ياسمينة بريسي ولاري يوندو: الطيف الذي يأحذ البخيل للحاضر (تصوير ليز لورين
ياسمينة بريسي ولاري يوندو: الطيف الذي يأحذ البخيل للحاضر (تصوير ليز لورين

رياض عصمت/

إنه موسم عيد الميلاد، موسم المحبة، موسم الغفران والصفح عن الذنوب. ليس هناك عمل أدبي وفني أنسب من رواية تشارلز ديكنز القصيرة "ترنيمة عيد الميلاد" للاحتفاء بهذه المناسبة. صار أبينيزار سكروج، الرجل الحقود، والبخيل، والكاره للصلات الإنسانية الطبيعية بين البشر، رمزا لهذا الطراز من البشر، وكأنه شخصية حقيقية، مثله في ذلك مثل هاملت، بطل شكسبير، ومثل دون كيشوت، بطل سرفانتس.

تعتبر رواية "ترنيمة عيد الميلاد" للأديب الإنكليزي تشارلز ديكنز ـ رغم قصرها بالمقارنة مع رواياته الكبيرة "قصة مدينتين"، و"أوليفر تويست"، و"ديفيد كوبرفيلد" و"الإرث العظيم" ـ واحدة من أشهر أعماله وأكثرها تقديما على خشبات المسارح.

صار سكروج وعائلة كراتشيت كلها، وبالأخص الطفل الكسيح تيم، فضلا عن شبح مارلي وأطياف عيد الميلاد الثلاثة من تراث عيد الميلاد في الولايات المتحدة وبريطانيا.

تدور القصة عن تحول شخصية سكروج من عجوز بخيل كاره للمجتمع، يعتبر عيد الميلاد "همبكة" ـ حسب التعبير الإنكليزي والمصري معا ـ إلى شخص كريم، يجد بهجة قلبه في إسعاد الآخرين.

يؤكد تشارلز ديكنز في "ترنيمة عيد الميلاد" على نظرية أن سلوك الإنسان محكوم بسني طفولته​

يحكى أن ديكنز بدأ بتأليف روايته القصيرة "ترنيمة عيد الميلاد" في شهر أكتوبر/تشرين الأول من عام 1843، وأنهاها خلال شهر واحد فقط لتطبع ككتاب وصل إلى المكتبات في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، ثم أنتجها بعد شهرين ثمانية مسارح مختلفة في آن معا.

تجري أحداث الرواية في ليلة عيد الميلاد في لندن، حيث يعيش الكهل البخيل سكروج منعما بسبب هوسه بكدس الأموال نتيجة استغلاله للناس بينما يتضور كثير من الفقراء جوعا، ويضطر موظفه البائس كراتشيت أن يعول أسرته الكبيرة ويعالج ابنه الصغير الكسيح بمنتهى الصبر على الضيم.

اقرأ للكاتب أيضا: كومونة باريس.. مصائب العالم تأتي تباعا

تأتي ابنة أخت سكروج لتدعو خالها للانضمام إلى عائلتها من أجل الاحتفال بعيد الميلاد، إلا أنه يرفض بفظاظة لأنه لا يعتبره عيدا على الإطلاق. في ليلة أحداث المسرحية، يأوي سكروج إلى فراشه وحيدا ليفاجأ بشبح شريكه الراحل جاكوب مارلي بعد سبعة أعوام على وفاته يزوره في بهيم الليل مكبلا بالسلاسل ليحذره من عذاب الآخرة بسبب صفة البخل المشتركة بينهما، مناشدا إياه أن يغير سلوكه وأسلوب حياته.

يخبره مارلي أيضا أن ثلاثة أطياف سيزرنه في ليلة عيد الميلاد ويرينه الماضي والحاضر والمستقبل. يسمع سكروج أجراس الكنيسة تدق فترتعد فرائصه ويؤوي إلى سريره خائفا. يظهر الطيف الأول، وإذا بصبية تحلق به إلى طفولته ليبصر كيف أثرت حياة البيت عليه سلبا وجعلته يفتقد دفء المحبة. ثم يأخذه طيف الصبية إلى مدرسته حيث يرى نفسه طفلا منبوذا يبحث عن الحب ولا يجده. تريه بعدها كيف فضَّل المال في شبابه على صحبة فتاة شغف قلبه بها، فأضاعها إلى الأبد ليبقى إنسانا وحيدا يعاني من العزلة وفقدان العواطف.

يغفو سكروج قليلا ويصحو، فإذا بطيف امرأة أخرى تأخذه في جولة على حاضره هذه المرة، حيث يزور دون أن يراه أحد منزل موظفه بوب كراتشيت وهو يحتفل بعيد الميلاد مع أسرته المحتاجة. وبالرغم من تواضع وليمتهم في عيد الميلاد، إلا أنهم يبدون جميعا هانئين بالمحبة الأسرية، قانعين بالقليل المتوفر لديهم.

يعلم سكروج لأول مرة أنّ ابن كراتشيت تيم الصغير كسيح. لاحقا، يوحى لسكروج أن تيم الصغير قد مات، فيتأثر كثيرا ويعتبر نفسه مسؤولا عن وفاة الطفل البريء، لكن ديكنز يكشف لنا في النهاية أن تيم لم يمت، لكن تخيل سكروج لموته كان أحد الدوافع الأساسية لتغير طباعه من الأنانية والجشع إلى الغيرية والسخاء.

يتلاشى طيف الحاضر من أمام سكروج ويقترب منه طيف آخر ضخم ومخيف وأسود كلون الغراب لا تبدو ملامحه للعيان جلية للعيان. يوحي له الطيف بنهاية كل إنسان والحساب المنتظر في الحياة الأخرى عما فعل من خير أو شر.

تنتهي "ترنيمة عيد الميلاد" نهاية سعيدة، فالرجل القاسي والشحيح، إبينيزار سكروج، ينقلب رأسا على عقب ويتحول إلى إنسان رحيم وكريم، يشتري لعائلة الموظف الفقير عنده أكبر ديك رومي، ويعتبر تيم الصغير بمثابة ولده، ويمنح من أمواله المكدسة بسخاء مستغرب إكراميات تسعد الآخرين من حوله، بل يظهر فجأة في حفلة ابنة أخته ليتلقى من المحبة ما ينعش فؤاده المحروم من صلة الرحم.

كثيرا جدا ما ارتبط إنتاج "ترنيمة عيد الميلاد" بهذا الاحتفال السنوي الذي أصبحت له قدسية معينة حتى عند أصحاب الديانات الأخرى غير المسيحية. من المألوف في دمشق أن تتبادل الأسر المسلمة والمسيحية التهنئة بأعياد الدينين الإبراهيميين، وأعرف عائلات مسلمة عديدة في دمشق تزين بيتها بشجرة عيد الميلاد أسوة بالعائلات المسيحية، نظرا لما يرمز إليه هذا العيد من قيم سامية، ومن محبة وتسامح.

في الولايات المتحدة وبريطانيا، كثيرا جدا ما تقدم الفرق المسرحية على إنتاج "ترنيمة عيد الميلاد"، لكن إحياء مسرح "غودمان" في العام 2018 جاء متميزا للغاية. أخرج العرض المخرج القدير هنري ويشكامبر عن اقتباس أمين كتبه توم كريمر، ولعب دور سكروج المحوري الممثل المخضرم لاري يوندو، أحد أبرز الممثلين المسرحيين في شيكاغو. أما بطل المسرحية بحق فهو الديكور الذي صممه بشكل أخاذ ومبدع المصمم تود روزنثال، ودعمته إضاءة موحية صممها كيث بارهام، فضلا عن الأزياء التاريخية المتقنة والعزف والغناء الحي، مما جعل العرض برمته بهجة للنظر ومتعة للعاطفة.

إبداع هائل لعرض مسرحي فذ ومبهر على أعلى المستويات، يضاهي خيرة ما تقدمه مسارح لندن ونيويورك. لم يترك المخرج هنري ويشكامبر حيلة مسرحية إلا وأقدم عليها، بما في ذلك تحليق بعض الشخصيات في فضاء المسرح، وظهور شبح مارلي بشكل مفزع بأكثر من تجلٍ، وتغيير المناظر بطرق تقنية رائعة.

نهاية مسرحية "ترنيمة عيد الميلاد" نهاية تصالحية بالتأكيد، رسالتها تكريس روح التسامح والغفران​

الجانب الأهم أن مبدعي المسرح في شيكاغو لم يغفلوا عن التنوع العرقي في مجتمعهم، وبالتالي حفل العرض بممثلين وممثلات من خلفيات متعددة، ليس بين الشخصيات البشرية فحسب، بل حتى بين الأطياف السحرية الثلاث. في الواقع، أصبحت شخصية سكروج رمزا نقيضا لسانتا كروز أو بابا نويل.

جدير بالذكر، نالت رواية "ترنيمة عيد الميلاد" اهتماما بالغا في السينما، فعرض أول إنتاج مقتبس عنها في برلين عام 1901، ثم عرض فيلم أميركي لاحق عنها في شيكاغو عام 1908، وتتالت النسخ المقتبسة عنها بين عامي 1938 و2018.

اقرأ للكاتب أيضا: هل شكسبير معارض لقانون الهجرة؟

يؤكد تشارلز ديكنز في "ترنيمة عيد الميلاد" على نظرية أن سلوك الإنسان محكوم بسني طفولته؛ فهذا ما تبرهن لنا عليه الرحلة الأولى حين يأخذ الطيف سكروج البخيل إلى الماضي ليكتشف أن سبب القسوة لديه يكمن في نقص المحبة في البيت وفي المدرسة، بحيث كبر ليصبح شغوفا بإثبات الذات عن طريق لذة الانتقام، ومنتشيا باستعراض الهيبة عبر سطوة المال، من دون إحساس بالذنب إزاء آلام الآخرين.

نهاية مسرحية "ترنيمة عيد الميلاد" نهاية تصالحية بالتأكيد، رسالتها تكريس روح التسامح والغفران.

يقال بالعامية عن أمثال أبينيزار سكروج: "جاءه عقل الرحمن"، أي جاءته الهداية بعد أن طغى وتجبر. هل يمكن غفران الأذى الذي يلحقه أمثال سكروج بالبشرية إذا ما صحت ضمائرهم وحاولوا إصلاح ما اقترفوا من ذنوب؟ السؤال الذي يخطر بالبال: ماذا لو أن الطفل الكسيح تيم الصغير البريء مات فعلا؟ من يتحمل مسؤولية مصرعه؟ من يحاسب على الألم المبرح الذي سببه لأسرته رحيله قبل الأوان؟ هل يمكن الصفح حقا عن عذابات الأبرياء في عيد الميلاد؟

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.