كويتيون في معرض الكويت الدولي للكتاب
كويتيون في معرض الكويت الدولي للكتاب

محمد المحمود/

عندما خرج العرب من جزيرتهم القاحلة أواسط القرن السابع الميلادي غزاة فاتحين، لم يكونوا يحملون معهم أكثر من رسالة دينية سماوية لا تزال متألقة بوهج البدايات؛ بحيث وفّرت لهم الحد الأدنى من التضامن السياسي والاتساق الأخلاقي، إضافة إلى ما علق بالذاكرة من مرويات شعرية متناثرة ومتنافرة في صورة قصائد ومقطعات من الشعر الغنائي المتداول شفهيا، والذي كان ـ بلغته/ ثقافته ـ يرسم حدود الذاكرة الجمعية لذلك الشتات القبائلي، المتناحر في دورات الصراع المتكررة إلى ما قبل "هجرة الفتوحات" بقليل.

لحسن الحظ، كانت الأقطار المستهدفة بالفتوحات، ومن ثم بالاستيطان، موطنا لحضارات سابقة تقاطعت ـ بالتفاعل الإيجابي، القسري والطوعي ـ مع حضارات طارئة حاولت السيطرة على قلب العالم القديم/ منطقة "الشرق الأوسط" التي أصبحت بعد بضع سنوات من الفتح/ الغزو العربي مركز الحراك الإمبراطوري العربي الطموح.

فكان من الطبيعي أن تشكل ثقافات المهزومين، تلك الثقافات الزاخرة بأهم جدليات العقل في ذلك الزمن، تحديا واضحا للغازي المنتصر، لا على المستوى الديني فحسب، وإنما على المستوى الثقافي والعقلي أيضا. وكان من الممكن أن يشكل ذلك التحدي مأزقا حقيقيا؛ لولا أن نشوة النصر بقيت تحفظ للغازي المتنصر نوعا من الصمود المعنوي؛ خاصة وأن الإمبراطورية كانت لا تزال عربية في عُصْبتها السياسية، وفي تعصّبها القومي المدعوم بوهم التفوق العرقي المُتحصّن بالانغلاق على الذات منذ عصر الجاهلية الأولى.

لهذا، لم يكن ثمة إبداع نهضوي تحديثي نوعي على امتداد القرن الهجري الأول. والسبب فيما أعتقد كامن في التركيبة السياسية للدولة الأموية التي كانت تحول دون الامتزاج الثقافي والعرقي بين مكونات المجتمع الجديد.

اقرأ للكاتب أيضا: التحديث والإصلاح الديني

صحيح أن ذلك العصر لم يخل من الجهود الفردية النادرة في الترجمة والتواصل الثقافي منذ المحاولات الأولى المنسوبة لخالد بن يزيد، ولكن لا يخفى على أحد أن الأحادية الثقافية ذات الطابع العروبي كانت هي هوية الخطاب الثقافي في ذلك العصر، تلك الهوية التي استبّدت إلى درجة أنها ألغت ما سواها، واعتبرت "النقاء الثقافي" هدفا أصيلا وقيمة إيجابية لا يجوز التنازل عنه بحال.

لقد أخذت الثقافة العربية الجاهلية تُعِيدُ تدوير نفسها، حتى أصبحت نقائض الفرزدق وجرير والأخطل، فضلا عن صحراويات ذي الرمة والشمّاخ والعجّاج وأبي النجم...إلخ، هي العنوان الثقافي لذلك الزمن الأموي الذي كان عقبة كأداء؛ بدل أن يكون نقطة انطلاق.

بدأت شمس الحضارة العربية الإسلامية تشرق حقيقة؛ عندما بدأ التواصل الثقافي ـ على المستوى الاجتماعي وعلى المستوى الثقافي ـ يكتسب حيوية فاعلة، تستمد قوتها من التحولات السياسية التي رافقت ثورة العباسيين، والتي لم تكن مجرد انقلاب أسرة حاكمة على أسرة حاكمة؛ بقدر ما كانت انقلابَ تَشكّل اجتماعي ـ سياسي على نظيره.

فابتداء من مرحلة البدايات الأولى لتأسيس الإمبراطورية العباسية، كان العنصر الأجنبي/ غير العربي ـ المشارك في الثورة على نطاق واسع ـ يحضر في الفضاء العام ثقافيا، ويدفع باتجاه التشجيع الرسمي على تفعيل حركة الترجمة، تلك الحركة التي بلغت أوج فاعليتها المؤسساتية في عهد المأمون العباسي المُدشّن لعصر الانفتاح الثقافي في حضارة المسلمين.

لقد تأسست النهضة العربية الأولى على إيقاع حراك ثقافي تفاعلي تمثّل في الترجمة التي بدأت تنشط بدعم رسمي، ثم اكتسبت فيما بعد قوة دفعها الذاتي. وفي المقابل؛ عندما بدأ نشاط الترجمة بالانحسار، كان هذا إيذانا ـ من حيث هو سبب ونتيجة ـ بالانحسار الحضاري، والدخول في عصر الانحطاط الذي استمر لأكثر من سبعة قرون.

وكما كان الأمر في البدايات الأولى للحضارة العربية، كانت الإرهاصات الأولى للحضارة الغربية الرائدة في القرنين: الثاني عشر والثالث عشر، مسبوقة بنشاط ملحوظ في مجال الترجمة، تصاعدت وتيرته لاحقا، بحيث لم نصل لمُفْتَتَح القرن الثامن عشر/ قرن التنوير إلا وكانت اللغات الحية في أوروبا تمتلك مخزونا ثقافيا يستطيع أن يمنحها تصورا واضحا/ أوليا عن أهم الثقافات في هذا العالم.

ثم تصاعد هذا الاهتمام، حتى أصبحت مراكز الدراسات والترجمة تتوزع على امتداد الجغرافيا الغربية؛ لتشمل برصدها وتحليلها كل ثقافات البشر، البدائي منها وشبه البدائي، الآخذ في الصعود، والقابع في دهاليز عصور الانحطاط؛ لا لشيء إلا لأن هذه الحضارة الاستثنائية أدركت منذ وقت مبكر، منذ قرون، أن المعرفة قوة، أن المعرفة سلطة، أن المعرفة مفتاح الثراء والصحة والسعادة، بل وأن المعرفة بذاتها نوع حياة.

لم يغب عن وعي الرواد الأوائل لـ" النهوض العربي الحديث" هذه الأهمية البالغة للترجمة؛ إن أراد العرب الخروج من نفق عصور الانحطاط والتخلف. كانت الصورة واضحة ـ إلى حد كبير ـ عند الرواد، فعندما وصل الإشعاع الأول للحضارة الغربية إلى عالم العرب متمثلا في حملة نابليون، أدرك السياسي الواعي، والمثقف الواعي، والعالِم/ عالم اللغة والشريعة الواعي، أن لا تقدّم دون تواصل حيوي مع مركز الإشعاع الحضاري عن طريق الابتعاث من جهة، وعن طريق الترجمة من جهة أخرى.

وهذا ما قام به ابتداء محمد علي باشا في مصر، حيث اعتمد خطة طموحة للابتعاث، وأسس مدرسة للترجمة/ مدرسة الألسن (تأسست عام 1835) وهي المدرسة التي أشرف عليها ـ تأسيسا وإدارة ـ رائد التنوير في العالم العربي: رفاعة الطهطاوي.

ما حققه رفاعة الطهطاوي وتلاميذه من خريجي مدرسة الألسن في القرن التاسع عشر يبدو مدهشا، إذ ترجموا ـ رغم محدودية الإمكانيات، وصعوبة التواصل، وضعف الوسائل، وتعثر المشروع أكثر من مرة ـ حوالي ألفي كتاب.

وفي القرن العشرين ظهرت كثير من مشاريع الترجمة ذات الطابع المؤسسي، كـ"لجنة التألف والترجمة والنشر" التي أشرف عليها الباحث الشهير: أحمد أمين، وكذلك مشروع الألف كتاب الأول والثاني، ثم المركز القومي للترجمة الذي يتبع المجلس الأعلى للثقافة في مصر، ولا تخفى الريادة فيما يصدر من ترجمات في كثير من أعداد سلسلة "عالم المعرفة" الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، وأيضا ما تصدره "المنظمة العربية للترجمة"، إضافة إلى المشاريع الحديثة في بعض دول الخليج التي أخذت على عاتقها الترجمة في الاتجاهين: إلى العربية؛ من اللغات الأخرى، ومن اللغات الأخرى؛ إلى العربية، ولا ننسى بعض دور النشر العربية الشهيرة التي تُولي الإنتاج المترجم عناية خاصة، لا من حيث جودة الترجمة فحسب، وإنما من حيث اختيار الكتب النوعية أيضا.

وإذا كانت كل هذه المشاريع وغيرها مما هو في سياقها قد أثْرَت وأثرَت وأسهمت بشكل حاسم في التطور النسبي الذي تحقق، خاصة وأن ثمة جهودا فردية يقوم بها المتخصصون في الحقول المعرفية التي ينتمون إليها، فإن كل ذلك لا يرقى إلى الحد الأدنى من الترجمات المطلوب إنجازها لتحقيق التواصل المأمول ـ ثقافيا/ معرفيا ـ مع العالم، فما بلك بالحد المعقول اللازم توفره لمواكبة التطورات المتلاحقة في شتى المجالات، ومن ثَمّ؛ للدخول في تفاعل ثقافي/ حضاري مع أحدث المستجدات الفكرية والعلمية في تطوراتها المطردة التي تتغيا تحقق الإنسان في الإنسان.

إن مشاريع الترجمة لم تكن في يوم من الأيام ترفا ثقافيا، فكيف به في هذا العصر الذي يتشابك فيه العالم من أقصاه إلى أقصاه؛ ليكون الحدث الخاص في أي مكان من هذا العالم حدثا عاما، والعكس صحيح، حيث يكون الحدث العام حدثا خاصا؛ إن لم يحكم الأفراد في مستوى تحققاتهم العينية، فإنه يحكمهم في مستوى المحاضن المعنوية والمادية التي يتشكل فيها حاضرهم ومستقبلهم!

أستطيع التأكيد على أن التحولات النوعية التي يمكن الرهان عليها في الثقافة والمعرفة، ومن ثَمّ في الواقع، لن تتحقق؛ ما لم تدخل مشاريع الترجمة في مرحلة حاسمة كَمّا وكَيْفا. يقول هاشم صالح ـ وهو من أشهر المترجمين العرب الأحياء، وممن اشتغل بالترجمة على مدى أربعين عاما تقريبا: "وأنا أعتقد شخصيا، وبحكم تجربتي الطويلة في هذا المجال، أنه بناء على نجاح الترجمة أو فشلها تتوقف نهضة العرب ومصير الفكر العربي كله" (مقدمة ترجمته لكتاب أركون: "نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية" ص10)، كما يؤكد في موضع آخر هذا الجزم الاستشرافي بقوله: "وأكاد أراهن على أن نهضة العرب المقبلة سوف تتوقف إلى حد كبير على مدى نجاح مشروع الترجمة أو فشله" (مقدمة ترجمته لكتاب أركون: "أين هو الفكر الإسلامي المعاصر" ص2).

اقرأ للكاتب أيضا: قراءة التاريخ والأحكام الأخلاقية

ليس في هذا التأكيد الذي يكرره هاشم صالح في كثير من ترجماته التي تعكس تجاربه "البَيْن ثقافية" أية مبالغة، بل هو ما تشهد به كل تجارب التحديث التي انخرطت فيها كثير من شعوب العالم، فكان حظها من التقدم والرقي الحضاري؛ بمقدار حظها من التواصل الثقافي/ المعرفي مع حضارة العصر في كل تشكلاتها الثقافية.

وإذا كانت أهم وأشهر مشاريع الترجمة التي تعمل اليوم على امتداد العالم العربي (الذي يتجاوز عدد سكانه اليوم 430 مليون نسمة) لم تُصْدِر على امتداد سنواتها الطوال إلا عددا محدودا لا يتجاوز الألفين أو الثلاثة آلاف لكل منها في أحسن أحوالها، بحيث لا يتجاوز مجموع إنتاجها السنوي من الترجمة ألف كتاب، فإن ما نحتاجه يتجاوز ذلك بكثير.

ما نحتاجه مشاريع عملاقة، متنوعة ونوعية، بميزانيات مليارية ضخمة، وبرؤية انفتاحية حرّة ومستقلة، لتترجم عشرات الألوف من الكتب سنويا، وتتكفل بعد ذلك بنشرها وتحويلها إلى كل وسائط المعرفة المتاحة، ومن ثم توفرها بالأسعار المعقولة، أقصد: الأسعار المناسبة للفرد العربي، والمناسبة أيضا للمؤسسات التعليمية والتثقيفية، خاصة في الدول العربية ذات الكثافة السكانية العالية، التي هي بحاجة إلى الدعم على أكثر من صعيد.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.