك، تلقت ثمانية وعشرة طلبات على التوالي. غير أنه في الفترة الأخيرة، لم تتلق سوى خمسة طلبات.

وكما كان متوقعا، ساهمت إعادة فرض العقوبات الأميركية على إيران في آب/أغسطس وتشرين الثاني/نوفمبر في جعل بعض الأنشطة في قناة المشتريات قابلة للعقوبات بموجب القانون الأميركي، الأمر الذي ربما كان قد ردع تقديم الطلبات.

كما أن استخدام القناة المحدود أساسا يجعل من الصعب تأكيد هذه الفرضية، غير أن الدفعة التالية من التقارير ـ في غضون ستة أشهر، بعد أن تم منح الوقت لتنفيذ العقوبات الأميركية ـ قد تُلقي المزيد من الضوء على المسألة.

لسوء الحظ، ولكن على نحو غير مفاجئ، تقدّم التقارير الأخيرة توضيحات محدودة حول النشاط المشبوه الذي يحدث خارج القناة، بما في ذلك الحوادث التي لوحظت خلال فترة إعداد التقارير السابقة.

ووفقا لتقارير حزيران/يونيو، كان مجلس الأمن يحقق في الشكاوى الأميركية والإماراتية بأن إيران حصلت على مواد ذات استخدام مزدوج ـ بمعنى آخر، مواد منقولة تحت غطاء تجاري وغير نووي ولكن يمكن استعمالها في برنامج نووي ـ بشكل مستقل عن قناة المشتريات.

وعلى وجه التحديد، أعلن مسؤولون إماراتيون أن إيران تلقت "40 قطعة أسطوانية من التنجستن، ومطياف كتلي بلازمي واحد مقرون بالحث، و10 مكثفات، وقضيب تيتانيوم واحد". وتوضح التقارير التي صدرت في كانون الأول/ديسمبر أنه، وفقا إلى الدول المصنعة غير المحددة، لا يفي التنجستن والمكثفات بالمعايير اللازمة لطلب الموافقة من قناة المشتريات.

أبرز المحطات بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي

​​

ومع ذلك، أبلغ بلد التصنيع للمطياف الأمانة العامة للأمم المتحدة بأن هذه المادة قد استوفت هذه المعايير، على الرغم من أن المراجعة الداخلية كانت لا تزال قائمة، مما يُبقي القراء بانتظار التأكيد النهائي.

أما بالنسبة لقضيب التيتانيوم المشتبه به، فقد أشار تقرير الأمانة العامة إلى عدم توافر أي معلومات إضافية. كما عجز عن اتخاذ أي قرار بشأن ألياف الكربون والخمسين طنا من سبائك الألومنيوم التي حصلت عليها إيران من خارج القناة، رغم التأكيدات الأميركية السابقة بوجوب حصولها على موافقة.

وكما سبق وأشير بالتفصيل، سيكون من المقلق للغاية أن تستوفي هذه المواد معايير معينة وأن تكون إيران قد اشترتها من خارج القناة، بما أن كلا منها يمكن استعماله في برنامج نووي أو صاروخي. وفي ضوء القيود المفروضة على هذه المسائل، قالت الأمانة العامة ببساطة إنها "طلبت توضيحا" لكل حالة.

آليات ضعيفة لمكافحة الانتشار

يؤكد التقرير الأخير للأمانة العامة بشكل كبير عدم وجود آليات جديرة بالثقة من أجل التحقيق في الخدع. صحيح أن هذا العجز ليس بالأمر الجديد، لكن قد يتفاقم بسبب الاختلاف الأميركي ـ الأوروبي حول قرار واشنطن بالانسحاب من "خطة العمل الشاملة المشتركة".

وحاليا، وفي حالات المشتريات غير المشروعة المزعومة، يُطلب من الدولة المصنّعة إبلاغ مجلس الأمن ما إذا كانت المادة المعنيّة تستوفي المواصفات الضرورية لمراجعتها من قبل القناة. ولا يتحقق أي طرف خارجي من المعلومات المقدمة من الدولة المذكورة ـ سواء الأمم المتحدة أو الفريق العامل المعني بقناة المشتريات، أو أي وكالة أخرى، ناهيك عن طرف خارجي يتمتع بالمعرفة الفنية الضرورية لاختبار صحة الشكاوى.

ويذكّرنا ذلك بآليات التحقق والمراقبة الخاصة بـ"الوكالة الدولية للطاقة الذرية" التي تلقي بمسؤولية إعداد التقارير والتوضيح على الطرف المتهم. وقد تُفسر المخاوف من تجاوز وكالة دولية للسيادة سبب عدم وضع مهمة استقصائية مناسبة وشاملة عبر إحدى الهيئات التابعة للأمم المتحدة.

وعلى أي حال، تتمثل النتيجة النهائية في أنه يمكن لإيران استغلال هذه الثغرات من أجل شراء مواد غير مشروعة. ومما يثير الحنق هو أنه حتى لو وجدت الآليات الضعيفة القائمة دليلا على مشتريات غير مشروعة، يقع عبء تفسير الانتهاك على عاتق المزوّد وليس المشتري. وفي الواقع، يمكن لإيران شراء مواد من خارج القناة الرسمية من دون خوف من العواقب.

ويمكن أن تساعد وكالات الاستخبارات في الولايات المتحدة والأطراف المشاركة في "خطة العمل الشاملة المشتركة"، باستخدام قدراتها في الرصد إلى أقصى حدودها، على معالجة هذه المشكلة كما فعلت في الماضي.

ويتطلب جهد مشترك لمكافحة انتشار الأسلحة النووية إرادة سياسية حازمة وتنسيقا فعالا بين الدول ـ وربما يكون ذلك أمرا صعبا نظرا إلى الانقسامات السياسية التي ظهرت إلى الواجهة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق.

يجب الإشادة بجهود أوروبا لإنقاذ "خطة العمل الشاملة المشتركة" وضمان عدم انسحاب إيران وبالتالي إحياء برنامجها النووي. لكن في خضم الصراع العلني لإنقاذ بعض جوانب الاتفاق، من الضروري أن يدعموا جهودهم في مكافحة انتشار الأسلحة النووية بشكل خاص ـ وإلا ستواجه خطر تأكيد شكوك الولايات المتحدة حيال الاتفاق.

إليانا ديلوزيي، هي زميلة أبحاث في "برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة" في المعهد، ومحللة نووية سابقة في "مكتب مكافحة الإرهاب" التابع لـ"إدارة شرطة مدينة نيويورك".

المصدر: منتدى فكرة

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Sudanese women lift national flags by burning tyres as they take part in a demonstration on Sixty Street in the capital…
مواطنات سودانيات خلال إحياء ذكرى ضحايا الهجوم القوى العسكرية على المتظاهرين أمام مقر قيادة الجيش السوداني ومقتل أكثر من مئة متظاهر قبل عام

في العام الماضي، انتصرت سلمية الشعب السوداني على ثلاثين عاما من الظلم، وصك الشعار الأشهر للثورة بما يعكس توق الشعب ورغبته في تحقق معاني المفردات الثلاث؛ حرية، سلام، عدالة. وأفرزت العملية التفاوضية بنية سياسية ذات فروع سيادية وتشريعية وتنفيذية مكلفة بتحويل هذه الأحلام والمفردات إلى حقيقة.

وتم الاتفاق على أن تتكون السلطة التنفيذية من أصحاب الكفاءات غير الحزبية بغرض تحقيق أكبر قدر من التوافق وإبعادها عن التجاذب الحزبي. وعليه شُكلت الحكومة في سبتمبر من العام 2019 برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك وهو خبير اقتصادي تتوفر له خبرات في مجالات متعددة منها إصلاح القطاع العام والحوكمة وبناء السلام وسجل وظيفي مميز يتضمن منظمة العمل الدولية واللجنة الاقتصادية لأفريقيا.

ومع ذلك، واجه حمدوك وحكومته والسودان نفسه عددا من التحديات على مدى الأشهر التسعة الماضية، أدت إلى اختبار الهيكل الحكومي، وطرحت سؤالا عما إذا كان باستطاعة السودان أن يحقق استقرارا اقتصاديا في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية. وفي حين تمتلك الحكومة سلسلة من الخيارات عندما يتعلق الأمر بالإصلاحات المحلية، فإن تيسير إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي وإعطاء دفعة قوية للاقتصاد عن طريق رفع العقوبات مع تأمين معيار سياسي وأمني يفضي إلى التنمية، يمثل ضرورة قصوى لنجاح الإصلاحات الأخرى.

 السياسة المتصدعة وأسئلة الاقتصاد الشائكة

على الرغم من أن البعض يرى أن الدافع الأساسي للثورة هو وعي الجماهير ورغبتها في تحقيق ذاتها وحفظ كرامتها الإنسانية، غير أن الواقع يشير إلى أن تدهور الأوضاع الاقتصادية في أواخر سنوات الرئيس المخلوع وانعكاساتها قد شكل الدافع الرئيسي لشريحة كبيرة من الشعب للانخراط في الثورة ضد النظام القديم. 

فعقب تشكيلها، ورثت الحكومة الانتقالية العبء الاقتصادي مع خزائن خاوية وموارد مبددة. وعلى الرغم من المساعدات السخية التي حصل عليها للمجلس العسكري من عدة دول لها أجندتها الخاصة، فإن هذا الدعم قد أخذ في التناقص بشكل كبير عقب تشكيل الحكومة، وهو أمر يتم تفسيره بمحاولة تدجين الحكومة الانتقالية وخلق نظام يتوافق مع أجندة هذه الدول.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية

إحدى أشكال المعضلة الاقتصادية للحكومة ووزارة ماليتها هي كيفية التوفيق بين استخدام الموارد المحدودة لتوفير الاحتياجات اليومية من الخبز والوقود والدواء وغيرها وبين استخدامها لتعزيز بنية الاقتصاد وتوسيع قاعدته الإنتاجية بما يضع السودان على أولى عتبات سلم التنمية في المديين المتوسط والطويل.

وقد أثارت هذه المعضلة الخلاف بين بعض التيارات التي تمثل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية (لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير) ووزير المالية الذي تتمثل رؤيته للحل في إعادة هيكلة الإنفاق العام وأولوية إصلاح الدعم السلعي الشامل، الذي يعتبر عبء يستنزف الموارد ويحد من قدرة الحكومة على إعادة توجيها. 

إلا أن الحديث عن إصلاح الدعم يثير حفيظة بعض مكونات الحاضنة السياسية إذ ترفضه بعض تياراتها من منطلقات أيديولوجية، حيث ترى أن إصلاح الدعم جزء من سياسات صندوق النقد الدولي لإفقار الدولة النامية فيما ترفضه تيارات أخرى بحجة عدم ملائمة التوقيت وأن هنالك إجراءات ضرورية ولازمة يجب وضعها لتخفيف الأثار السالبة على الطبقات الضعيفة قبل الشروع في إصلاح الدعم.

وفي إطار التشاور قدمت لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير مقترحات ترى أنها ستعالج الأوضاع الاقتصادية دون الحاجة إلى إصلاح الدعم السلعي، منها على سبيل المثال، استعادة الأموال المنهوبة بالخارج وإعادة ولاية المالية على المال العام بالإضافة إلى سيطرة الحكومة على شركات القطاع العسكري بمكوناته المختلفة والتحكم في إنتاج وتصدير الذهب وغيرها، وهي مقترحات جيدة في مضمونها وإن كان جزء منها يصعب تحقيقه خلال الفترة الانتقالية.

بعيدا عن المعارضين لسياسية إعادة هيكلة الدعم، فإنه من الصعوبة بمكان أن  تستطيع الحكومة الانتقالية أو أي حكومة قادمة توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية لتدعيم النمو وتحقيق التنمية دون مراجعة لسياسة الدعم السلعي الشامل، فسياسة الدعم المطبقة حاليا بالإضافة إلى عبئها المالي منحازة لسكان المدن دون غيرهم، كما تسهم في إبقاء الفقراء في دائرة الفقر بالحد من قدرة الاقتصاد على النمو، بالإضافة إلى أن تمويل الإنفاق عليها يستنزف الموارد الطبيعة مما قد يؤدي إلى حرمان أو خفض نصيب الأجيال المستقبلية فهي سياسة تحابي الحاضر على المستقبل.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية أيضا بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية. ويتكون الفاعلون الرئيسيون من قوى الحرية والتغيير وهي تحالف عريض يضم قوى نداء السودان، قوى الإجماع الوطني وكليهما يتكون من تحالف عدة أحزاب، بالإضافة إلى تجمع المهنيين السودانيين ومجموعات مدنية أخرى.

وبجانب قوى الحرية والتغيير هنالك حركات الكفاح المسلح التي تضم الجبهة الثورية والحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال) جناح عبد العزيز الحلو وجناح مالك عقار، وهنالك أيضا حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور وهي غير مشاركة في محادثات السلام المنعقدة بجوبا عاصمة دولة جنوب السودان. القوى السياسة أعلاه تصنف كداعمة للحكومة الانتقالية إلا أن التباين الشاسع بين مكوناتها يحد من فعاليتها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة

لا تؤيد جميع الأحزاب الحكومة الانتقالية؛ حيث تتواجد في الساحة السياسية أيضا بعض التنظيمات الإسلامية المتحالفة مع بقايا حزب المؤتمر الوطني المحلول وهي ترى الحكومة الانتقالية كحكومة يسار وتسعي لإسقاطها من خلال الاحتجاجات وافتعال الأزمات المختلفة. ولكن تظل لجان المقاومة وهي لجان شبابية غير حزبية كانت عماد الثورة وهي الفاعل الأكثر تأثيرا بما لها من قدرات على العمل السياسي الاحتجاجي المباشر.

وإلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله، حيث أن هناك فاعل آخر يتمثل في المكون العسكري بشقيه القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، ولكليهما مطامع في السلطة ويبدو هنالك تنافس خفي بينها، وإن كان المناخ السياسي بعد الثورة لن يتقبل أي انقلاب أو حكم عسكري مع ذلك يظل المكون العسكري يمثل التهديد الأكبر للفترة الانتقالية وللعملية الديمقراطية. وإن كانت تصدعات المكون المدني تفهم في إطار التنافس السياسي فإن التصدع والمواجهة بين أطراف المكون العسكري مخاطرة يتمنى الجميع عدم حدوثها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة فضلا عن أداء المؤسسات الاقتصادية الأخرى. وبالتالي، فإن تحسن الأداء المالي من جانب الحكومة الانتقالية لا يزال رهينة اختلاف الآراء بشأن أولويات الإصلاح وأساليب إدارة الاقتصاد.

العقوبات الدولية وتحديات التحرير الاقتصادي

تمثل إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي ضرورة ملحة، إذ أنه بلا تدفقات أجنبية في شكل استثمارات ومساعدات تنموية وتحويلات عاملين وبدون علاقات وانفتاح على الأسواق العالمية، يصبح من الصعب توقع تحقيق نهضة اقتصادية في ظل اقتصاد مغلق ومحاصر.

ولسنوات طويلة مثلت العقوبات الأميركية إحدى أهم أسباب تدهور الأداء الاقتصادي، إلا أن أكثرها إيلاما هو الحصار الاقتصادي في العام 1997 الذي عزل السودان عن منظومة الاقتصاد العالمي ومؤسساته المالية فأصبح من غير الممكن استخدام الشبكات المصرفية للقيام بالتحويلات للعاملين بالخارج أو التحويلات المتعلقة بالتجارة الخارجية من صادر ووارد وغيرها، كذلك حد الحصار من إمكانية الحصول على قطع الغيار اللازمة للسكك الحديدية والطائرات، كما قلل من فرص البعثات التعليمية وعطل نقل المعرفة والاستفادة من التقنيات الحديثة.

وفي هذا الصدد، بذلت الحكومة الانتقالية منذ تشكيلها العديد من الجهود لمعالجة ملف العقوبات مع الولايات المتحدة الأميركية، ونتج عن الزيارات والاتصالات المتبادلة بين الطرفين الاتفاق على ترفيع مستوي التمثيل الدبلوماسي إلى درجة السفير.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية

وبالإضافة إلى ذلك، تم رفع العقوبات المفروضة على عدد من الشركات السودانية الخاصة في أبريل الماضي. كما وأنه وفي إطار معالجة القضايا القانونية ضد السودان بالمحاكم الأميركية تم دفع تسوية لأسر ضحايا المدمرة كول برغم ضيق ذات يد الحكومة الانتقالية. والآن، يعمل البلدان على تسوية المطالبات المعلقة على الحكومة السودانية، لكن العملية لم تكتمل بعد.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية، فوجود السودان ضمن القائمة يحد من قدرته الاقتصادية في الحصول على الموارد اللازمة ـ على وجه الخصوص المساعدات المقدمة من مؤسسات التمويل الدولية، كما وأنه يدفع المصارف العالمية إلى عدم إكمال المعاملات المصرفية التي يكون السودان أحد أطرافها.

إن حرمان السودان من المساعدات التنموية والقروض الميسرة وإحجام المصارف العالمية عن التعامل معه يجعل الحكومة الانتقالية رهينة وخاضعة لمساعدات دول لها أجندة سياسية مثل الأمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. والتي يعتقد على نطاق واسع داخل السودان، أنها ضد أي انتقال حقيقي يغير موازين القوي وينتج دولة ديمقراطية.

رغم الجهود الحثيثة ودعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غواتريس لإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ودعم تجربة الانتقال في السودان، فإن التقدم مازال بطيئا الأمر الذي ولد شعورا لدي تيار عريض من السودانيين بان الإدارة الأمريكية لا ترغب في دعم عملية الانتقال الديمقراطي بالسودان، وبالتالي في حال فشل تجربة الانتقال سيكون للولايات المتحدة النصيب الأكبر من اللوم بلا شك.

حل النزاعات وتكلفة بناء السلام

 تشكل جروح السودان العميقة الناجمة عن عقود من الصراع تحديا هائلا للحكومة الجديدة. فبعد انفصال جنوب السودان، ظلت أقاليم دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق تعاني من ويلات الحرب وآلام النزوح وعدم الاستقرار. تحقيق السلام هو أحد أهم أهداف الثورة وما يجعل السلام أولوية قصوى هو عدم إمكانية تحقيق استقرار اقتصادي واستدامة تنموية في ظل وجود مناطق حروب ونزاعات نشطة، فالحرب تهزم الموازنة العامة وتعظم سلطات العسكر.

وكما أن للحرب كلفة فإن للسلام متطلبات أيضا، ففي الشق الاقتصادي هنالك حاجة لتوفير موارد ضخمة لمعالجة قضايا التعويضات وإعادة التوطين وإعادة الدمج والتسريح بالإضافة إلى تقديم الخدمات الأساسية. توفير هذه الموارد تحدي لن يكن بمقدور الحكومة الانتقالية التعامل معه، ولذا فإن خطاب رئيس الوزراء الخاص بطلب تشكيل بعثة أممية تحت الفصل السادس قد يمثل إحدى السبل لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام. ويمثل هذا النوع من الجهود الدولية لبناء السلام إحدى الطرق لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام.

إلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله

إن وجود قيادة ذات رؤى وتحقيق الإدماج في الاقتصاد العالمي، وتحقق السلام غير كافية لوضع الاقتصاد على مسار الاستدامة. إذ لابد من توفر المؤسسات ذات الكفاءة والمقدرات الفنية والبشرية العالية. والأمر الذي لا شك فيه أن ثلاثون عاما من الحكم الديكتاتوري أوجدت مؤسسات بالية ذات كفاءة متدنية بفعل التمكين السياسي والعشائري، ترافق معها فساد مستشري وبيئة قانونية غير فاعلة. إن ضعف المؤسسات (قوانين ومنظومات) يحد من فعالية تنفيذ برامج الحكومة الانتقالية ويستدعي الشروع في الإصلاح المؤسسي بالتوازي مع الإصلاحات الاقتصادية.

هشاشة البني السياسية بأحزابها المشاكسة، وحركاتها المسلحة ومكونها العسكري تتطلب ولنجاح تجربة الانتقال المدني أن تتوفر لقادة التغيير مهارات تفاوضية ومقدرات على المناورة وربما رقابة دولية أو إقليمية مع إيجاد آليات لتبادل الآراء ووجهات النظر مع أطراف الخارطة السياسية والاتفاق على تقديم الأجندة الوطنية على ما سواها. تجارب الانتقال من نظام ديكتاتوري إلى نظام ديمقراطي تتضمن سلسلة من الصعود والهبوط، الكثير النجاحات والإخفاقات فالمسار ليس خطيا ونجاح الانتقال يعتمد على إدراك قادة التغيير للتحديات الجمة التي تكتنف مساره واستعدادهم للعمل معا لتجاوزها. كما يجب على المجتمع الدولي أن يعترف بهذه الجهود، وأن يبذل قصارى جهده لضمان نجاح السودان الجديد. فبوعي القيادة وهمة الشباب الثائر وبدعم الأصدقاء والقليل من الحظ قد نشهد نجاح تجربة الانتقال وتخلق سودان مختلف.

المصدر: منتدى فكرة