لوحظ تركيز عدد من المتظاهرين على وحدة اللبنانيين وأنهم لا يريدون الطائفية
لوحظ تركيز عدد من المتظاهرين على وحدة اللبنانيين وأنهم لا يريدون الطائفية

منى فياض/

قبيل المساء، يلاحظ السائر في شارع الحمرا في بيروت حركة غير اعتيادية. جيش ورجال أمن في أماكن متفرقة. تجمعات مختلفة لشبان ويافعين هنا وهناك، وخصوصا في الزوايا ومفترقات الطرق. بعضهم يلتقي في مجموعات صغيرة ويركض. بعض آخر يقف متحدثا أمام كاميرا التلفزيون، شارحا ومعلقا على الحراك والمطالب.

من يراقب حركتهم في الشارع البيروتي الأكثر شهرة، بتنوعه السياسي والثقافي والاجتماعي والديني، أو الذي كان كذلك، ينتابه الشعور أنهم في تجمعهم يبدون كمن يعرفون بعضهم بعضا وينسقون فيما بينهم! يمر شخص قرب فتاة ضمن مجموعة يقول لها شيئا ويكمل كل منهما طريقه. يتجمعون خمسة أو عشرة أو خمسة عشر، يقف بينهم شخص مع سترة صفراء، يبدو وكأنه منسق المجموعة.

علقت سيدة على مجموعة تركض وسط الشارع لصديقتها بتعاطف: أترين كل هؤلاء؟ إنهم من دون عمل.

في أحد المحال المطلة على الشارع، تعلق البائعة الواقفة وراء الصندوق على التحركات في الشارع: سيكسرون ويخربون الدنيا الآن!

أسألها: من تقصدين؟ فترد: هؤلاء الشباب الذين ترينهم. وتردف: ربما أحسن! أسألها أحسن أن يخربوا الدنيا؟ ترد: شايفة الوضع كيف؟ شايفة حالتنا؟ على كل حال إن خربوا الدنيا أو لا، فالوضع سيئ في كل الأحوال. تعليق البائعة هو لسان حال اللبناني الذي لا يعرف ماذا عليه أن يفعل!

اقرأ للكاتبة أيضا: 'حزب الله' والتعطيل: مواد وصفة الانفجار صارت جاهزة

هذه التجمعات الشبابية المسائية في الحمرا وفي عين المريسة ورياض الصلح أمام السراي الحكومية؛ هي بمثابة استكمال للتظاهرة الحاشدة التي حصلت في وسط بيروت صباحا وحتى الثانية بعد الظهر حين أعلن المتظاهرون أنهم سيتوجهون إلى شارع الحمرا. هناك أشعلوا النار في مستوعبات القمامة عند وصولهم، وحصلت بعض المناوشات مع قوى الأمن تم استيعابها.

ضمّت تظاهرة الصباح كثيرا من المواطنين العاديين من جميع الاتجاهات، ورفعت مطالبات مختلفة ومنوعة. البعض منهم طالب بإسقاط النظام، كالعادة. كثيرون أعلنوا أنهم اكتووا من ارتفاع الأسعار ومن البطالة وغياب أبسط الحقوق التي يدفعون كلفتها مسبقا من جيوبهم، على شكل ضرائب مرئية وغير مرئية، من دون أن يحصلوا على أي خدمة من التي تؤمنها سائر دول العالم كحق مكتسب.

وجهت الانتقادات في كل الاتجاهات. وصف أحدهم الوضع: "إنهم مثل الدجاج بياكلوا وبيشربوا وبيوسخوا علينا". وأعلن آخر: "أنا جنوبي حقوقي مضطهدة أكلتها الأحزاب والدولة. بالدولة القوية زادوا البنزين والخبز والناس بتخاف تنزل لأنها بتخاف تضحي بالعشرين دولار". وأنهى كلامه بشتم المواطنين وأردف و"أنا منهم".

لوحظ تركيز عدد من المتظاهرين على وحدة اللبنانيين وأنهم لا يريدون الطائفية مشيرين إلى أنهم يعلمونهم أن يكونوا ضد بعضهم وبأن السني عدو الشيعي والدرزي والمسيحي والعكس.

لكن أكثر ما تردد على لسانهم كان مطلب "البطاقة الصحية" وتأمين الطبابة. علقت سيدة "خذوا ما تريدون لكن لا تتركوا أطفالنا يموتون". فيما أعلنت سيدة أخرى: "نحن لسنا قطعانا، نريد حقوقنا نحن مواطنون وأريد لأولادي أن يبقوا، لا نريد أن نهاجر". فيما اقترح أحدهم، بعد أن انتقد غياب الدولة أن يوضع النواب والوزراء في المجلس ويقفل عليهم وتقطع عنهم الماء والكهرباء والطعام وكل شيء ويتركون.

اعتبر أحدهم أن التهديد بقطع الرواتب هو "لإلهائنا وإضعافنا كي ننسى حقوقنا ونطالب بمعاشنا فقط. أوصلونا إلى هذه الدرجة ـ يقصد من الذل ـ فمن المسؤول؟". أعلن كثر أنهم لم ينتخبوا لأن هذه الانتخابات لم تعجبهم وكانت مزورة.

من هنا بدت التظاهرة كأنها تضم الأضداد الذين لم يرغبوا في الإفصاح عن هوياتهم. وفيما اتهموا الجميع بالفساد، لوحظ أنهم ينزهون "السيد حسن" وحده لا غير "الذي لا يعرف أبدا أن جميع من حوله يسرقون وينهبون".

تعليقات كثر على وسائل الاتصال الاجتماعي أشارت إلى أن التظاهرات تبدو برعاية الطبقة السياسية التي تريد أن تغطي فشلها بتنفيس غضب الشارع ونقمته.

رأى عديدون أن من حق المواطن السعي للمطالبة بالحقوق من السلطة الجائرة الفاشلة. لكن أن يشترك في التظاهر بعض أحزاب السلطة في الوقت ذاته فهو مؤشر إلى عدم براءة التحرك. كما أن التظاهر ضد الجميع فيما "المقاومة خط أحمر" يبدو كتقديم أوراق من الداعين للتظاهر لأحد مكونات السلطة، التي يعترضون على أدائها. وهو الطرف الذي تشير جميع العلامات إلى مسؤوليته الحصرية عن التعطيل. والتظاهر في العادة يحصل لمطالبة الحكومة بتحقيق المطالب، فأين الحكومة؟ ومن يطالبون؟ في حين أن الطرف المعفى من المساءلة يمنع تشكيل الحكومة تحديدا!

إن الانطباع الذي يتأكد مع الوقت، أن من بيده الحل والربط في لبنان، هو من يعفى من المساءلة. إنه الطرف الذي يطلق على نفسه لقب "المقاومة".

من يتابع حركة الشارع اللبناني يخرج بانطباع بوجود شيء ما حقيقي يتحرك، وأن الناس تعاني حقا. أفلتت من بعضهم ومن "الرقيب" عبارات مثل: "الضاحية احترقت بالمخدرات... حلّوا عنا. المحاكم فساد. القضاء فساد. كله فساد". ونقل عن أحدهم: "انتخبت محمد رعد وبس احترق بيتي طلعت لعنده زعبني (طردني) شو هال...". لم ينتبه إلى أن مطرب "محاكم التفتيش" علي بركات وأشباهه كانوا من الدعاة للتظاهر.

تبدو الأمور مختلطة حتى لو "حزب الله" أو غيره محركها، وقد تتجه بأي اتجاه آخر. لا ندري ما إذا كان "حزب الله" يخطط أيضا لهذا الشيء الآخر، أي كي تتفلت الأمور. قد يكون هذا من مصلحته، فهو يريد ضمنا قلب الطاولة على الجميع لإعادة النظر باتفاق الطائف. 

وقد يكون هدف هذه التحركات الضغط على وزير الخارجية جبران باسيل في ضوء التسريبات التي تخرج إلى العلن أو ينقلها بعض الصحافيين القريبين من "الحزب" رغم نفيه لذلك، حول تناقض المواقف بين "حزب الله" وباسيل كمنفذ لسياسات العهد. 

يعتبر البعض أن العقدة تكمن في أن الوزير باسيل، رئيس التيار الوطني (حزب رئيس الجمهورية القوي) الراغب بقوة بترؤس الجمهورية بعد انتهاء ولاية عمّه، يريد الحصول على الثلث المعطل. بينما لا يرغب حليفه "حزب الله" بذلك، ربما لأنه لا يثق به.

ناهيك عن عقدة سنّة "حزب الله" التي يبدو الغرض منها المجيء برئيس حكومة ضعيف ومقصوص الأجنحة. ويربط بعض آخر بين التعطيل وبين القمة الاقتصادية العربية في كانون الثاني/يناير.

وتأتي هذه التحركات في ظل الضغط الممارس من قبل طهران في مواجهة العقوبات الاقتصادية الأميركية. وتجاهر طهران بأنها حصلت على نصف مقاعد البرلمان اللبناني لصالحها، وتتخذ لبنان صندوق بريد لمجابهة العقوبات.

اقرأ للكاتبة أيضا: تدني معيار 'الديمقراطية' في العالم العربي

في هذا الوقت لوحظ أن التحرك طال عددا من المناطق والمدن. لذا قد يكون كل ذلك ـ بتحفظ ـ بداية انفجار البركان والانزلاق نحو العنف. فالسيناريوهات الممكنة متعددة وهي مرتبطة بالتطورات الإقليمية والدولية وبكيفية تفاعل الداخل معها.

نقل أحد الأصدقاء كلام أحد زملائه العراقيين تعليقا على التحركات اللبنانية:

" ـ مش قلت لك إحنا السباقين وانتو اللاحقين؟

ـ ما فهمت قصدك عن شو عم تحكي؟

ـ عن السياسة يابا.. بكرا تدخلون في دوامة التظاهرات المجهولة التي تقتحم الإدارات والوزارات وما حد يقدر يوقفها غير المرجعيات.

ـ بس نحنا شعب متعدد الطوائف والمذاهب.

ـ وإحنا أيش كنا عاد؟".

هل دخلنا دوامة الفوضى؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

 

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.