صورة من التقرير الذي أعده التلفزيون البلجيكي عن الحفلة الميلادية
صورة من التقرير الذي أعده التلفزيون البلجيكي عن الحفلة الميلادية

مالك العثامنة/

فلنكتب عن "الميلاد".. والفن حين يكون بسيطا برسالة قوية.

حظيت مساء السبت بحضور ليلة "ميلادية" جميلة ومذهلة في تواضعها ورقيها، نظمتها رعية كنيسة القديس يوحنا ذهبي الفم في بروكسل. أدى كورال الكنيسة ترانيم الميلاد. وتضم هذه الكنيسة رعية عربية مسيحية متنوعة بين مهاجرين ومقيمين ولاجئين أصولهم من المشرق العربي.

كان الحفل على بساطته وبدون أي إبهار إنتاجي مكلف أخاذا وممتعا، وقدم الأطفال كما الشبيبة والكبار، الذين تكون منهم فريق الكورال، خلاصة ثلاثة شهور من التدريب على إحياء تلك الليلة بكل محبة.

حضر التلفزيون البلجيكي بقسمه الفلامنكي، وهو القسم الذي يمثل غالبا ما يسمى بالوطنيون الفلمنك، أو اليمينيين في توجههم السياسي؛ وأعد التلفزيون البلجيكي تقريرا إخباريا عن الحفل لبثه في نشرات أخبار ذلك اليوم.

اقرأ للكاتب أيضا: الأردن: قراءة في المشهد السريالي

المفارقة أن المعد المنتج لكل ذلك من التلفزيون البلجيكي هو مجد خليفة، وهو بلجيكي مهاجر من أصول فلسطينية، يعد بذاته أحد أهم قصص النجاح لعربي مسلم اندمج في الوطن الجديد إلى حد أنه بلغ من الشهرة بين البلجيك ما يكفي للإشارة إلى اسمه كمرجعية إعلامية محترمة.

يتقن مجد خليفة، الهولندية كأهلها رغم أنه مهاجر وليس مولودا في بلجيكا، وألف كتابا قبل عام باللغة الهولندية تم وصفه بالأكثر مبيعا في بلجيكا.

هذا الشاب الإعلامي المجتهد، قدم تقريرا للأخبار البلجيكية عن حفل بسيط أقامه مسيحيون من المشرق العربي، تناول فيه زاوية اللاجئين الجدد منهم، وأجرى مقابلات مع بعضهم فتحدثوا عن أنفسهم كقصص اندماج ناجحة في مجتمع لجأوا إليه فقبلهم وقبلوه، باسم الإنسانية.

ما بعد بث التقرير كان الأكثر إدهاشا، فقد هاتفني مجد خليفة في وقت متأخر من ليلة الأحد وقد تم بث التقرير على نشرات الأخبار، ليعلمني أن بلجيكا، التي تمر بأزمة سياسية حادة عنوان التأزيم فيها قضية الهجرة واللاجئين وقد اشتد التوتر بين اليمين الرافض لقواعد الهجرة بالمعايير الأوروبية المعتمدة واليسار المرحب بالهجرة واللجوء بلا شروط، فيخبرني مجد أن رصد المحطة التلفزيونية للتقرير البسيط عن حفل الميلاد لتلك الرعية المشرقية البسيطة بكل عفويته، نال أكثر المشاهدات ليلة ذلك الأحد في كل بلجيكا، وأن أحزاب بلجيكا كلها من اليمين إلى اليسار وما بينهما كلها شاركت على صفحاتها في موقع فيسبوك نشر التقرير التلفزيوني، حتى أن وزير الاندماج والهجرة السابق اليميني ثيو فرانكن، أعرب عن إعجابه بالتقرير وهو الوزير الذي أثار الأزمة الحكومية بعد استقالته من الحكومة على خلفية مشاركة رئيس الحكومة في اجتماع مراكش وميثاق الهجرة الذي يرفضه اليمين البلجيكي.

والمفارقة ـ يكمل مجد حديثه لي ـ أن وزيرة الاندماج الحالية والتي تمثل اليسار وحزب الخضر، أيضا سجلت إعجابها بالتقرير وهي الخصم السياسي لسلفها المستقيل، هذا غير أن الجميع شارك التقرير على صفحاته الاجتماعية في العالم الافتراضي.

في المحطة نفسها، يقول لي مجد، تم اعتبار التقرير التلفزيوني القصير بمثابة "معجزة ليلة الميلاد" في بلجيكا.. فقد تمكّن مهاجرون عرب، بينهم لاجئون جدد، أن يوحدوا قلوب البلجيك، في ذروة انقسامهم السياسي الحاد، على المحبة.

نعم، هو موضوع مهم، ويستحق مقالا في زاويتي الحرة، لا من باب الدعاية لحفل موسيقي جميل لا عوائد ربحية فيه أساسا. تكمن الأهمية في أن بساطة جميلة مثل تلك، أوصلت رسالة بالغة القوة والتأثير عن العرب والمهاجرين واللاجئين، تكسر الصورة النمطية القاسية التي استطاع اليمين الأوروبي رسمها عن القادمين محملين بهمومهم من شرقهم المتعب إلى الغرب بحثا عن وطن لأحلامهم المبتورة.

اقرأ للكاتب أيضا: رياح التغيير

تلك رسالة كانت ستختفي في القاعة التي أقيم فيها الحفل لولا التقاطة مهنية ذكية ويقظة من صحفي بلجيكي من أصول عربية مسلمة، وبخلفية المهاجر الواعي، فحملت الرسالة بكل إنسانيتها عبر دقائق قليلة إلى كل الناس في بلجيكا ليحقق في التقاطاته، وبجدارة، معجزة ليلة الميلاد.

ببساطة وباختصار..

إن كل ما نحتاجه فقط في هذا العالم، أن نبحث عن الإنسان فينا فنعثر عليه لا أن نتعثر به.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.