إيرانيون يتظاهرون ضد العقوبات الأميركية
إيرانيون يتظاهرون ضد العقوبات الأميركية

حسين عبد الحسين/

في الحرب العراقية ـ الإيرانية، التي اندلعت في العام 1980 واستمرت ثماني سنوات، دفعت انتصارات الإيرانيين ـ في السنوات الأولى للحرب ـ طهران إلى رفض قرار مجلس الأمن 598 الداعي إلى وقف إطلاق النار.

ولكن مع حلول العام 1986 ونيل صدام حسين بعض الحظوة في واشنطن، انقلبت الموازين، وراح العراقيون يتغلبون على الإيرانيين، ما أجبر روح الله الخميني على قبول قرار مجلس الأمن ووقف الحرب، في خطوة شبهها مؤسس الجمهورية الإسلامية الراحل بتجرعه السم.

على أن متابع وسائل إعلام إيران العربية، ووسائل إعلام تابعيها في العراق ولبنان واليمن، لن يعثر على خطاب الخميني الذي أعلن فيه هزيمته التي شبهها بتجرع السم؛ بل إن الدعاية الإيرانية تستفيض في الحديث عن انتصارها العظيم في الحرب التي تسميها "الجهاد المقدس". هذا هو التاريخ الذي يكتبه المنتصر، أو في هذه الحالة المهزوم، أي النظام الاسلامي، بسبب بقائه على قيد الحياة، وموت المنتصر، أي صدام حسين.

اقرأ للكاتب أيضا: الإعلاميون ومصداقيتهم

على هذا القياس هي انتصارات إيران وحلفائها. في حرب تموز/يوليو 2006، بين "حزب الله" وإسرائيل، أعلن الحزب اللبناني "انتصارا إلهيا". لا يهم أن "المقاومة"، التي كان يفترض أن تحمي لبنان، احتمت هي بلبنان، فبقي قادة "حزب الله" على قيد الحياة في مخابئهم، وواجه لبنان أقسى عملية دمار، وعانى اللبنانيون من خسائر بشرية بلغت 26 مرة عدد الخسائر في أرواح المدنيين الإسرائيليين.

وهكذا دواليك. النظام الإيراني وأتباعه العرب منتصرون دائما، إن في تجرعهم سم صدام حسين، أم في اعتراف زعيم "حزب الله" حسن نصرالله أنه لو كان يعرف شكل الدمار اللبناني الناتج عن الحرب مع إسرائيل لما كان دخل الحرب، أو في "انتصار" الرئيس السوري بشار الأسد على نصف الشعب السوري، القابع في مخيمات الشتات أو المدفون تحت ركام مدنه، أو في اليمن الذي "انتصر" فيه أتباع إيران، الحوثيون، حتى يعيش اليمنيون في أزمة كوليرا ومجاعة قاتلة.

والمفارقة عند نظام إيران الإسلامي، وأزلامه العرب، تكمن في أنهم ـ على الرغم من إصرارهم أنهم منتصرون دائما ـ يندر أن ينقطعوا عن البكاء، وادعاء المظلومية، وشتم "الغطرسة"، و"الاستكبار"، والعقوبات الأميركية، وكل ما هو ليس لإيران أو ليس بإمرتها.

والمفارقة أيضا في الدعاية الإيرانية إصرارها أن إيران توصلت إلى مستويات رفيعة في العلم، والتكنولوجيا، والزراعة، والصناعة. ثم تهدد إيران، التي يفترض أنها متفوقة ومكتفية ذاتيا، الأوروبيين أن صبرها سينفذ إن لم ينجح الأوروبيون في الاستدارة على العقوبات الأميركية.

من يطالع الدعاية الإيرانية قد يصاب بالدهشة لكمية التناقضات التي تشوب الموقع الواحد. وزير خارجية إيران جواد ظريف يصرّح مرارا أن حديث أميركا عن صواريخ إيران هو من باب الافتراء على الجمهورية الإسلامية. أما جنرالات إيران، فهم يصرّحون مرارا أن صواريخ إيران متفوقة وقادرة على ضرب أي هدف في المنطقة، أو حتى في العالم. أيهما يصدق المشاهد أو القارئ: ظريف أم العسكر؟ لا يهم. المهم أن إيران ضحية أميركا، ومنتصرة على أميركا في الوقت نفسه. إيران هي الضحية دائما، وهي المنتصرة المتفوقة على أعدائها دائما.

هذه هي الدعاية الإيرانية: متناقضة، متضاربة، ومليئة بالأكاذيب، خلاصتها أن عظمة إيران سابقة لعظمة كل الحضارات الأخرى، وباقية إلى ما بعد انهيار باقي الحضارات.

هكذا، بدون أن يرف له جفن، يقف خطيب الجمعة في طهران ليشير إلى تظاهرات "السترات الصفراء" في فرنسا، ويقول إن التظاهرات أكدت فشل الديمقراطيات الليبرالية في الغرب، وإنها أكدت نجاح نموذج الجمهورية الإسلامية.

اقرأ للكاتب أيضا: هل من مانديلا فلسطيني؟

لا يهم أن معدل الدخل في فرنسا يبلغ سبعة أضعاف نظيره في إيران. ولا يهم أن فرنسا هي بين الدول العشرة الأولى في العالم في العلوم، والاختراعات، والحريات، والفن، ونوعية المعيشة.

ليست إيران من عظمتها التاريخية بشيء. إيران التاريخية كانت تقف بين الحضارات. إيران كانت رائدة في الطب والصيدلة والكيمياء والحساب والجغرافيا والشعر والأدب والتجارة. أما إيران الإسلامية، فماكينة موت لمواطنيها ومواطني دول الجوار، تعتاش من ريع النفط، الذي تنفقه على استخباراتها، وتمول به دع ايتها البالية.

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.