لبنانيون يتظاهرون ضد الأوضاع الاقتصادية السيئة والفساد
لبنانيون يتظاهرون ضد الأوضاع الاقتصادية السيئة والفساد

حنين غدار/

بعد سبعة أشهر من المشاحنات التي أعقبت الانتخابات اللبنانية، تبدو الفصائل السياسية في البلاد على استعداد لتشكيل الحكومة المقبلة في الأيام القليلة القادمة. ويأمل العديد من المراقبين أن لا تعمل القيادة الجديدة على تعزيز الإصلاحات الاقتصادية المتوقفة منذ فترة طويلة فحسب، بل على التعامل أيضا مع الوضع الأمني الهش الناجم عن أنفاق "حزب الله" التي اكتُشفت مؤخرا عبر الحدود، وغيرها من الاستفزازات.

ومع ذلك، فإن مجموعة المبادرات المحلية والدولية التي أدت إلى الاتفاق الحالي حول تشكيل الحكومة، توفر ثلاث حقائق رئيسية منبّهة، هي: تمتُّع "حزب الله" حاليا بدور أكبر فيما يتعلق بسياسات الحكومة، من بينها القرارات الأمنية؛ كَوْن رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري أشد ضعفا هذه المرة؛ وعدم احتمال أن يشهد اقتصاد لبنان أي نمو.

هذه ليست حكومة وحدة وطنية

في الانتخابات البرلمانية التي جرت في أيار/مايو، فاز "حزب الله" وحلفاؤه بأكثر من 70 مقعدا من أصل 128، في حين خسر الحريري أكثر من ثلث أعضاء كتلته. ومنذ ذلك الحين، واجه الحريري العديد من العقبات في محاولته تشكيل حكومة ائتلافية، وكان آخرها تلك التي ركّزت على السنة المؤيدين لـ"حزب الله"، حيث طالبت الجماعة الشيعية مرارا وتكرارا بمقعد حكومي لأحد هؤلاء السُنّة. وبعد شهرين من الجمود، وافق الرئيس ميشال عون على ضم أحد أعضاء ائتلافه الذي يقوده "التيار الوطني الحر".

وبالإجمال، من المتوقع أن يكتسب "حزب الله" سيطرة مباشرة على وزارة الصحة العامة وعدد من الوزارات الأخرى، بينما سيتولى حلفاؤه معظم الحقائب السيادية. ومن المتوقع أن يبقى علي حسن خليل من "حركة أمل" وزيرا للمالية، في حين من المرجح أن يبقى جبران باسيل، زعيم "التيار الوطني الحر"، وزيرا للخارجية. أما إلياس بو صعب، الذي ينتمي أيضا إلى كتلة عون، فسيكون وزير الدفاع القادم.

وفي مطلق الأحوال، تبدو الحكومة الجديدة وكأنها حكومة "حزب الله"، وليست حكومة "وحدة وطنية" كما وصفها عدد كبير من المنافذ الإعلامية.

فقد تم تلبية جميع مطالب الحزب، مما يعني أنه سيتاح لمنظمة مصنّفة كإرهابية إمكانية الوصول المباشر أو غير المباشر إلى كافة الوزارات التي هي بحاجة إليها من أجل تعزيز أجندتها المحلية والخارجية. فالتغيرات في الحقائب المتبقية ليست سوى تفاصيل.

وعلى الرغم من أن الكثير من التأخير منذ أيار/مايو المنصرم كان يعزى إلى وضع السنة المؤيدين لـ"حزب الله"، إلا أن التركيز الحقيقي للحزب كان ينصب على ترتيب حكومة تسمح له بتخفيف التحديات المالية التي يواجهها.

فالعقوبات الأميركية والدولية شدّدت القيود على ميزانية الجماعة، مما أثّر على علاقتها بقاعدة الدعم المحلية الشيعية التي تتلقى معظم مساعدات الرعاية الاجتماعية وغيرها من المساعدات. كما أراد قادة "حزب الله" إضعاف الحريري لكي لا يتمكن من العمل ضدهم إذا تم فرض المزيد من العقوبات والضغوط الدولية الأخرى في المستقبل القريب. فبالإضافة إلى ضمان خسارته جزءا كبيرا من كتلته، سعى هؤلاء القادة إلى التضييق عليه في حكومته من خلال تعيين شخصيات سنية أخرى راغبة في تنفيذ أجندة الحزب ـ وخدمة مصالح نظام الأسد.

آمال ضئيلة للنمو الاقتصادي

على الرغم من التأكيدات بأن الحكومة المقبلة ستعالج المشاكل الاقتصادية السيئة التي يعاني منها لبنان، إلا أن المؤشرات الحالية تُظهر احتمال ضئيل للتحسن. وقد بدأ التدهور المستمر قبل فترة طويلة من الفراغ الذي نشأ بعد الانتخابات، وهو متجذر في العديد من العوامل التي لا علاقة لها بالوضع السياسي الحالي، ومن بينها انخفاض التحويلات المالية من المغتربين، وارتفاع أسعار الفائدة العالمية، وانخفاض الصادرات البرية إلى دول الخليج بسبب الحرب في سوريا، وفشل الحكومة السابقة في تمرير إصلاحات رئيسية.

وإذا استمرت بيروت في تأخير الإصلاحات، وإذا لم تكن الحكومة الجديدة شاملة جامعة بما فيه الكفاية، فقد يتم حرمانها من الحصول على قروض المساعدة التي تم التعهد بها في "المؤتمر الاقتصادي للتنمية والإصلاح والأعمال" ("سيدر") الذي انعقد برعاية فرنسا في نيسان/أبريل الماضي.

جنود من الـ"يونيفيل" والجيش الإسرائيلي عند الحدود مع لبنان خلال عملية تحقق من وجود أنفاق لـ"حزب الله"

​​وحتى لو تم توفير تعهدات مؤتمر "سيدر"، فلن تكون كافية لتخفيف عبء الدَيْن العام الساحق في لبنان من دون تنفيذ إصلاحات هيكلية جادة تعالج الفساد المتفشي. فالبنية التحتية المتدهورة في البلاد تحتاج إلى اهتمام فوري ـ لا سيّما في مجال النقل الجوي والكهرباء وإدارة النفايات والمياه والطرق ـ ولكن هذه المشاريع لا يمكن أن تكتمل بشكل فعال عندما يتم استنزاف تمويلها عن طريق الكسب غير المشروع.

ولدى لبنان ثالث أعلى نسبة ديون في العالم، تقدر حاليا بـ 81 مليار دولار، أو 152 في المئة من "ناتجها المحلي الإجمالي". وفي تقريرها الأخير، غيّرت وكالة "موديز" نظرتها المستقبلية للبلاد من "مستقرة" إلى "سلبية" وحافظت على تصنيفها الائتماني عند "B3"، أي "مضاربة ومخاطر ائتمانية عالية" ـ وهو تقييم يستند إلى ضعف وضع السيولة وانعدام الاستقرار المالي.

ومن غير المحتمل أن يتغير هذا التقييم حاليا لأن بيروت تستعد لإعادة القادة السياسيين الفاسدين السابقين الذين يستفيدون من الوضع الراهن.

المحاذير المرافقة

بينما يُعتبر تشكيل الحكومة الجديدة صفقة منتهية إلى حد كبير، إلا أنه لا يزال أمام المسؤولين خطوتان أخريان يمكن أن تؤثرا على الوضع الدبلوماسي والأمني للبنان.

أولا، يجب عليهم إصدار بيان وزاري يشمل رؤيتهم للبنان. ففي الماضي، كان الجزء الأكثر إثارة للجدل في مثل هذا البيان هو اللغة المتعلقة باستراتيجية الدفاع. ولطالما أصرّ "حزب الله" على الحفاظ على التمييز بين "الجيش والشعب والمقاومة"، لأن هذه الصيغة تضفي الشرعية على "حقه" في الاحتفاظ بترسانة عسكرية ضخمة خارج سيطرة الحكومة أو الجيش الوطني. والآن بعد أن اكتسب الحزب مزيدا من السلطة في الحكومة وساعد على تفتيت المعارضة، فمن المحتمل أن يتم إقرار هذه اللغة ثانية، وربما دون نقاش.

سيتعين على الحكومة الجديدة أيضا إجراء العديد من التعيينات العسكرية والأمنية الرئيسية، والتي يمكن لأي منها أن يثير الاحتكاكات مع واشنطن. فقد تلقّى الجيش اللبناني مساعدات من الولايات المتحدة تقدّر بأكثر من 1.6 مليار دولار منذ عام 2006. إلا أنّ بعض المسؤولين أثاروا مخاوف بشأن هذا التمويل في ضوء التقارير التي تشير إلى العلاقة المتزايدة لـ"حزب الله" مع الجيش اللبناني، بما في ذلك إمكانية الوصول إلى جهاز استخباراته والتأثير على قراراته الأمنية (على الرغم من أن هناك القليل من القلق بشأن حصول الميليشيات على الأسلحة التي وفرتها الولايات المتحدة).

وبينما يبقى الجيش اللبناني مستقلا من الناحية المؤسسية، إلّا أنه يتعامل مع "حزب الله" عن طريق المعينين من قبل الحكومة، لذلك ليس هناك شك بأن أي تنسيق بين قوتيهما العسكريتين سيزداد في ظل القيادة الجديدة.

وإلى جانب هاتين الخطوتين الكبيرتين، فإن القرارات التي تؤثر على نفوذ "حزب الله" على المؤسسات والسياسات الأخرى جديرة بالتتبع والمراقبة. فبالإضافة إلى صياغة القرارات والتمويل الخاصة بوزارات الصحة والمالية والدفاع والخارجية، أو السيطرة عليها مباشرة، سيكون للحزب سلطة للتأثير في كيفية تعامل بيروت مع العقوبات الدولية، واستراتيجية الدفاع الوطني، والاتهامات التي تصدر عن "المحكمة الخاصة بلبنان".

كما سيسعى إلى تعزيز سياسته المتمثلة في إعادة إنشاء علاقات رسمية بين لبنان ونظام الأسد السوري. ومن المحتمل أن يشمل ذلك ممارسة المزيد من الضغوط على اللاجئين السوريين للعودة إلى ديارهم ـ تلك السياسة التي أدت بالفعل إلى تحذيرات دولية متعددة بسبب المخاوف الإنسانية.

التوصيات

في 18 كانون الأول/ديسمبر، أعرب مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، لم يُذكر اسمه، عن أمله في أن تعمل الحكومة اللبنانية المقبلة "مع الولايات المتحدة في المجالات ذات الاهتمام المشترك". إلا أن المسؤول أشار أيضا إلى "قلق واشنطن العميق من القوة السياسية المتنامية لـ'حزب الله' داخل لبنان"، ومن "جهود الحلفاء السياسيين لـ'حزب الله' الذين يزودونه بتغطية رفيعة المستوى وهالة من الشرعية.

وبالنظر إلى النتائج الظاهرة لعملية تشكيل الوزارة، من غير المرجح أن تعالج الحكومة الجديدة هذه "المجالات ذات الاهتمام المشترك" على نحو أفضل من الحكومة المؤقتة. بل على العكس من ذلك، ستوفر غطاء أقوى للعمليات العسكرية لـ"حزب الله"، والتي تشمل السلوك التصاعدي الخطير مثل بناء الأنفاق إلى داخل إسرائيل وتعزيز الترسانة الصاروخية الدقيقة التوجيه التي يملكها الحزب.

وتدل الجولة التي نظمها مؤخرا وزير الخارجية المؤقت باسيل للسفراء الأجانب على أمل تبديد الادعاءات المتعلقة بالصواريخ، على الطريقة التي سيتعامل فيها مع هذه القضايا في المستقبل.

وبمجرد قيام "حزب الله" رسميا بتمييع الخط الفاصل بين السياسات التي تتبعها بيروت وتلك الخاصة به، سيكون لبنان أضعف مما هو عليه ـ سواء كونه عرضة للعقوبات الدولية أو للاستفزازات التي تأمر بها إيران بهدف تجنب الضغط الدولي على طهران.

وعليه، يجب على الحكومات الأجنبية أن لا تضع المزيد من الضغوط المالية والسياسية على "حزب الله" وإيران فحسب، بل عليها أيضا فرض ثمن على الحلفاء السياسيين المحليين للحزب. وإلا، سيضمن هؤلاء الشركاء استخدام "حزب الله" للوسائل البيروقراطية بدلا من الأسلحة لتنفيذ أجندته في لبنان.

حنين غدار، صحفية وباحثة لبنانية محنكة، وزميلة زائرة في زمالة "فريدمان" في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟