أكراد يعترضون على العملية التركية العسكرية في عفرين في سبتمبر 2018
أكراد يعترضون على العملية التركية العسكرية في عفرين في سبتمبر 2018

عريب الرنتاوي/

استيقظت عواصم المنطقة والعالم ذات الصلة، على وقع قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسحب قوات بلاده من كافة الأراضي السورية، في مهلة زمنية قصيرة نسبيا، لا تتعدى المئة يوم...

اكتسبت الخطوة، التي طالما تحدث عنها ترامب ولوّح بها، طابع "المفاجأة المتوقعة"، إذ لم يكن أحد ليصدق بأن واشنطن ستتخلى عن آخر أوراق القوة التي تتمتع بها في سوريا، في لحظة احتدام المواجهة مع كل من روسيا وإيران، وفي مناخات الفتور وانعدام اليقين في العلاقات الأميركية ـ التركية.

قبل القرار

من ريك تيلرسون، مرورا بمايك بومبيو وانتهاء بجيمس جيفري، بنت واشنطن استراتيجيتها في سوريا على ركائز ثلاث:

  1. إنهاء تنظيم "داعش" عن الجغرافيا السورية، وضمان عودته كمصدر لتهديد الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي.
  2. تقليص نفوذ إيران، الأمني والعسكري على وجه الخصوص في سوريا، والحيلولة دون قيام "حزام بري إيراني/شيعي" ممتد من قزوين حتى الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط.
  3. ضمان عملية سياسية في سوريا، أكثر توازنا، تحول دون عودة النظام لممارسة الحكم في سوريا بالوسائل والأدوات القديمة، حتى وإن ظل بشار الأسد على رأس السلطة لفترة من الوقت.

ومن أجل إنجاز أهداف السياسة الأميركية في سوريا، سعت واشنطن إلى تأمين عناصر القوة والاقتدار التي تمكنها من تحقيق هذه الأهداف. فهي عملت ميدانيا، على تدريب أكثر من أربعين ألف مقاتل محلي في شمال شرق سوريا وفي محيط قاعدة "التنف" في جنوبها الشرقي كذلك.

وهي لوّحت بإعادة إنتاج سيناريو مناطق حظر الطيران الذي استخدم لحماية الأكراد بعد غزو نظام الرئيس العراقي صدام حسين للكويت عام 1990، من أجل توفير الحماية لقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

اقرأ للكاتب أيضا: خيارات الرياض في التعامل مع واشنطن

وهي عملت سياسيا على التلويح بسحب اعترافها الضمني والمشروط، بمساري أستانا ـ سوتشي، حيث رسم جيمس جيفري موعدا أخيرا لسحب هذه الاعتراف، وإعادة الملف السوري إلى "مسار جنيف"، في حال فشل الثلاثي الضامن لمسار أستانا في إطلاق عملية سياسية متوازنة، بدءا من تشكيل وتفعيل عمل لجنة دستورية لسوريا، متفق عليها من قبل مختلف الأطراف.

شكلت عناصر الاستراتيجية الأميركية هذه، وأهدافها ووسائلها، مصدر قلق لروسيا التي كثفت مؤخرا من انتقاداتها للوجود العسكري الأميركي في شمال شرق سوريا، وصفته بـ"غير شرعي"، وعدّته مصدر تهديد لوحدة سوريا وسيادتها، مثلما كانت مصدر قلق وتحسب لتركيا التي تخشى قيام كيان كردي انفصالي على حدودها الجنوبية وهددت على لسان رئيسها باجتياح منبج ومناطق شرق الفرات حتى بوجود قوات أميركية على الأرض السورية.

والمؤكد أن هذه الاستراتيجية كانت مبعث تخوف لدى إيران وحلفائها في سوريا ولبنان، التي طالما راهنت على تعبيد "حزام بري" على امتداد جغرافيا ما يسمى بـ"محور المقاومة والممانعة".

ولقد سمحت هذه الاستراتيجية لحلفاء واشنطن الأقرب والأوثق في المنطقة، بالتصرف بناء على فرضية "الوجود طويل الأمد" للقوات الأميركية على الأرض السورية.

بنت إسرائيل لنفسها استراتيجية "منع إيران من بناء مراكز وقواعد ارتكاز" في سوريا، وهي مهمة بدت صعبة قبل القرار الأميركي الأخير، وستصبح أكثر صعوبة وتعقيدا بعده.

أما السعودية والإمارات، وفي سياق صراعهما مع المحور التركي ـ القطري ـ "الإخواني" فقد كثفتا دعمها لقوات سوريا الديمقراطية وعملتا على حشد الدعم والتسليح والتدريب للعشائر العربية في مناطق سيطرة "قسد"، ودائما لإرباك أنقرة وإشغالها على طول حدودها الجنوبية، وهو الأمر الذي يفسرـ من ضمن عوامل أخرى ـ الغضب التركي على الدولتين، والذي وجد في جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، سانحة لتسديد الصاع صاعين، ضد ما تعتبره أنقرة، دعما خليجيا للمحاولة الانقلابية الفاشلة (2016) وحربا على "الليرة التركية" ومساسا بأمن تركيا ووحدتها الترابية.

في مسألة التوقيت

في مسألة توقيت اتخاذ القرار، يرى مراقبون أن الرئيس دونالد ترامب، اختار التوقيت الأسوأ للإعلان عن هذا القرار من منظور مصالح حلفاء واشنطن وحساباتهم. فهو جاء قبيل ساعات من آخر إحاطة لمجلس الأمن الدولي سيؤديها الموفد الأممي المنتهية ولايته ستيفان ديمستورا حول مآلات الحل السياسي في سوريا والجهود الرامية لتشكيل اللجنة الدستورية والخلافات بشأن تركيبتها وتفويضها والجهة الراعية لعملها.

وجاء القرار قبل ساعات أيضا من التئام "المجلس الاستراتيجي" التركي ـ الإيراني في دورته الخامسة، برئاسة كل من رجب طيب أردوغان وحسن روحاني في أنقرة، والمقرر أن ينصب البحث فيه على مستقبل العلاقات الثنائية بين الجانبين، ورفع مستوى التبادل الاقتصادي والتجاري إلى عشرين مليار دولار سنويا، فضلا عن بحث معمق في الأزمة السورية، حيث تلتقي مصالح الطرفين حول رفض قيام كردي انفصالي في شمال سوريا، وتفترق حول عدد آخر من الملفات، من بينها مستقبل الوجود العسكري التركي في سوريا.

كما جاء القرار بعد أيام قليلة من عملية "درع الشمال"، التي أطلقتها الحكومة الإسرائيلية، بهدف الكشف عن "أنفاق هجومية" لـ"حزب الله"، تمتد من الأراضي اللبنانية إلى الداخل الإسرائيلي، تلك العملية التي ألقت الضوء مجددا على فصل جديد من فصول الصراع الإسرائيلي ـ الإيراني في سوريا ولبنان على حد سواء.

والقرار يأتي في ذروة عمليات الكرّ والفرّ بين قوات "قسد"، أقرب حليف لواشنطن في سوريا من جهة وتنظيم "داعش" الإرهابي على جبهة هجين وجوارها وفي حوض الفرات الجنوبي من جهة ثانية.

كما أنه يأتي وسط حشود عسكرية تركية كثيفة، واستدعاء أنقرة لمقاتلين من "المعارضات السورية" المحسوبة على أنقرة، توطئة لهجوم على مناطق شرق الفرات، فيما ملف "منبج" ما زال فوق صفيح ساخن.

والخلاصة أن القرار الأميركي بالانسحاب الكامل والسريع من سوريا، قد هبط بردا وسلاما على كل من موسكو وطهران ودمشق والضاحية الجنوبية لبيروت، وخلق حالة من الارتباك والانزعاج في إسرائيل وخلّف إحساسا عميقا بالخذلان والتخلي في أوساط الحركة الكردية، وتسبب بخيبة أمل في الرياض وأبو ظبي، اللتان استظلتا بالقواعد الأميركية في شمال شرق سوريا، لممارسة أوسع عمليات تعبئة وتحشيد ضد تركيا في تلك المناطق.

في تفسير القرار

لا أحد في هذه المنطقة، لديه تفسير "مقنع" للقرار الأميركي وتوقيت اتخاذه والكشف عنه، مع أن تفسيرات عديدة صدرت عن مراقبين ومحللين بهذا الصدد. بعضهم ردّ القرار إلى تفاهمات تركية ـ أمريكية، توجت في المكالمة الأخيرة بين ترامب وأردوغان، وتضمنت إبلاغ الجانب التركي بقرار واشنطن سحب قواتها من سوريا، وهو ما رأى فيه الزعيم التركي مؤشرا إيجابيا، دون أن يذهب بعيدا في الإفصاح والتوضيح لماهية التفاهمات التي يمكن أن يكون الجانبان قد توصلا لها.

هل "باعت" واشنطن أكراد سوريا لتركيا؟ سؤال يبدو مطروحا بقوة في عواصم المنطقة، التي تعرف تمام المعرفة، حجم الكراهية التي تكنها أنقرة للانفصاليين الأكراد، وتصنيفها لهم كجماعة إرهابية، أشد خطرا على أمن تركيا واستقرارها ووحدتها، من تنظيم "داعش" ذاته.

بعض آخر من المراقبين، ذهب بعيدا في "الخيال"، واقترح تفسيرا يدرج القرار الأميركي في إطار استعداد أميركي لتوجيه ضربات عسكرية واسعة النطاق لإيران، بعد أن يتأكد لواشنطن فشل نظام العقوبات المضروب على طهران في تغيير سلوكها.

أصحاب هذه الفرضية، يعتقدون بأن سحب القوات الأميركية من سوريا، هو السبيل الوحيد لمنع تحولها إلى "أهداف رخوة" لإيران وحلفائها في حال اندلعت المواجهة المباشرة بين الجانبين. ويفترض هؤلاء أن اشتداد حدة الأزمات التي تواجه الرئيس ترامب في بلاده، على خلفية التحقيقات متعددة المسارات التي تخضع لها حملته الانتخابية ومقربون منه، وقد تطاله شخصيا، إنما ترجح "سيناريو الهروب للأمام"، وتعزز احتمالات المواجهة مع إيران خارجيا، لتفادي الأسوأ داخليا، حتى وإن قاد ذلك، إلى إطلاق أوسع عملية خلط للأوراق والأولويات والتحالفات في المنطقة.

حالة من الحيرة في تفسير القرار الأميركي تسود المنطقة، ولسان حال كثرة من قادتها ومحلليها ومراقبيها يقول: إنها السياسة الأميركية في عهد ترامب، حبلى بالمفاجآت و"اللامعقول"... تقول شيئا وتفعل نقيضه... تعطي مؤشرا للتوجه يسارا، فإذا بها تنعطف نحو اليمين في اللحظة الأخيرة، ومن دون مقدمات كافية.

ما بعد القرار

الرابحون والخاسرون جراء القرار الأميركي بشأن سوريا، معروفون تمام، وتصريحاتهم العلنية تدلل عليهم؛ إنها لحظة التتويج الرسمي للدور الروسي المهيمن في سوريا، وهي لحظة انفراج لكل من طهران ودمشق والضاحية الجنوبية.

وهي لحظة خيبة وانعدام يقين في كل من إسرائيل والسعودية والإمارات، بيد أنها "الصدمة الكبرى" للحركة الكردية السورية على نحو خاص.

على المستوى التكتيكي المباشر، لم يعد لدى أكراد سوريا سوى واحد من خيارين اثنين، وعليهم اختيار طريقهم، بأسرع مما يُظن ومما كانوا يعتقدون.

اقرأ للكاتب أيضا: القيم الديمقراطية والقيم 'التقليدية'

فإما تفعيل "القناة الروسية" للوصول إلى تفاهمات مع دمشق، تنجيهم من الغضب التركي والتربص الإيراني، وتسهيل نشر قوات الجيش السوري في مناطق نفوذهم وسيطرتهم، وتحت رعاية "قاعدة حميميم"، وإما الاستعداد لمواجهة شاملة مع تركيا، قد تبدأ بمناوشات و"حرب وكالة" مع فصائل المعارضة السورية المحسوبة على أنقرة، وهي التي بدأت تطلق التهديد تلو الوعيد بإلحاق هزيمة نكراء ضد "الانفصاليين" و"العملاء.

وثمة سباق سيبدأ قريبا، إن لم يكن قد بدأ بالفعل لـ"ملء فراغ" واشنطن في مناطق الشمال الشرقي السوري، وإغلاق ملف منبج. وقد يفضي سباق كهذا، إلى تهديد العلاقة بين أطراف المثلث الضامن لمسار أستانا، فتركيا لن تترك النظام السوري وحلفائه، يملؤون الفراغ، وإيران تنظر للمشهد بأكثر من عين، واحدة تتركز على الملف الكردي وأخرى متسمرة على مجالها الحيوي الأكبر والأبعد، أما دمشق فتخشى أطماعا تركية استراتيجية في مناطق غنية بالمياه والثروات ومصادر الطاقة، والأكراد يتحسبون لإقدام أنقرة على إعادة "هندسة جغرافيا المنطقة وديمغرافيتها"، فيما "المايسترو" الروسي، يراقب رقعة الشطرنج عن كثب، قبل أن يقرر نقلته التالية.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.